الكاتب : واصل الخطيب
رئيس التحرير
في الذكرى المئوية لميلاد جورج حبش، الذي يقبع في ضمير كل انسان فلسطيني حر ومناضل حقيقي وشريف ، لا يقف التاريخ أمام مجرد قائد سياسي فلسطيني، بل أمام تجربة إنسانية وفكرية تشكّلت عند تقاطع النكبة والمنفى والثورة والفلسفة. لقد كان "الحكيم" طبيبًا حمل سماعة الطب بيد، وحمل سؤال الحرية باليد الأخرى، قبل أن يختار أن يجعل من حياته مشروعًا سياسيًا ارتبط بقضية فلسطين وبفكرة التحرر العربي. وسواء اتفق المرء مع أطروحاته أم اختلف معها، فإن أثره في التاريخ الفلسطيني والعربي يظل موضوعًا مهمًا للدراسة.
ولد جورج حبش في مدينة اللد سنة 1926، وعاش مأساة النكبة عام 1948 حين أُجبر مع عائلته وآلاف الفلسطينيين على مغادرة مدينتهم. وقد تركت تجربة الاقتلاع أثرًا حاسمًا في وعيه السياسي؛ فالنكبة لم تكن بالنسبة إليه مجرد خسارة للأرض، بل انهيارًا لمنظومة أخلاقية وإنسانية، ومن هنا أصبح سؤال التحرير هو السؤال المركزي في حياته.
كان حبش يرى أن المنفى ليس مكانًا جغرافيًا فحسب، بل حالة وجودية يعيشها الفلسطيني أينما حلّ. فاللاجئ يحمل وطنه في ذاكرته، ويعيش بين حاضر لا يملكه ومستقبل يسعى إلى استعادته. ولهذا لم يكن اللجوء عنده نهاية التاريخ، بل بداية مشروع مقاومة طويل.
قاد تأسيس حركة القوميين العرب في خمسينيات القرن الماضي، ثم شارك بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967 في تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، معتبرًا أن الهزيمة كشفت الحاجة إلى مراجعة شاملة للفكر والتنظيم وأساليب النضال. وقد قدّم الجبهة بوصفها تنظيمًا يجمع بين البعد الوطني الفلسطيني والرؤية القومية العربية والتوجه اليساري.
على المستوى الفكري، انتقل حبش تدريجيًا إلى تبني الماركسية اللينينية، لكنه أكد في أكثر من مناسبة أنه لم يرَ تناقضًا بين القومية العربية والاشتراكية. ومن أشهر عباراته في هذا السياق: «إنني لا أجد تناقضًا بين كوني عربيًا يؤمن بالأمة العربية وبين أن أكون اشتراكيًا حقيقيًا.» كما أوضح أن تعمقه في قراءة ماركس وإنجلز ولينين جاء خلال فترة اعتقاله في سوريا، حيث أمضى أشهرًا طويلة في المطالعة والدراسة.
ولم يتعامل مع الماركسية باعتبارها عقيدة جامدة، بل منهج لتحليل الواقع، وهو ما لخّصه بعبارة أصبحت من أشهر أقواله: «علينا إلباس النظرية كوفيةً وعقالًا » وهي عبارة تشير إلى ضرورة تكييف الأفكار مع الواقع العربي والفلسطيني بدل استنساخ التجارب الأجنبية.
أما القومية العربية، فلم تكن عنده مجرد هوية ثقافية، بل إطارًا استراتيجيًا لتحرير فلسطين. وكان يعتبر أن تجزئة العالم العربي أسهمت في إضعاف مشروع التحرر، وأن فلسطين لا يمكن فصلها عن محيطها العربي. وفي الوقت نفسه، شدد على أن الفلسطينيين أنفسهم يجب أن يكونوا القوة الأساسية في مشروع التحرير، عبر تنظيم طويل النفس يستند إلى حرب التحرير الشعبية وتجارب حركات التحرر العالمية.
عرف حبش أيضًا حياة المطاردة والاعتقال والعمل السري. فقد تعرض للملاحقة في سوريا، واعتُقل فيها خلال ستينيات القرن العشرين، وقضى فترة من السجن قبل أن يغادرها سرًا إلى لبنان، وهي تجربة قال إنها منحته وقتًا واسعًا للقراءة والتأمل وصياغة مراجعاته الفكرية.
ومن الأقوال المنسوبة إليه التي تعكس رؤيته الأخلاقية والسياسية: «الثورة ليست بندقية فحسب، بل وعيٌ وتنظيم.» ، «الإنسان أغلى ما نملك » ، «نختلف في الرأي، لكننا لا نختلف على فلسطين » .
وقد اشتهر أيضًا بتأكيده على انسجام مكوناته الفكرية والإنسانية بقوله: «أنا في حال انسجام مع قوميتي العربية، ومسيحيتي، وثقافتي الإسلامية، وماركسيتي التقدمية » .
فلسفيًا، يمكن قراءة تجربة جورج حبش بوصفها محاولة للإجابة عن سؤال قديم: هل يصنع الإنسان التاريخ أم يصنعه التاريخ؟ لقد صنعته النكبة لاجئًا، لكنه حاول أن يصنع من اللجوء مشروعًا سياسيًا. وصنع منه المنفى قائدًا عابرًا للحدود، لكنه بقي يحمل ذاكرة مدينة اللد باعتبارها نقطة البداية والنهاية.
الحكيم: الكاريزما بوصفها أخلاقًا لا سلطة ..
لم تكن كاريزما جورج حبش قائمة على البلاغة الخطابية وحدها، ولا على الحضور التنظيمي فحسب، وإنما على نموذج أخلاقي في القيادة. فقد ارتبط لقب "الحكيم" في الوعي الفلسطيني والعربي بشخصية جمعت بين الطبيب الذي عالج أجساد الناس، والسياسي الذي حاول أن يعالج ما رآه جراحًا تاريخية أصابت شعبه وأمته. ولذلك لم يكن اللقب مجرد إشارة إلى مهنته الأولى، بل إلى صورة قائد عُرف لدى كثيرين بالهدوء والانضباط والصرامة مع النفس قبل الآخرين.
ويجمع كثير ممن عرفوه، سواء من رفاقه أو حتى من بعض خصومه السياسيين، على أنه كان زاهدًا في مظاهر السلطة والامتيازات الشخصية، وأن حياته اتسمت بالبساطة والتقشف. فقد ظل يعيش حياة متواضعة، ولم يُعرف عنه السعي إلى الثروة أو النفوذ الشخصي، بل كان يرى أن قيمة القائد تُقاس بمدى انسجامه مع المبادئ التي يدعو إليها. ولهذا اكتسب مصداقية خاصة داخل الحركة الوطنية الفلسطينية، إذ كان كثيرًا ما يطالب نفسه بما يطالب به رفاقه.
وكان الصدق، في نظر حبش، شرطًا من شروط الفعل الثوري. لذلك لم يكن يميل إلى إطلاق الوعود التي يعتقد أنها غير قابلة للتحقق، وكان يحذر من تحويل الخطاب السياسي إلى أداة للتعبئة العاطفية المجردة. وقد انعكس ذلك في لغته التي اتسمت بالوضوح والصراحة، حتى عندما كانت مواقفه تسبب له عزلة سياسية أو خلافًا مع حلفائه.
ومن هنا، يمكن القول إن كاريزما الحكيم لم تكن كاريزما الزعيم الشعبوي، بل كاريزما المفكر المناضل؛ إذ استمد حضوره من اتساقه بين الفكر والسلوك، وبين الكلمة والممارسة، وبين الالتزام الشخصي والانضباط التنظيمي. لقد كان يؤمن بأن الثورة لا تستطيع أن تنتصر إذا فقدت نزاهتها الأخلاقية، وأن التنظيم الذي يتخلى عن النقد الذاتي يبدأ طريقه نحو التراجع.
الحوار داخل الجبهة ..
ورغم أن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين اتسمت بانضباطها التنظيمي، فإن حبش كان يرى أن وحدة التنظيم لا تتحقق بإلغاء الاختلاف، بل بإدارته ضمن أطر مؤسساتية. وقد شهدت الجبهة عبر تاريخها نقاشات داخلية حول الاستراتيجية والعلاقات العربية والدولية، وكان يؤكد أهمية الحوار الداخلي والمراجعة الدائمة، وإن ظل القرار النهائي يصدر عن المؤسسات القيادية.
وكان يعتبر أن الديمقراطية الداخلية ليست ترفًا تنظيميًا، بل وسيلة لتجديد الفكر وتفادي الجمود. لذلك شجع النقد والنقد الذاتي، وهي مفاهيم استلهمها من التراث الماركسي ومن تجارب حركات التحرر، مع تأكيده على أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام يضعف المشروع الوطني.
العلاقة مع "فتح" و"ابو عمار" ..
شكّلت العلاقة بين جورج حبش وياسر عرفات إحدى أكثر العلاقات تعقيدًا في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية. فقد جمع الرجلين هدف وطني واحد، هو إنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الفلسطينية، لكنهما اختلفا في وسائل الوصول إلى ذلك الهدف وفي تقدير موازين القوى.
كانت العلاقة بينهما تتراوح بين التعاون والخلاف. ففي محطات كثيرة عملا معًا داخل منظمة التحرير الفلسطينية، ودافعا عن استقلال القرار الوطني الفلسطيني، وفي محطات أخرى احتدم الخلاف حول الخيارات السياسية والعسكرية، ولا سيما بعد تبني قيادة المنظمة مسار المفاوضات مع إسرائيل.
ورغم قسوة النقد المتبادل أحيانًا، حافظ حبش على احترامه الشخصي لياسر عرفات، كما ظل يعتبر أن الحفاظ على منظمة التحرير الفلسطينية إطارًا وطنيًا جامعًا ضرورة استراتيجية. ولهذا رفض الانسحاب منها بصورة نهائية، مفضّلًا البقاء داخلها للدفاع عن رؤيته ومحاولة التأثير في قراراتها.
أما علاقته ببقية الفصائل الفلسطينية، فكانت تقوم على فكرة أن التعددية السياسية ظاهرة طبيعية في حركة التحرر، شرط ألا تتحول إلى صراع على النفوذ يطغى على الهدف الوطني المشترك. ولذلك دعا مرارًا إلى بناء قيادة وطنية موحدة قادرة على استيعاب الاختلافات الفكرية والتنظيمية.
رؤيته للتسوية السياسية ..
كان جورج حبش من أبرز المعارضين لاتفاق أوسلو، إذ رأى أن الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، في ظل اختلال موازين القوى، لن يؤدي إلى تحقيق الحقوق الوطنية الفلسطينية كما كان يأمل مؤيدو الاتفاق. واعتبر أن أي تسوية ينبغي أن تقوم على إنهاء الاحتلال وضمان حق تقرير المصير، وأن القضايا الجوهرية، مثل القدس واللاجئين، لا يمكن تجاوزها أو تأجيلها بصورة تُفرغ المشروع الوطني من مضمونه.
وفي الوقت نفسه، لم يكن رفضه للتسوية نابعًا من رفضٍ مبدئي لفكرة الحلول السياسية، بل من قناعته بأن المفاوضات لا تكون مجدية إلا إذا استندت إلى عناصر قوة سياسية وشعبية تجعل الطرف الفلسطيني قادرًا على التفاوض من موقع أكثر توازنًا.
الانتفاضة الأولى والمقاومة الشعبية ..
نظر حبش إلى الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 بوصفها واحدة من أهم المحطات في التاريخ الفلسطيني المعاصر. فقد رأى فيها انتقالًا من مركزية العمل الفدائي الخارجي إلى مقاومة شعبية واسعة داخل الأرض المحتلة، شاركت فيها مختلف فئات المجتمع الفلسطيني، من العمال والطلاب والنساء إلى النقابات واللجان الشعبية.
وكان يعتبر أن الانتفاضة كشفت قدرة المجتمع الفلسطيني على إنتاج أشكال متنوعة من المقاومة المدنية والشعبية، إلى جانب أشكال المقاومة الأخرى، وأنها أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي بعد سنوات من التراجع.
وفي قراءته الفكرية، لم تكن الانتفاضة مجرد حدث احتجاجي، بل تعبيرًا عن إرادة جماعية في الدفاع عن الهوية الوطنية، وعن قدرة الشعب على تنظيم نفسه في ظروف بالغة الصعوبة. لذلك دعا إلى البناء على تجربتها، وتعزيز الوحدة الوطنية باعتبارها الشرط الأساس لتحويل الإنجازات الشعبية إلى مكاسب سياسية.
لعل أكثر ما يميز شخصية جورج حبش هو محاولته الدائمة الجمع بين المثال والواقع؛ فقد آمن بأن السياسة إذا انفصلت عن الأخلاق فقدت مشروعيتها، وبأن الثورة إذا انفصلت عن الإنسان فقدت معناها. ومن هنا بقي، بالنسبة إلى كثيرين، رمزًا للثبات على القناعة والالتزام الشخصي.
وهكذا، فإن قراءة الحكيم بعد مئة عام ليست مجرد استعادة لسيرة قائد فلسطيني، وإنما تأمل في نموذج من القيادة رأى أن الكلمة مسؤولية، وأن الانتماء فعل يومي، وأن النقد جزء من الوفاء، وأن القضية الوطنية لا يحفظها السلاح وحده، بل يحفظها أيضًا الضمير، والحوار، والنزاهة، والقدرة الدائمة على مراجعة الذات.
وبعد مرور مئة عام على ميلاده، يبقى جورج حبش شخصيةً مثيرة للنقاش؛ يراه أنصاره رمزًا للنزاهة والالتزام والثبات على المبدأ، بينما يختلف معه آخرون في خياراته الفكرية والسياسية واستراتيجياته. غير أن حضوره في التاريخ الفلسطيني والعربي لا يمكن فهمه بعيدًا عن تجربته الإنسانية كلاجئ، ولا عن محاولته الجمع بين القومية العربية والفكر الماركسي، ولا عن إصراره على أن تحرير فلسطين كان، في نظره، قضية تتجاوز حدود الجغرافيا لتصبح سؤالًا عن العدالة والكرامة والحرية.
وهكذا، فإن مئوية الحكيم ليست استذكارًا لسيرة رجل فحسب، بل مناسبة للتأمل في العلاقة بين الفكرة والتاريخ، وبين المنفى والهوية، وبين الإنسان والقضية التي يختار أن يهب لها عمره كله.

