الكاتب : د. سليمان جرادات
منذ انطلاقتها شكلت حركة فتح نموذجاً وطنياً متفرداً في التاريخ الفلسطيني المعاصر، ليس فقط باعتبارها حركة تحرر وطني قادت المشروع الفلسطيني لعقود طويلة، بل لأنها استطاعت أن تثبت أن قوة الفكر والرؤية وعمق التجربة السياسية تتجاوز ضجيج الشعارات، وأن “سرعة العقل” في قراءة التحولات وصناعة القرار تبقى أكثر تأثيراً من “سرعة الصوت” مهما ارتفع صداه.
لقد قامت الحركة على فكرة وطنية جامعة آمنت بالإنسان الفلسطيني وحقه في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة، واستطاعت أن تنقل القضية الفلسطينية إلى الحضور الدولي من خلال قيادة تاريخية امتلكت الحكمة والشجاعة والإرادة السياسية، فقد شكل القائد الرمز الشهيد ياسر عرفات عنواناً للهوية الوطنية الفلسطينية، واستطاع أن يحافظ على القرار الوطني المستقل وأن يجعل من القضية الفلسطينية قضية شعب يناضل من أجل الكرامة والحرية.
كما أسهم القادة التاريخيون في حركة فتح في ترسيخ المشروع الوطني الفلسطيني وبناء المؤسسات الوطنية والحفاظ على وحدة الحركة في أصعب الظروف السياسية والأمنية، الأمر الذي منح الحركة مكانتها التاريخية في الوعي الفلسطيني والعربي والدولي.
وفي امتداد لهذه المسيرة الوطنية، برز دور الرئيس محمود عباس كقائد تاريخي مؤسس باعتباره “البيت الجامع” للحركة وللحالة الوطنية الفلسطينية، حيث حافظ على الثوابت الوطنية، وعمل على حماية المشروع السياسي الفلسطيني في ظل تحديات إقليمية ودولية معقدة، مؤمناً بأن وحدة الحركة ووحدة النظام السياسي الفلسطيني تشكلان حجر الأساس في مواجهة التحديات التي تستهدف القضية الفلسطينية. كما مثل حضوره السياسي والتنظيمي حالة من الاستقرار والاتزان، ومرجعية وطنية تسعى إلى تعزيز الحوار وترسيخ العمل المؤسسي داخل الحركة.
إن خصوصية حركة فتح تكمن في قدرتها المستمرة على الجمع بين الوفاء للإرث النضالي والانفتاح على المستقبل، فهي حركة لم تتوقف عند مرحلة تاريخية معينة، بل بقيت قادرة على تجديد أدواتها واستيعاب الطاقات الجديدة ضمن إطار وطني جامع يحافظ على الثوابت ويواكب المتغيرات.
ومن هنا تبرز أهمية المؤتمر الثامن للحركة باعتباره محطة تنظيمية ووطنية مهمة لضخ دماء جديدة وتعزيز حضور الكفاءات والطاقات الشابة والأكاديمية والنقابية والنسوية داخل الأطر الحركية، بما يسهم في تطوير الأداء التنظيمي وتجديد الحيوية الفكرية والسياسية للحركة، مع الحفاظ على مكانة القيادات التاريخية وخبراتها المتراكمة باعتبارها جزءاً أصيلاً من مسيرة النضال الوطني الفلسطيني.
إن المؤتمر الثامن لا ينظر إليه فقط كاستحقاق تنظيمي، بل كفرصة وطنية لتعزيز روح الشراكة والانتماء، وترسيخ مفهوم العمل الجماعي والمؤسسي، بما ينسجم مع تطلعات أبناء الحركة والشعب الفلسطيني نحو مستقبل أكثر قوة ووحدة واستقراراً.
لقد أثبتت حركة فتح عبر تاريخها الطويل أن الحركات الوطنية الكبرى لا تقاس فقط بما ترفعه من شعارات، بل بقدرتها على حماية المشروع الوطني، وإدارة التحديات بعقلانية وحكمة، والمحافظة على وحدة الصف الوطني ، ولذلك بقيت الحركة حاضرة في وجدان الفلسطينيين باعتبارها عنواناً للنضال الوطني ومدرسة سياسية وتنظيمية خرجت أجيالاً من المناضلين والقادة والمثقفين والأكاديميين.
وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الحركة وقدرتها على الاستمرار بروح وطنية جامعة تستلهم تضحيات القادة التاريخيين، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة المشاركة والعطاء، لأن الحركات العظيمة تدرك دائماً أن المستقبل لا تصنعه الضوضاء وحدها، بل يصنعه العقل الواعي، والرؤية العميقة، والإيمان الراسخ بعدالة القضية الوطنية.
*رئيس الهيئة الفلسطينية لحملة الدكتوراه في الوظيفة العمومية



