الكاتب: د. بسام سعيد
أفرزت الحرب في غزة تحولات اجتماعية عميقة لم تقتصر على الاقتصاد أو البنية العمرانية، بل امتدت إلى القيم والعلاقات الأسرية وأنماط الزواج. ففي ظل الانهيار المعيشي، والنزوح الجماعي، وفقدان الاستقرار، بدأت تتشكل تصورات جديدة حول الزواج والتعدد والأسرة، تعكس حالة من إعادة ترتيب الأولويات والمعايير الاجتماعية التي كانت سائدة قبل الحرب.
لقد كان الزواج في المجتمع الغزي، كما في كثير من المجتمعات العربية، يرتبط بجملة من الشروط الاقتصادية والاجتماعية؛ مثل توفير المسكن، وارتفاع المهور، ومتطلبات الاحتفال والتجهيز، إضافة إلى الاعتبارات العائلية والمكانة الاجتماعية. غير أن الحرب أعادت صياغة هذه المعايير بصورة جذرية. فمع اتساع دائرة الفقر، وفقدان آلاف البيوت، وتراجع القدرة الاقتصادية، أصبح كثير من الشباب ينظرون إلى الزواج بوصفه أمراً أكثر سهولة من السابق، نتيجة انخفاض التكاليف، وتراجع الشروط التقليدية، وقبول كثير من الأسر تزويج بناتهم فى ظل واقع جديد فرضته الضرورة.
وفي هذا السياق، برزت ظاهرة اجتماعية لافتة تتمثل في تزايد الحديث عن التعدد، بوصفه خياراً أصبح أكثر قابلية للتحقق في ظل الظروف الراهنة. ويُربط ذلك بعدة عوامل؛ منها ازدياد أعداد الأرامل والمطلقات والمتضررات من الحرب، وتبدل نظرة بعض النساء إلى شروط الزواج بفعل الحاجة الاقتصادية والخوف من الوحدة وفقدان الحماية الاجتماعية. كما أن غياب المسكن المستقل لم يعد عائقاً حاسماً كما كان في السابق، إذ إن واقع النزوح والخيام جعل فكرة البيت نفسها تخضع لإعادة تعريف اجتماعي مؤقت.
ومن خلال الملاحظة اليومية والخطابات المتداولة في مراسم الخطوبة وحفلات الإشهار ، و المخيمات ومواقع التواصل وفضاءات النزوح، يمكن رصد تشكل ما يشبه “اقتصاداً اجتماعياً جديداً للزواج”، حيث أعادت الحرب تعريف مفاهيم القدرة، والبيت، والاستقرار، وحتى الأنوثة والرجولة. فالمهر الذي كان يمثل سابقاً رأسمال رمزي يعكس المكانة الاجتماعية للعائلة، فقد جزءاً كبيراً من وظيفته الرمزية أمام واقع الفقر الجماعي والانهيار الاقتصادي. وكذلك المسكن، الذي كان شرطاً مركزياً للدخول في الزواج، أعيد اختزاله إلى الحد الأدنى الوظيفي؛ فالخيمة باتت تؤدي مؤقتاً وظيفة الحيز الأسري .
هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن حالة “الأنومي” أو تآكل المعايير الاجتماعية التي تحدث عنها علماء الاجتماع، حيث تؤدي الحروب والكوارث الكبرى إلى إضعاف المنظومة القيمية التقليدية، وظهور أنماط جديدة من السلوك والعلاقات تستجيب لمنطق البقاء أكثر من استجابتها للاستقرار طويل الأمد. ففي أوقات الأزمات، تتراجع بعض القيم المرتبطة بالرفاه والاستقرار، مقابل صعود قيم مرتبطة بالأمان النفسي والاحتواء والقدرة على التكيف.
ومن هنا يمكن فهم الخطاب الاجتماعي المتداول حالياً والموجه للنساء، والذي يركز على ضرورة “الحفاظ على الزوج”، والاحتواء العاطفي، وتقليل الخلافات الزوجية، والتحذير من فقدان الشريك لصالح زواج آخر. هذا الخطاب يعكس شعوراً متزايداً لدى بعض النساء بأن ميزان العلاقات الزوجية تغير بفعل الواقع الجديد، وأن الرجل بات يمتلك خيارات أوسع مقارنة بما قبل الحرب وهنا مكمن الخطر فى سهولة التعدد !
لكن السؤال الأهم لا يتعلق بسهولة الزواج بقدر ما يتعلق بقدرة هذه الزيجات على الاستمرار والاستقرار بعد انتهاء الحرب. فالعلاقات التي تُبنى تحت ضغط الحاجة والظروف الاستثنائية قد تواجه لاحقاً تحديات معقدة عند عودة المجتمع تدريجياً إلى حالة أكثر استقراراً. إذ إن الزواج ليس مجرد استجابة ظرفية للحاجة الاقتصادية أو النفسية، بل مؤسسة اجتماعية تحتاج إلى قدر من التوافق النفسي، والاستقرار، والقدرة على تحمل المسؤوليات طويلة المدى.
كما أن التوسع في التعدد بدافع الظرف الاقتصادي قد يخلق توترات داخل الأسرة، ويؤثر على التماسك الاجتماعي والعاطفي، خصوصاً إذا غاب الدخل المادى ، وغابت العدالة أو تحولت العلاقة الزوجية إلى وسيلة للهروب من الضغوط بدلاً من كونها شراكة إنسانية متوازنة. وقد يؤدي ذلك مستقبلاً إلى ارتفاع معدلات النزاعات الأسرية أو الطلاق أو التفكك العائلي، خاصة في مجتمع يعاني أصلاً من آثار الصدمة الجماعية والحرب الممتدة.
إن ما يحدث في غزة اليوم ليس مجرد تغير في تكلفة الزواج، بل تحول أعمق في بنية العلاقات الاجتماعية ومعاني الأسرة والأمان والشراكة. وربما تكشف السنوات القادمة ما إذا كانت هذه التحولات مجرد استجابة مؤقتة لظروف استثنائية، أم أنها بداية لتشكل نموذج اجتماعي جديد يعيد تعريف الزواج والأسرة في المجتمع الغزي.
*أكاديمي وكاتب



