آراء

رؤية الرئيس محمود عباس: قانون واحد وسلاح واحد... طريق الدولة الفلسطينية الحديثة

18 مشاهدة
رؤية الرئيس محمود عباس: قانون واحد وسلاح واحد... طريق الدولة الفلسطينية الحديثة

الكاتب : د. سليمان جرادات 

في مرحلة تتعاظم فيها التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، وبعد نجاح انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح ،  تبرز الحاجة إلى مشروع وطني جامع يعزز وحدة الشعب الفلسطيني ويحمي مؤسساته الوطنية ويصون قراره المستقل، وفي هذا السياق، يؤكد الرئيس محمود عباس باستمرار على رؤية استراتيجية تقوم على مبدأ "شرعية واحدة وقانون واحد وسلاح واحد"، باعتبارها الركيزة الأساسية لبناء الدولة الفلسطينية الحديثة، وترسيخ سيادتها، وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

إن هذه الرؤية ليست مجرد شعار سياسي عابر، وإنما تعبير عن فلسفة متكاملة في الحكم والإدارة وبناء الدولة، تستند إلى مبادئ الشرعية وسيادة القانون ووحدة القرار الوطني. فالدول لا تبنى بتعدد المرجعيات أو تضارب مراكز النفوذ، وإنما تقوم على مؤسسات وطنية موحدة تحتكم إلى القانون وتعمل وفق إرادة سياسية واحدة تعبر عن مصالح الشعب وتطلعاته.

لقد أثبتت التجارب الإنسانية عبر التاريخ أن سيادة القانون ووحدة السلطة الشرعية تمثلان المدخل الحقيقي للاستقرار والتنمية،  فبعد الحروب والصراعات التي اجتاحت كثير من الدول خلال العقود الماضية ،  تمكنت ألعديد من الدول إعادة بناء نفسها كواحدة من أقوى دول العالم اقتصادياً وسياسياً من خلال توحيد مؤسساتها وترسيخ سلطة القانون وإخضاع جميع أدوات القوة لمرجعية الدولة ونماذج عالمية في التحول من دول محدودة الإمكانات إلى مراكز اقتصادية عالمية، بفضل صرامة تطبيق القانون ووحدة المؤسسات ووضوح المرجعية الوطنية.

وفي المقابل، تكشف تجارب العديد من الدول التي عانت من الانقسامات الداخلية وتعدد مراكز القوة وغياب المرجعية الواحدة يؤدي إلى إضعاف الدولة واستنزاف مقدراتها وتعطيل مسيرتها التنموية ، فحين يتراجع القانون وتتعدد مصادر القرار، تصبح المؤسسات عاجزة عن أداء وظائفها، وتتراجع ثقة المواطنين بالدولة، وتزداد فرص التدخلات الخارجية واستغلال الانقسامات الداخلية.

ومن هذا المنطلق، تأتي رؤية الرئيس محمود عباس لتؤكد أن بناء الدولة الفلسطينية المستقلة لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال ترسيخ مبدأ القانون الواحد والسلاح الشرعي الواحد، باعتبارهما أساساً لوحدة النظام السياسي الفلسطيني وحماية المشروع الوطني. فوجود قانون واحد يعني أن جميع المواطنين والمؤسسات يخضعون لمنظومة قانونية موحدة تكفل العدالة والمساواة وتصون الحقوق والحريات وتضمن تكافؤ الفرص بين الجميع دون استثناء.

كما أن وجود سلاح شرعي واحد تحت مظلة الدولة والشرعية الفلسطينية يشكل ضمانة لحماية الأمن والاستقرار وصون النظام العام وتعزيز هيبة المؤسسات الوطنية. فالسلاح عندما يكون خاضعاً للقرار الوطني الموحد يصبح أداة لحماية الوطن والدفاع عن مصالحه العليا، أما تعدد مصادر القوة خارج إطار الشرعية فإنه يضعف قدرة الدولة على أداء مهامها ويعرض وحدتها واستقرارها للمخاطر.

وتنبع أهمية هذه الرؤية من خصوصية الحالة الفلسطينية التي ما زالت تخوض نضالاً سياسياً وقانونياً ودبلوماسياً من أجل تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على أرض الواقع. فالشعب الفلسطيني بحاجة اليوم إلى تعزيز وحدته الوطنية  وتحصين مؤسساته الشرعية وتوحيد طاقاته وإنهاء الانقسام في مواجهة التحديات الوجودية التي تستهدف حقوقه الوطنية الثابتة.

لقد أدرك الرئيس محمود عباس منذ توليه قيادة المشروع الوطني الفلسطيني ما يقارب العقدين،  أن الشرعية والمؤسسات والقانون تشكل عناصر القوة الحقيقية للشعوب في العصر الحديث ، ولذلك يعمل على ترسيخ مكانة دولة فلسطين في المحافل الدولية، وتعزيز حضورها القانوني والسياسي، والدفاع عن حقوق شعبها من خلال أدوات الشرعية الدولية والقانون الدولي، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن بناء الدولة يبدأ من بناء مؤسساتها الوطنية وتوحيد مرجعياتها السياسية والقانونية والأمنية.

كما أن هذه الرؤية تنسجم مع متطلبات النظام الدولي المعاصر الذي يقوم على احترام سيادة الدول ووحدة مؤسساتها واحتكارها لأدوات القوة المشروعة. فالمجتمع الدولي يتعامل مع الدول القادرة على تمثيل شعوبها من خلال مؤسسات موحدة وقرار سياسي موحد، الأمر الذي يجعل من وحدة النظام السياسي الفلسطيني ضرورة وطنية وسياسية وقانونية في آن واحد.

إن مبدأ "شرعية وقانون وسلاح واحد" لا يستهدف إقصاء أحد أو تهميش أي مكون من مكونات الشعب الفلسطيني، بل يهدف إلى توحيد الجهود ضمن إطار الشرعية الفلسطينية الجامعة، وتعزيز قدرة المؤسسات الوطنية على أداء دورها في خدمة المواطنين والدفاع عن مصالحهم، بما يحقق المصلحة الوطنية العليا ويحفظ التضحيات الجسام التي قدمها الشعب الفلسطيني عبر عقود طويلة من النضال.

وفي ظل ما تشهده المنطقة من تحولات وصراعات سياسية واقتصادية وأمنية ، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً للتمسك بهذا النهج الذي يربط بين الوحدة الوطنية وبناء الدولة وترسيخ سيادة القانون. فالدول القوية لا تقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات مادية أو بشرية ، بل بقدرتها على توحيد قرارها الوطني وتعزيز ثقة مواطنيها بمؤسساتها وحماية مصالحها العليا ضمن إطار قانوني ومؤسسي واضح.

إن رؤية الرئيس محمود عباس حول "قانون واحد وسلاح واحد" تمثل مشروعاً وطنياً متكاملاً لبناء الدولة الفلسطينية الحديثة، دولة المؤسسات والقانون والعدالة والمواطنة المتساوية، الدولة القادرة على حماية حقوق شعبها وصون قرارها الوطني المستقل وتعزيز حضورها بين الأمم. فبوحدة القانون تصان الحقوق، وبوحدة السلاح الشرعي تحمى المؤسسات، وبوحدة القرار الوطني تحفظ الثوابت وتبنى الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

فلا دولة بلا قانون يسود على الجميع، ولا سيادة بلا سلاح شرعي واحد، ولا مشروع وطنياً ناجحاً دون وحدة المؤسسات والقرار ، إنها معادلة الدولة الحديثة التي يؤكدها الرئيس محمود عباس بوصفها الطريق الآمن نحو تعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ الشرعية الفلسطينية، وصون المشروع الوطني الفلسطيني للأجيال القادمة.

*رئيس الهيئة الفلسطينية لحملة الدكتوراه في الوظيفة العمومية