آراء

مأزق اليوم التالي في غزة

7 مشاهدة
مأزق اليوم التالي في غزة

الكاتب : د. مجدي جميل شقورة


لم يكن الإعلان الأخير للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن اتفاق نزع سلاح الفصائل في قطاع غزة مجرد إجراء بسيط أو حل مؤقت لتهدئة الأوضاع، بل جاء ليعبر عن استمرار لنفس جوهر الفلسفة التي طرحها في خطته عام 2016 . إنها محاولة لتغيير طريقة حياة الفلسطينيين ومستقبلهم السياسي والاجتماعي، وتفريغ قضيتهم من أصلها كقضية حرية، مقابل فرض إدارة وتدخل خارجي تحت مسميات تنظيمية وخدمية. ومن هنا تتصل هذه الرؤية بالمقترحات المطروحة لليوم التالي، والتي تشمل إدخال قوات دولية وحكومة مدنية جديدة لسحب أدوات القوة والتحكم في الشارع؛ فالهدف لا يقتصر على أخذ السلاح من أيدي الفصائل، بل يمتد لمحاولة إنهاء فكرة المقاومة من أساسها في أذهان الناس، واستبدال ذلك بنظام إدارة وتسيير أمور يومية لا يحمل أي أفق سياسي.
تكشف هذه الترتيبات والظروف الزمنية عن أسئلة صعبة حول أسباب موافقة حركة حماس في هذا التوقيت بالذات على مبدأ نزع السلاح، وما إذا كانت هذه اللحظة السياسية مناسبة أم أنها اندفاع تحت وطأة الضغط الإنساني والدمار الشامل . إن تقديم مثل هذه الموافقة في هذا التوقيت تحديداً يضع الحركة في موقع من يقدم هدية مجانية لنتنياهو لاستغلالها في المزايدات الانتخابية الداخلية وإظهار نفسه بمظهر المنتصر الذي فرّغ المقاومة من سلاحها دون تقديم أي ثمن سياسي حقيقي.
في المقابل، تفهم إسرائيل هذه الموافقة باعتبارها دليلاً على انكسار الموقف الفلسطيني وتفكك أوراقه، وليس كبداية لمسار انسحاب كامل أو سلام عادل. وهذا الفهم الإسرائيلي يقلل إلى أدنى حد من احتمال التزامها بتنفيذ مستلزمات الاتفاق وتعهداته. إن تجارب الماضي توضح حقيقة بسيطة: فرض الشروط على طرف واحد فقط دون وجود ضغط حقيقي وحازم على الطرف الآخر يجعل أي اتفاق مجرد كلام على ورق. وكما يقول الصديق محمد دهمان أبو يوسف: والله لو أخذوا السلاح وسكاكين المطابخ من البيوت والخيام، فإن إسرائيل لن تلتزم.

إن غياب الضغط والتطبيق على إسرائيل وغياب الحل السياسي الشامل سيبقي المشكلة قائمة وتغلي تحت الرماد، فالصراع ليس مجرد وجود سلاح من عدمه، بل هو قضية أرض وحرية وكرامة لا يمكن حلها بالقرارات الإدارية.
وبناءً على الأوضاع الحالية وموازين القوى، يمكن توقع أن سحب السلاح دون حل الأسباب الحقيقية للمشكلة لن ينهي الخلاف، بل سيجعل الناس يبحثون عن طرق وأساليب أخرى للتعبير عن رفضهم. بل إنني أخشى بشكل جدي من حدوث انسلاخ لبعض المجموعات وتمردها خارج أي إطار تنظيمي أو سياسي إذا لم يكن هناك أفق سياسي حقيقي وواضح، مما سيعمق حالة عدم الاستقرار. كما ستثبت الأيام أن محاولات التركيز على تحسين الأوضاع المعيشية فقط دون إعطاء حقوق سياسية لن تنجح على المدى الطويل، فالشعوب لا تتنازل عن حقوقها مقابل الخدمات، وأي إدارة جديدة لا تملك تأييد الشارع ستواجه صعوبة كبيرة في الاستمرار. ومع غياب الإلزام الصريح والواضح لدولة الاحتلال بالتوقف عن أعمالها، ستظل أي ترتيبات أمنية ضعيفة وسريعة الانهيار عند أول أزمة ميدانية.
إن الوصول إلى يوم تالٍ هادئ ومستقر في غزة لا يأتي عبر فرض أشكال جديدة من الإدارة والوصاية الخارجية، بل يأتي فقط من خلال الاعتراف الصريح بحقوق الشعب الفلسطيني كاملة، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال وإقامة دولته المستقلة. وبدون هذا الحل الأساسي، ستظل كل المقترحات والصفقات مجرد حلول مؤقتة لا تنهي أصل المشكلة.