الكاتبة : سهير سلامة
في زمن لم تعد فيه المسافات عائقا، أصبح التواصل أسهل من أي وقت مضى، ومع ذلك يشعر كثير من الناس بوحدة لم يعتادوها من قبل، مفارقة غريبة نعيشها اليوم، وكل يوم يمر، نحن محاطون بالآخرين في كل مكان، لكننا نفتقد الدفء الحقيقي للعلاقات الإنسانية.
أصبحت الهواتف الذكية جزءا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، نبدأ بها صباحنا وننهي بها يومنا، نجلس مع العائلة، لكن كل فرد غارق في شاشته، نلتقي بالأصدقاء، لكن أعيننا تراقب الإشعارات أكثر من الوجوه، نعرف أخبار الغرباء، ونجهل ما يمر به أقرب الناس إلينا.
وسائل التواصل الاجتماعي منحتنا وهم القرب، لا حقيقته، زر الإعجاب حلّ محل السؤال، والرسالة القصيرة صارت بديلا عن الحديث المطول، تراجعت قيمة الجلسات البسيطة، وتقلصت مساحة الإصغاء، وأصبح الصمت يجلس بيننا دون أن ننتبه.
هذه العزلة لا تعني الانفراد الجسدي، بل الانفصال العاطفي، أن تكون محاطا بالناس، لكن لا تجد من يسمعك بصدق، أو يفهمك دون أن تشرح كثيرا، وهي عزلة أخطر من الوحدة، لأنها تتخفى خلف الضجيج.
فنراها وقد غيرت مفهوم العلاقات الإنسانية، فلم يعد القرب يقاس بالجلوس أو الحوار، بل بعدد الرسائل والتفاعلات. أصبح الحضور افتراضيا، والمشاعر مختصرة، والاهتمام مؤقتا. نتبادل الكلمات بسرعة، لكننا نادرا ما نتوقف لنسأل هل فهمنا حقا ما يُقال؟
في هذا الزمن، تحول التعبير إلى سباق، كل يسعى لأن يرى ويسمع، حتى لو فقد صوته الحقيقي. تنشر الآراء قبل نضجها، وتشارك اللحظات قبل أن تعاش. ومع كثرة المحتوى، يبهت المعنى، ويضيع العمق وسط هذا الفراغ.
المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، بل في طريقة استخدامها، فهي أداة يمكن أن تقربنا إن أحسنا توظيفها، أو تباعدنا إن سمحنا لها أن تسرق إنسانيتنا بهدوء.
في النهاية، ربما لا نحتاج إلى حذف التطبيقات أو الهروب من العالم الرقمي، بل نحتاج إلى استعادة أشياء بسيطة، حديث صادق، نظرة اهتمام، وسؤال يطرح من القلب. فالتواصل الحقيقي لا يُقاس بعدد المتابعين، بل بقدرتنا على أن نكون حاضرين حقا مع من نحب .
* مراسلة "واثق نيوز" في محافظات الوطن



