الكاتب : محمد زهدي شاهين
لم يكن السؤال يومًا بسيطًا: هل ينتمي الإنسان أولًا إلى الدين بوصفه هوية كبرى، أم إلى الوطن بوصفه إطارًا سياسيًا واجتماعيًا؟ هذا السؤال، على بساطته الظاهرية، أفرز في الفكر العربي والإسلامي مسارين متباعدين؛ أحدهما انشغل بفكرة الأمة حتى غابت عنه الجغرافيا (الوطن)، والآخر انشغل بالوطن حتى تراجع فيه البعد الإسلامي. وبين هذين المسارين ظل فراغ واضح، تنتظرُه صيغة أكثر توازنًا تعيد وصل ما انقطع بين الهوية والواقع.
من هنا يبرز مفهوم “الإسلامية الوطنية” بوصفه محاولة لتجاوز هذا التعارض المصطنع، لا عبر تسوية سطحية، بل من خلال فهم عميق لطبيعة العلاقة بين الدين والمجال الذي يتحقق فيه. فالإسلام، في جوهره، ليس مجرد منظومة شعائر، بل إطار قيمي شامل ينظم علاقة الإنسان بذاته وبمجتمعه وبالعالم. ومع ذلك، لم يُطرح تاريخيًا كفكرة معلّقة خارج الزمان والمكان، بل كنموذج نزل إلى واقع محدد، وتعامل مع مجتمع بعينه، وانطلق منه إلى آفاق أوسع. وهذا ما يضعنا أمام معادلة دقيقة: رسالة ذات طابع كوني، لكنها تحتاج إلى حيز واقعي لكي تتجسد.
في هذا السياق، يصبح الوطن ضرورة عقلية لا مجرد خيار سياسي. فكل فكرة، مهما بلغت من التجريد، لا يمكن أن تتحقق خارج شروط المكان والزمان. العدالة، على سبيل المثال، لا تُمارس في الفراغ، بل داخل نظام سياسي ومجتمعي محدد، وكذلك القيم الإسلامية لا يمكن أن تبقى في دائرة الوعظ، بل تحتاج إلى مؤسسات وسلطة ومجتمع يحتضنها.
ومن هنا فإن الوطن ليس نقيضًا للفكرة، بل هو وعاؤها الطبيعي، والأداة الوحيدة الممكنة لتحويلها إلى واقع ملموس.
وعلى المستوى المنطقي، يمكن فهم العلاقة بين الأمة والوطن من خلال علاقة الكل بالجزء. فالأمة تمثل الإطار الحضاري العام، بينما يمثل الوطن وحدة البناء الأساسية. ولا يمكن، منطقيًا، أن يتحقق الكل دون أن تتماسك أجزاؤه. إن الحديث عن أمة قوية في ظل أوطان ضعيفة هو تناقض في ذاته، لأن البناء لا يقوم على أساس متصدع. ومن ثم فإن خدمة الوطن لا تتعارض مع خدمة الأمة، بل تمثل الطريق العملي الوحيد لترسيخها، وهذا الأمر ما سنشير إليه في خاتمة مقالتنا.
عند الانتقال إلى المستوى الواقعي، تقدم الحالة التركية مثالًا مهمًا على هذا التداخل المركب بين الهوية الإسلامية والإطار الوطني. فالتجربة التركية الحديثة لم تنطلق من إلغاء أحد البعدين لصالح الآخر، بل من محاولة إعادة تعريف العلاقة بينهما ضمن سياق سياسي وتاريخي معقد. ففي ظل إرث علماني صارم، برزت لاحقًا قوى سياسية ذات مرجعية محافظة سعت إلى إعادة إدماج البعد القيمي في المجال العام، دون أن تتخلى عن الدولة الوطنية أو تدخل في صدام معها.
هذه التجربة، بغض النظر عن تقييمها، تشير إلى أن الفكرة حين تجد أرضًا تعمل عليها، تتحول من مجرد تصور نظري إلى قوة سياسية واجتماعية مؤثرة. لقد جرى التعامل مع الإسلام بوصفه مرجعية ثقافية وقيمية تُسهم في توجيه السياسات العامة، لا بوصفه مشروعًا معزولًا عن الدولة، وفي الوقت ذاته لم يتم تقديم الوطنية باعتبارها بديلًا عن الهوية، بل إطارًا لتنظيمها وتفعيلها. وهنا تتجلى إحدى أهم دلالات الإسلامية الوطنية: القدرة على التوفيق بين المرجعية والانتماء دون الوقوع في التناقض.
ومع ذلك، لا يخلو هذا الطرح من اعتراضات. فالبعض يرى في الوطنية نوعًا من التقسيم الذي يضعف وحدة الأمة، بينما يخشى آخرون من أن تتحول إلى تعصب ضيق. غير أن هذه المخاوف تنشأ غالبًا من فهم غير مكتمل لطبيعة العلاقة بين المستويين. فالوطنية، حين تنفصل عن القيم، قد تنحرف فعلًا، لكنها حين تُضبط بمنظومة أخلاقية تتحول إلى التزام مسؤول، لا إلى انغلاق. والإسلامية الوطنية، في هذا الإطار، لا تلغي الانتماء الأوسع، بل تعيد ترتيبه بحيث يبدأ من الواقع ويتجه نحو الأفق.
إن الإشكال الحقيقي لم يكن يومًا في وجود انتماءين، بل في طريقة تصور العلاقة بينهما. حين يُفهم الإسلام بوصفه بديلًا عن الواقع، أو يُفهم الوطن بوصفه بديلًا عن القيم، ينشأ الصراع. أما حين يُنظر إلى الإسلام كمرجعية تُوجّه، وإلى الوطن كإطار يُجسّد، فإن العلاقة تتحول من تناقض إلى تكامل. وبهذا المعنى، لا تعود الإسلامية الوطنية مجرد صيغة توفيقية، بل رؤية متماسكة تعيد تعريف العمل السياسي والاجتماعي بوصفه امتدادًا للالتزام القيمي، لا خروجًا عنه.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في التنظير لهذا المفهوم فحسب، بل في تحويله إلى مشروع عملي. وهذا يتطلب بناء وعي جديد يتجاوز الثنائية الزائفة بين “الإسلامي” و”الوطني”، وإعادة صياغة الخطاب بحيث يجمع بين المبدأ والواقعية، والانخراط في الفعل السياسي والاجتماعي بوصفه مجالًا لتجسيد القيم، لا مجرد ساحة للصراع على السلطة. فالأفكار التي لا تتحول إلى تأثير تبقى ناقصة مهما بلغت من العمق.
واخيرا وليس اخرا، يمكن القول إن الإسلامية الوطنية ليست محاولة لتقليل أحد البعدين لصالح الآخر، بل لإعادتهما إلى موقعهما الطبيعي. فالإسلام بلا واقع يظل فكرة، والوطن بلا قيم يفقد اتجاهه. وبين الفكرة التي تبحث عن أرض، والأرض التي تبحث عن معنى، تتشكل الحاجة إلى مشروع يجمع بين الاثنين. وحين يتحقق هذا الجمع، لا نكون أمام تسوية مؤقتة، بل أمام بداية مسار أكثر اتزانًا وفاعلية نحو النهوض.
في الختام، ومن باب العودة إلى علاقة الجزء بالكل، نجد اليوم بأن العالم الإسلامي تزداد حاجته إلى إطارٍ ناظمٍ يضبط العلاقات بين دوله على أسسٍ راسخة من الفقه والمصلحة المشتركة، بحيث يتولى علماء الفقه دورًا محوريًا في تأصيل هذه القواعد بما ينسجم مع مقاصد الشريعة ومتطلبات الواقع السياسي. وفي هذا السياق، تمثّل منظمة التعاون الإسلامي، التي تأسست عام 1969، نواةً أوليةً لهذا التنظيم، يمكن البناء عليها وتطويرها. ولعلّ المرحلة المقبلة تستدعي الارتقاء بهذه العلاقة نحو أفقٍ أوسع، يتمثّل في تبنّي مشروع اتحاد إسلامي بصيغة كونفدرالية، تحت مسمى "الولايات الإسلامية المتحدة"، بما يعزّز التكامل ويقوّي حضور الأمة في معادلات العالم. وهذا الطرح ، لا شك بأنه سيواجه عدة تحديات، لكن التحدي الحقيقي ليس في الفكرة،
بل في ثلاثة أمور: أولًا: الإرادة السياسية لدى الدول، إذ إن كثيرًا من الأنظمة تتحفظ على أي صيغة قد تُفهم كتنازل عن جزء من السيادة.
ثانيًا: التباينات السياسية والمذهبية والاقتصادية بين الدول الإسلامية، والتي قد تعيق بناء موقف موحد.
ثالثًا: غياب مرجعية فقهية وسياسية معاصرة قادرة على تأصيل هذا النموذج وضبطه.
في حال تم تجاوز هذه التحديات، فإن "الولايات الإسلامية المتحدة" يمكن أن تكون تطورًا طبيعيًا لأطر قائمة، مثل منظمة التعاون الإسلامي، لكن بشرط الانتقال من مستوى التنسيق الرمزي إلى مستوى التكامل المؤسسي الحقيقي.



