آراء

تمكين الجامعات  والكليات الحكومية الفلسطينية: ضرورة وطنية واستحقاق استراتيجي

16 مشاهدة
تمكين الجامعات  والكليات الحكومية الفلسطينية: ضرورة وطنية واستحقاق استراتيجي

الكاتب : د. سليمان جرادات 

 تتجلى القوة العلمية والمعرفية لفلسطين في بنيتها الأكاديمية المتماسكة، التي تمتد عبر ما يقارب 56 جامعة وكلية جامعية وكلية متوسطة، لتشكل منظومة معرفية حية تصنع الإنسان الفلسطيني وتعزز صموده، وتحول التعليم إلى فعل مقاومة وبناء في آنٍ واحد ، حيثث شكلت عبر العقود الماضية منارات للعلم وحصونا للهوية الوطنية ، ومن بين هذه المؤسسات، يبرز التعليم العالي الحكومي بوصفه رافعة وطنية استراتيجية تتكامل مع الجامعات الفلسطينية الأخرى، وتسهم في إعداد الكفاءات وبناء رأس المال البشري، وإنتاج المعرفة وتوسيع آفاق البحث العلمي، بما يخدم مسار التنمية الشاملة ويعزز الصمود الوطني.

وتتجلى هذه الأهمية بشكل واضح من خلال الأدوار النوعية التي تضطلع بها الجامعات الحكومية الفلسطينية، إذ تسهم جامعة الاستقلال في إعداد وتأهيل الكوادر الأمنية والقانونية القادرة على حماية الأمن الوطني وترسيخ سيادة القانون، بينما تمثل جامعة فلسطين التقنية – خضوري وفروعها رافعة أساسية في مجالات التعليم التقني والهندسي والزراعي وربط مخرجات التعليم باحتياجات التنمية وسوق العمل. كما ستؤدي جامعة نابلس للتعليم المهني والتقني دوراً محورياً في دعم التعليم المهني والتطبيقي وإعداد الكفاءات الفنية المتخصصة في حال منحت الفرصة والدعم الكافي، وجامعة الأقصى في قطاع غزة التي تعرضت خلال الحرب لأضرار كبيرة في مبانيها ومرافقها التعليمية، ما أدى إلى تعطل العملية التعليمية وتراجع التعليم الحضوري في ظل ظروف إنسانية وأمنية صعبة،  في حين تساهم الكليات الشرعية الحكومية في إعداد الكوادر الشرعية والقضائية والمصارف الإسلامية  وترسيخ القيم الدينية الاسلامية والتسامح وخدمة المجتمع وكلية الأمة التي لها خصوصية ، وبهذا التكامل بين هذه المؤسسات، تتعزز مكانة المؤسسات الاكاديمية الحكومية ، وتمهّد الطريق نحو مستقبل أكثر تقدماً واستقراراً واستقلالاً.

لقد أدركت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية هذه الحقيقة مبكراً، فواصلت تطوير منظومة التعليم العالي رغم الظروف السياسية والاقتصادية  والامنية المعقدة التي تعيشها فلسطين،  كما بذلت هيئة الاعتماد والجودة جهوداً كبيرة في ترسيخ معايير التميز الأكاديمي  وضمان جودة البرامج التعليمية، الأمر الذي حافظ على مكانة الشهادات الفلسطينية وترسيخ الثقة بمؤسسات التعليم العالي الوطنية.

وفي الوقت ذاته، سطرت جميع الجامعات الفلسطينية عبر عقود طويلة قصة نجاح وطنية تستحق التقدير،  فقد خرجت عشرات الآلاف من  الخريجين و الخبراء من كافة التخصصات  والذين أسهموا في بناء المؤسسات الفلسطينية وخدمة المجتمع في الداخل ، والمساهمة في وضع وتأسيس البنية التحتية للتعليم  لبعض المجتمعات العربية،  واستمرت هذه الجامعات في أداء رسالتها العلمية والوطنية رغم الاحتلال والحصار والأزمات المتلاحقة، لتؤكد أن الاستثمار في التعليم كان دائماً أحد أهم أشكال الصمود الفلسطيني.

ورغم هذه الإنجازات، فإن الجامعات والكليات الحكومية ما تزال بحاجة إلى رؤية وطنية أكثر جرأة وإنصافاً، تنطلق من اعتبارها مؤسسات استراتيجية للدولة وليست مجرد مؤسسات تعليمية،  فالخبرات الدولية الأجنبية والعربية  أثبتت أن الجامعات الحكومية كانت دائماً الحاضنة الأولى للتخصصات الحديثة ومراكز البحث والابتكار، وأن الدول التي حققت نهضتها العلمية والاقتصادية منحت مؤسساتها الحكومية الأولوية في التمويل والتطوير واستحداث البرامج الأكاديمية النوعية.

ومن هنا، فإن العدالة الأكاديمية والتنموية تقتضي تمكين الجامعات والكليات الحكومية الفلسطينية من قيادة مسيرة التحديث العلمي، عبر منحها الأولوية في استحداث اي من  التخصصات المستقبلية إلى جانب التوسع في برامج الماجستير والدكتوراه باعتبارها حجر الأساس في إنتاج المعرفة وبناء رأس المال البشري الوطني خاصة إعادة قرار وتفعيل إنشاء كلية طب حكومية فلسطينية التي لم تعد مجرد فكرة أكاديمية أو مطلباً مؤسسياً، بل أصبحت ضرورة وطنية واستراتيجية ومطلباً مجتمعياً ملحاً، طال انتظاره من آلاف الطلبة وأسرهم، وخاصة من ذوي الدخل المحدود الذين يرون في دراسة الطب حلماً مشروعاً، لكنه غالباً ما يصطدم بارتفاع الرسوم الدراسية ومحدودية الفرص المتاحة، فوجود كلية طب حكومية من شأنه أن يمنح أبناء الأسر الفلسطينية فرصة عادلة لتحقيق طموحاتهم العلمية، وأن يتيح لكل أسرة فلسطينية إمكانية أن ترى أحد أبنائها طبيباً يخدم وطنه ومجتمعه بعيداً عن الأعباء المالية الباهظة.

وتزداد أهمية هذا المشروع في ظل توافر العديد من المقومات الوطنية اللازمة لإنجاحه، من جامعات حكومية تمتلك خبرات أكاديمية وكوادر مؤهلة، ومستشفيات حكومية ومراكز صحية قادرة على توفير بيئة تدريب سريري وتعليمي متكاملة، بما يضمن إعداد أطباء يتمتعون بالكفاءة العلمية والمهنية وفق أعلى المعايير الأكاديمية.

إن إنشاء كلية طب حكومية سيوسع فرص التعليم الطبي أمام الطلبة، ويخفف الأعباء المالية عن الأسر الفلسطينية، كما أن هذا التوجه او اي تخصصات أخرى لا ينبغي أن يواجه بعراقيل أو تحفظات أو «فيتو» تحت مسميات مختلفة وغير منطقية بحجة وجود برامج مماثلة في جامعات أخرى، فالتجارب العالمية تؤكد أن التنافس الإيجابي والتوسع المدروس يسهمان في رفع مستوى الجودة وزيادة فرص التعليم وتحقيق العدالة الأكاديمية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسة حكومية هدفها خدمة المصلحة العامة وتعزيز حق المواطنين في الوصول إلى التعليم العالي النوعي.

ولا يمكن الحديث عن تطوير لمؤسسات التعليم العالي الحكومي  دون إنصاف الكادر الأكاديمي والإداري الذي يحمل على عاتقه مسؤولية التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع، فهؤلاء العاملون يواصلون أداء رسالتهم المهنية والوطنية دون انقطاع في ظل ظروف اقتصادية وامنية ومعيشية صعبة، وعدم انتظام صرف الرواتب والعلاوات والاستحقاقات المالية، الأمر الذي يجعل تحقيق الاستقرار الوظيفي والعدالة المؤسسية ضرورة وطنية للحفاظ على جودة العملية التعليمية واستدامتها.

ومن هذا المنطلق، فإن العدالة والانصاف في تطبيق الكادر الموحد على جميع العاملين في مؤسسات التعليم العالي الحكومية، دون تمييز بين مؤسسة وأخرى أو فئة وأخرى، تمثل استحقاقاً قانونياً ووظيفياً  ينسجم مع مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص في الوظيفة العمومية، كما أن إنصاف الباحثين والعاملين من حملة درجة الدكتوراه في المؤسسات الحكومية المدنية والأمنية يشكل ضرورة لا تقل أهمية، فهم يمثلون ثروة علمية ووطنية أسهمت في تطوير الأداء المؤسسي وصناعة القرار وبناء القدرات البشرية في مختلف القطاعات.

إن تحسين أوضاع العاملين في الجامعات والكليات الحكومية، وإنصاف حملة الدكتوراه في المؤسسات الحكومية المدنية والأمنية، وتطبيق الكادر الموحد بعدالة وشفافية ، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مطلباً فئوياً، بل باعتباره ضرورة مهمة  واستثماراً وطنياً ، وخطوة أساسية نحو بناء إدارة عامة قادرة على المنافسة والإبداع وخدمة المشروع الوطني الفلسطيني.

أخيرا إن الاستثمار في الجامعات والكليات الحكومية ليس تكلفة مالية تضاف إلى أعباء الموازنة العامة، بل هو استثمار طويل الأمد في الإنسان الفلسطيني، وأحد أكثر الاستثمارات الوطنية ربحاً واستدامة، فأي اموال تنفق على التعليم العالي الحكومي يعود أضعافاً على الاقتصاد والمجتمع والدولة في صورة كفاءات وخبرات وابتكار وتنمية، وتتطلع من الجهات ذات الاختصاص إلى تعزيز صمود وبناء مؤسساتها وتحقيق نهضتها الاقتصادية والعلمية، فإن دعم التعليم العالي الحكومي يجب أن يتحول من خيار إداري إلى قرار وطني استراتيجي فالجامعات الحكومية والكليات ليست مجرد قاعات تدريس، بل مصانع للقيادة والمعرفة والتنمية، وحصون متقدمة لحماية الهوية الوطنية وصناعة المستقبل الفلسطيني.

*رئيس الهيئة الفلسطينية لحملة الدكتوراه في الوظيفة العمومية