الكاتب : عيسى قراقع
ليس الموتى غائبين كما نظن، بل هم شهودٌ صامتون يقفون خلفنا، يضعون أيديهم على أكتافنا كلما انحرفت اللغة عن معناها، أو انزلقت السياسة إلى نسيان دمها الأول.
في مؤتمر حركة فتح الثامن، يُفترض أنه يُستدعَى التاريخ ليصوغ المستقبل، لا بدّ أن يُفتَح بابٌ آخر، بابٌ لا يدخل منه الأحياء، بل تصعد منه الأرواح التي لم تُكمل حديثها حتى الآن.
الشهداء موجودون، وإن لم يكن لهم أسماء في عضوية المؤتمر، يراقبوننا وينظرون في أعيننا، وينتظرون ماذا سنفعل من أجلهم بعد أن يُسدَلَ الستار، وتمر جنازة الأحياء من أمام المقبرة؟
أمّا الرازحون في السجون فيتساءلون: إنْ كانت الحرية عنوانا لهذا المؤتمر، أمْ ترتيبات خارج الجدران، كل كلمة تقال عنهم إمّا أن ترفع القيود، أو تُضيف قيدا جديدا لا يُرى.
نعقد مؤتمرنا الثامن في ذكرى النكبة، نحن الناجون من الإبادة حتى هذه اللحظة، نجلس على الأنقاض، لا على الكراسي، النيران تشتعل على مقربة منا، في قرية المغيّر، وترمسعيا، ومَسافر يطا، والأغوار، هدم وسلب وهمجية ومساس بالكرامة، تهجير واستيطان وعربدات في القدس الشريف، تجريف المخيمات ومفاتيح حق العودة، إبادة متدحرجة في الضفة المحتلة، عُمالنا الفقراء يَعبُرون في حاويات إلى أعمالهم، أولادنا وبناتنا يُعتقلون كل ليلة، هذا المؤتمر مُحاط بالدبابات والرعب والأسلاك الشائكة، إنّه ينعقد وسط الحرب المستمرة على حقوقنا العادلة، ماذا سيفعل مؤتمر ينعقد في ظروف غير طبيعية، إنْ لم يكن أعضاؤه مستعدين للتضحية والمقاومة؟
يفترض أنه ليس سهلا أن تكون عضوا في مؤتمر حركة تحرر وطني، أو أن تترشح إلى مواقعها القيادية، إن لم تكن ابن الشارع والطين، لا ابن المكتب والشكليات الفارغة، تبحث عن الاسم لا المسمّى، وتختفي من الساحة عندما يناديك الموتى من كل زقاق وحارة وقرية ومخيم.
ويفترض أن نعيد تعريف المرحلة، هذا مؤتمر ليس للتشخيص والفُرجَة، أن يكون أعضاؤه مستعدين لمعركة حق تقرير المصير، أو السقوط في الهاوية، أن يكون لهم رؤية، وأقدام تسير على الأرض، لا نراهم فقط من خلف النوافذ المعتمة.
هذا مؤتمر لأكبر حركة نضالية في التاريخ المعاصر، يعقد على أرض محتلة، في أجواء الوجع والموت اليومي، وتفشي خطاب الإبادة والعنصرية، ليس مهرجانا ولا سباقا، يحتاج إلى أشخاص مختلفين، لهم رائحة خبز الطابون، ورائحة البارود في البندقية، يتحدثون عن الحرية الشاملة، لا نصفَ، ولا ربع حرية، عن كرامة شعب لا يعرف المساومة، انت عضو يعني امامك مهمة فدائية.
فكيف لو وقف شهداء فلسطين وأسرى سجونها، من قَضَوا، ومن ينتظرون في المؤبدات وجحيم الإبادة، ومن لا زالوا محتجزين في مقابر الأرقام، والثلاجات الباردة، أمام مَنصّة مؤتمرٍ سياسي يأتي في مرحلة تاريخية هامة، ورفعوا قلوبهم ليُعاد وزنها؟ هل ستبقى خفيفة بما يكفي لتحمل اسم الحرية، أمْ أثقلتها الحسابات، والانقسامات، والتعب؟
الموتى هنا لا يطلبون تمجيدًا، ولا إعادة كتابة أسمائهم في خطابات رسمية، إنهم يطلبون فقط أَلّا يُستخدَمُوا كزينةٍ لُغويّة، ولا كشواهد حجرية تُرَصُّ على هامش النّصّ، هم يريدون أن يكونوا معيارًا، لا ذكرى، أن يكونوا سؤالًا دائمًا: لماذا بدأنا؟ وإلى أين وصلنا؟
قد يقول شهيدٌ من زمن البدايات:
"لم نحمل أسماءنا لنخلد، بل حملنا فكرة أنّ الإنسان يستحق أن يعيش بكرامة وحرية، فهل ما زالت الفكرة حيّة فيكم، أم صارت مجرد شعار يُرفع عند الحاجة؟".
وقد يهمس أسيرٌ مات جوعًا أو مرضًا:
"تعلّمتُ في الزنزانة أنّ الجسد يمكن أن يُهزم، لكن المعنى لا يُقهر، فهل حفظتم المعنى، أم تركتموه يضيع بين تفاصيل السلطة واليوميّ والعابر؟".
هذا الخطاب ليس استحضارًا للعاطفة، بقدر ما هو استدعاءٌ للمساءلة، فالميت في أطيافه العميقة أكثر صدقًا من الحيّ؛ لأنّه لم يعد بحاجة إلى تبرير، ولا يخشى الخسارة، إنّه يرى الأشياء كما هي، بلا أقنعة.
في مؤتمر فتح الثامن، إذا أُريدَ له أن يكون لحظة تاريخية حقيقية، فعليه أن يصغي إلى هذا "الخطاب الخفي". أن يعترف أن الشرعية لا تُمنَح فقط من صناديق أو لوائح، بل من ذاكرةٍ حيةٍ لم تمت، ذاكرة المخيم، والزنزانة، والحجر وصرخات الموت في غزة، وفي الضفة المحتلة.
إنّ الموتى لا يَطلبون المستحيل، بل يُطالِبون بما هو أبسط وأصعب في آنٍ واحد:
أن يبقى الإنسان في مركز القضية، لا أن يتحول إلى وسيلة، أو هامش، وأن يفكر كثيرا قبل أن يكون عضوا في حركة ولدت من خندق وخيمة.
أنْ يعرف تماما أنّ الحرية تبقى غاية وقيمة، لا أداة تفاوض تحت سقف شروط المستوطنة.
أن يبقى النضال فِعلًا أخلاقيًّا قبل أن يكون برنامجًا سياسيًّا، وأن نكسر الدائرة، نُعيد تعريف أنفسنا، قبل أن نُعلّق على حبل مشنقة.
في هذا المؤتمر نقف فوق ركام بيوتنا، وقد جئنا من المعازل، بعد أن فتحوا لنا البوابات عدة ساعات، لا لننتخب أفرادا، بل لنصنع مفتاحًا آخرَ لحياتنا التي تسحقها الصواريخ والمجنزرات.
الموتى الشهداء، والأسرى المعذّبون يريدون مَن يشبههم، ويطلّ على قبورهم وزنزاناتهم، ويسأل قبل أن يختار: ماذا فعلنا للموتى ونحن أحياء؟
لكنّ وصايا الموتى في فلسطين ليست كلمات مكتوبة، بل هي حياةٌ مقطوعة في منتصفها، تنتظر من يُكمل الجملة.
على كل عضو في المؤتمر أن يقسمَ أمام الله والناس قبل أن يصعد قائلا:
أعطيت الحق لفاعله، وأعطيت الظلم لمن جاء يحمله.
لم أظلم إنسانا، لم أرتكب حماقة في مكان الحق.
لم أنظر إلى عَورة، لم آتِ باسمي قبل اسم الله.
لم أُغضبِ الرّبَّ، لم أسرقْ ميراث اليتيم، لم أَشِ بعاملٍ عند رئيسه.
لم أتسبّب في تعاسة، لم أترك جائعا، لم أتسبب في دموع.
لم أقتل، لم أُحرّض على القتل، لم أُعذّب أحدا، لم أُلوّث ماء النهر.
لم أُفسِد، لم أكن أصمَّ على الحق، لم أمارس القبح، لم يكن همي زيادة ثروتي أكثر ممّا أستحق.
أرضيتُ الله بما أراد، أعطيت الخبز للجوعى، والماء للعطشى، واللباس للعُراة.
قاتلت من أجل شعبي، ومِتُّ من أجل شعبي، لم أبعْ أرضا لعدوّ، لم أساوم على حبة تراب، ولقمة أسير، لم أنتزع لَبَنًا مِن فمِ رضيع.
لم أنشر الخوف، لم أكن سريع الغضب، لم أرتكب ظلما، لم أسرق، لم أنهب، لم أكن جشعا، لم أغشَّ في الميزان.
اخترت الحرية طريقا لا شعارا.
لم أُطعْ حين كانت الطاعة خُنُوعا.
لم أسرق تعب الناس ولا أحلامهم.
حفظت الأمانة كما لو أنها روحي.
احترم المرأة لا كجسد بل كزهرة لا تموت في الخراب.
جعلت من الأسير بوصلتي الاخلاقية، ومن الشهيد عنوانا لحياة مستمرة.
اعترف بضعفي عندما اضعف، ولا اغلق الباب على من هم أكثر مني وعيا وقوة.
لا اكره اخي واقول اكله الذئب في البرية.
آمنتُ أنّ التنظيم فعلُ تحرّرٍ لا امتيازٌ شخصيٌّ.
لم أَخُنِ الفكرة، لم أُساومْ على الحرية، ولم أصمت حين كان يجب أن أتكلم.
آمنت أن الديمقراطية محبة وتعددية.
وجهي وظهري طاهران، وجوفي حقل للعدل، لا يوجد عضو من أعضائي خالٍ من الصّدق.



