الكاتب : يونس العموري
من المفارقات الصادمة أن يخرج اليمين الإسرائيلي، بقيادة إيتمار بن غفير، مطالبا بإلغاء اتفاقيات أوسلو واتفاق الخليل واتفاق واي ريفر، بينما لا يزال بعض الفلسطينيين يتمسكون بهذه الاتفاقيات بوصفها مرجعية سياسية أو إنجازا وطنيا ... فإسرائيل نفسها، بعد أكثر من ثلاثين عاما، تعلن بوضوح أن المرحلة التي احتاجت فيها إلى أوسلو انتهت، وأن الاتفاقيات التي منحتها الوقت والغطاء والهدوء لم تعد ضرورية.
الحقيقة التي يتجنب كثيرون قولها إن أوسلو لم تكن يوما مشروعا للتحرير، بل كانت مشروعا لإعادة تنظيم الاحتلال بطريقة أقل كلفة على إسرائيل وأكثر كلفة على الفلسطينيين ... لقد أعادت أوسلو إنتاج الاحتلال في صورة جديدة .. احتلال بلا احتكاك مباشر، وبلا أعباء إدارية كاملة، وبلا مسؤولية يومية عن السكان، بينما بقيت الأرض والمعابر والمياه والاقتصاد والحدود والسيادة كلها بيد إسرائيل....
أخطر ما أنتجته أوسلو لم يكن فقط تقسيم الأرض إلى مناطق ( أ، ب، ج ) ، بل خلق واقعا سياسيا كاملا قائم على الوهم... وهم السلطة الوطنية التي بدت في الشكل كيانا سياسيا، بينما كانت في الجوهر إدارة ذاتية محدودة تحت سقف الاحتلال.
السلطة الفلسطينية لم تنشأ كتجسيد للاستقلال، بل كجزء من المنظومة الأمنية والسياسية التي رتبتها إسرائيل بعد الانتفاضة الأولى .. فبدل أن يتحمل الاحتلال كلفته المباشرة، جرى إنشاء جسم فلسطيني يدير السكان، يدفع الرواتب، ينظم الحياة المدنية، ويضبط الأمن الداخلي، فيما بقيت إسرائيل صاحبة القرار النهائي في كل شيء .... حتى أبسط تفاصيل الحياة الفلسطينية بقيت مرتبطة بإرادة الاحتلال .. المعابر، الحركة، الاقتصاد، الضرائب، سجل السكان، الاستيراد، التصدير، الاتصالات، والطاقة... وهكذا تحولت السلطة إلى كيان بلا سيادة حقيقية، محاصر بالاتفاقيات، ومقيد بالتنسيق الأمني، ومرهون ماليا وسياسيا بإسرائيل والمانحين ...
ومن خلال الرؤية الشاملة لما حدث ويحدث في أعقاب أوسلو نلاحظ أن هذا الاتفاق كرس الاستيطان بدل إنهائه ... حيث إنه حينما وُقعت أوسلو، كان يسوق لها باعتبارها مرحلة انتقالية تقود إلى الدولة الفلسطينية.... لكن ما الذي حدث فعليا.. ؟ تضاعف الاستيطان مرات عدة... تمزقت الضفة بالحواجز والطرق الالتفافية. توسعت السيطرة الإسرائيلية على القدس. وتحولت المناطق الفلسطينية إلى جزر معزولة... أوسلو لم توقف المشروع الاستيطاني، بل وفرت له البيئة المثالية للنمو... ففي الوقت الذي انشغل فيه الفلسطينيون ببناء السلطة ومؤسسات الحكم الذاتي، كانت إسرائيل تبني الوقائع على الأرض، وتعيد تشكيل الجغرافيا بما يجعل أي دولة فلسطينية مستقبلية شبه مستحيلة... والنتيجة أن الفلسطينيين خسروا الأرض تدريجيا بينما كانوا ينتظرون مفاوضات الحل النهائي التي لم تأت أبدا...
ولم تتوقف نتائج أوسلو عند الضفة الغربية فقط، بل امتدت إلى قطاع غزة الذي تحول خلال سنوات أوسلو إلى ساحة حروب متكررة وعدوان دائم. فمنذ توقيع الاتفاق وحتى اليوم، شهدت غزة سلسلة طويلة من الحروب والاجتياحات والحصار والدمار، وصولا إلى حرب الإبادة الأخيرة التي تعرض لها القطاع، بينما بدت سلطة أوسلو عاجزة حتى عن امتلاك قرار سياسي أو ميداني حقيقي للتصدي لما يحدث، بفعل القيود البنيوية والسياسية والأمنية التي فرضتها الاتفاقيات نفسها... لقد ظهر بوضوح أن السلطة التي قُدمت باعتبارها نواة الدولة، لم تستطع حماية شعبها ولا الدفاع عن غزة في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية، بل وجدت نفسها مكبلة بالتزامات التنسيق والارتباطات السياسية والمالية التي جعلتها خارج معادلة المواجهة الفعلية.
وبمرور السنوات، لم يعد التنسيق الأمني مجرد بند ضمن الاتفاق، بل تحول إلى عقيدة سياسية وأمنية تحكم العلاقة مع الاحتلال. وهنا ظهر الوجه الأكثر قسوة لأوسلو ... فبدل أن تكون السلطة أداة لحماية الشعب الفلسطيني من الاحتلال، جرى تكبيلها بمنظومة تنسيق أمني أصبحت جزءا من بنية الاتفاق نفسه... هذا الواقع خلق انقساما عميقا داخل الوعي الفلسطيني، لأن قطاعات واسعة شعرت أن أوسلو لم تعد مجرد اتفاق سياسي فاشل، بل تحولت إلى قيد على المقاومة وعلى القدرة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال... بل إن السلطة، في نظر كثيرين، تحولت تدريجيا إلى وكيل أمني يدير الاستقرار المطلوب إسرائيليا، من خلال ملاحقة المقاومة، ومحاصرة بيئتها الشعبية، وتجفيف حواضنها الاجتماعية والثقافية والسياسية، بما يخدم أمن الاحتلال أكثر مما يخدم المشروع الوطني الفلسطيني. ولهذا لم يعد كثير من الفلسطينيين ينظرون إلى أوسلو باعتبارها عملية سلام متعثرة ، بل باعتبارها مرحلة ساهمت في إضعاف المشروع الوطني وتفكيك أدوات النضال الفلسطيني ..
أما القدس، التي كان يفترض أن تكون جوهر الصراع السياسي والوطني، فقد تحولت خلال سنوات أوسلو إلى واحدة من أكبر ضحايا هذا المسار. فمنذ تأجيل ملف القدس إلى مفاوضات الحل النهائي، استغلت إسرائيل الوقت لتكريس سياسة العزل والتهويد وفرض الوقائع على الأرض. توسعت المستوطنات حول المدينة بشكل غير مسبوق، وجرى فصل القدس عن محيطها الفلسطيني بالجدار والحواجز والسيطرة الأمنية، فيما تعرض الفلسطينيون فيها لسياسات سحب الهويات وهدم المنازل والتضييق الاقتصادي والاجتماعي والديني ... ومع الوقت، أصبحت المدينة معزولة تدريجيا عن امتدادها الوطني والسياسي، بينما تعمقت عمليات الأسرلة والتهويد التي استهدفت هوية القدس العربية والإسلامية والمسيحية... ولم تكن المقدسات الإسلامية والمسيحية بعيدة عن تداعيات هذا المسار، إذ شهد المسجد الأقصى تصعيدا متواصلا في الاقتحامات ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني، إلى جانب الاعتداءات المتكررة على الكنائس والمقدسات المسيحية في القدس. ومع كل ذلك، بقيت السلطة الفلسطينية عاجزة عن تغيير الوقائع أو حماية المدينة ومقدساتها، بعدما جرى تفريغ القضية من عناصر القوة الفعلية وتحويلها إلى رهان مفتوح على مفاوضات لم تنتج سوى مزيد من السيطرة الإسرائيلية.
أما قضية اللاجئين، التي كانت تمثل جوهر القضية الفلسطينية تاريخيا، فقد جرى ترحيلها هي الأخرى إلى ما سمي بمفاوضات الوضع النهائي، لتتحول مع مرور الوقت إلى ملف مؤجل ومهمش سياسيا ... ملايين اللاجئين الفلسطينيين بقوا خارج أي حل حقيقي، فيما استثمرت إسرائيل سنوات أوسلو لتكريس رفضها لحق العودة وإنهاء أي أفق سياسي يتعلق بهذه القضية. وهكذا، فإن أحد أهم الحقوق الوطنية الفلسطينية تُرك معلقا بلا أفق، بينما تراجعت مكانة قضية اللاجئين تدريجيا في الخطاب السياسي الرسمي تحت ضغط الاتفاقيات والواقع الدولي والإقليمي الجديد.
وأمام هذا الواقع والوقائع، السؤال الأكثر أهمية الذي يفرض نفسه يتمثل .. لماذا تريد إسرائيل التخلص من أوسلو الآن .. ؟ وباعتقادي تتضح الإجابة بأن إسرائيل حققت معظم ما تريده منها... وأن أوسلو أدت وظيفتها الإسرائيلية .. وأنهت الانتفاضة الأولى سياسيا... ونقلت عبء السكان الفلسطينيين إلى السلطة... ومنحت إسرائيل اعترافا فلسطينيا رسميا... وفتحت باب التطبيع الدولي والإقليمي ... وأضعفت فكرة التحرير الشامل لصالح مشروع الدولة المؤجلة ...
من هنا فإن اليمين الإسرائيلي يرى أنه لم يعد بحاجة حتى إلى الغطاء السياسي الذي وفرته الاتفاقيات... فميزان القوة يميل بالكامل لصالحه، والاستيطان تمدد، والانقسام الفلسطيني قائم، والعالم لم يعد يضغط كما في التسعينيات.... لذلك يظهر مشروع إلغاء أوسلو كإعلان صريح بأن إسرائيل تعتبر المرحلة الانتقالية قد انتهت، وأنها تريد تكريس واقع السيطرة الدائمة دون أي التزام سياسي تجاه الفلسطينيين.
بالنتيجة الصارخة نستطيع القول إن المعادلة الراسخة الآن تقول إن سقوط أوسلو يعني سقوط الوهم ... والمفارقة الكبرى أن إسرائيل، التي استفادت من أوسلو أكثر من أي طرف آخر، هي نفسها التي تعلن اليوم عمليا وفاة الاتفاق... وهذا يكشف الحقيقة التي حاول كثيرون تجاهلها .. أوسلو لم تؤسس لدولة فلسطينية، بل أدارت الصراع بما يخدم الاحتلال... لم تنه السيطرة الإسرائيلية، بل أعادت ترتيبها... ولم تمنح الفلسطينيين سيادة، بل منحتهم إدارة محدودة تحت الهيمنة الإسرائيلية... ولهذا فإن الحديث اليوم لا يجب أن يكون عن إنقاذ أوسلو، بل عن مراجعة شاملة للمرحلة كلها .. وكيف تحولت القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى قضية إدارة مدنية تحت الاحتلال؟ وكيف أصبح الفلسطيني مطالبا بحماية الاستقرار الذي يحمي الاحتلال نفسه.. ؟
ربما يكون أخطر ما في مشروع إلغاء أوسلو أنه لا يعلن فقط نهاية اتفاق سياسي، بل يكشف بعد ثلاثة عقود حجم الوهم الذي بني عليه هذا المسار كله....



