آراء

خطاب العزلة والبطولة الزائفة

14 مشاهدة قراءة 11 دقيقة

الكاتب : جمال زقوت

كان خطاب بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أقرب إلى خطاب نهاية مرحلة منه إلى خطاب يفتح مرحلة جديدة. وربما كان في خلفيته إدراك بأن هذه قد تكون آخر مرة يقف فيها على هذه المنصة بصفته رئيساً لوزراء إسرائيل. فالانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر تقترب، ومستقبله السياسي بات جزءاً لا يمكن فصله عن الطريقة التي يخاطب بها العالم والإسرائيليين في آن واحد. ولكن يبدو أن خطابه كان موجهاً إلى جمهوره الانتخابي داخل إسرائيل دون أي اعتبار للمجتمع الدولي.

لم يأتِ نتنياهو إلى نيويورك ليقدم رؤية سياسية جديدة، ولا ليقترح مخرجاً للحرب أو تصوراً لمستقبل المنطقة. جاء أساساً للدفاع عن مكانته في إسرائيل وعن سياسته في الحرب، ولإعادة صياغة موقعها من دولة تواجه انتقادات دولية متزايدة إلى دولة تزعم أنها الضحية التي تواجه عالماً معادياً لها. ولذلك بدا الخطاب محاولة لقلب السؤال: بدلاً من أن يكون عما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين وبالمنطقة، يصبح السؤال عما يفعله العالم بإسرائيل.

وكان مشهد خروج عشرات الوفود من القاعة، لحظة دخوله، كافياً لكي يتحول الخطاب إلى صورة تختصر صورة المأزق الذي حاول نتنياهو أن ينفيه. لكنه لم يتعامل معه باعتباره علامة على عزلة سياسية متزايدة، بل حوّله إلى مادة أخرى في رواية "البطولة". كلما خرج الآخرون، بدا في روايته أكثر ثباتاً؛ وكلما ارتفع النقد، ازداد إصراره على تقديم نفسه باعتباره "القائد" الذي يقف وحيدًا، ولكنه لا ينحني.

استعراض القوة بديلاً عن السياسة ..

فعندما تضيق مساحة الخيارات السياسية، تصبح القوة العسكرية واللغة الصدامية وسيلة للتعويض عن غياب المخرج السياسي. لم يكن الهدف إقناع العالم بأن لديه خطة لإنهاء الصراع، بقدر ما كان إظهار أنه لا يزال قادراً على تحدي العالم ورفض شروطه، بل وحسم الصراع بالسيف.

وفي الوقت نفسه، كان الخطاب موجهاً بوضوح إلى الإسرائيليين. فقد تحدث نتنياهو عن الوحدة والصمود والشجاعة، وعن إسرائيل التي تقف في مواجهة أعدائها، مستدعياً صورة القائد الذي يحمي شعبه ويعرف كيف يواجه العالم. وهذا ما جعل بعض المحللين يصفونه بأنه خطاب انتخابي وليس خطاب دبلوماسي.

لم يكن نتنياهو يحاول أن يقنع العالم بأن إسرائيل تغيّرت، بل كان يحاول إقناع الإسرائيليين بأن إسرائيل لا تحتاج إلى أن تتغير. ومن موقع المتهم إلى موقع الضحية، ومن العزلة إلى البطولة، ومن المساءلة إلى الاضطهاد، حاول الخطاب أن يعيد ترتيب المشهد كله.

لكن صورة إسرائيل الموحدة التي قدمها لا تنسجم بسهولة مع واقعها الداخلي. فالانقسام الإسرائيلي لم يبدأ في السابع من أكتوبر؛ فقد سبق الحربَ أزمةٌ عميقة حول طبيعة الدولة والديمقراطية والقضاء والدين والمجتمع والهوية، وتفاقمت خلال السنوات الأخيرة حول مشروع نتنياهو وحلفائه. ولذلك فإن تقديم نفسه باعتباره القائد الذي يوحّد الإسرائيليين في مواجهة العالم يتجاهل حقيقة أن سياساته كانت جزءاً من الصراع الداخلي الذي شق المجتمع الإسرائيلي.

وهنا تظهر البطولة الزائفة التي يكشفها الخطاب، لا بمعنى أنها مجرد صورة شخصية مصطنعة، بل بمعنى سياسي أعمق: محاولة تحويل العزلة إلى دليل قوة، وغياب الحل السياسي إلى دليل على الصلابة، ورفض العالم للسياسات الإسرائيلية إلى برهان على صحتها.

ما الذي ينبغي للفلسطينيين أن يستخلصوه؟ ..

والأخطر أن خطاب القوة لا يستطيع أن يلغي السؤال المُلِّح: إلى أين يقود هذا المسار؟ فإنكار وجود الفلسطينيين، والتنكر لحقوقهم الوطنية، ومحاولة تحويل الوقائع التي تفرضها القوة العسكرية إلى حقائق سياسية وقانونية دائمة، لا تلغي الشعب الفلسطيني ولا حقه في تقرير مصيره. وقد يكون من السهل فرض وقائع جديدة بالقوة، لكن تحويلها إلى شرعية دائمة يحتاج إلى شيء آخر لا توفره القوة وحدها.

ولعل هذا هو الدرس الذي ينبغي للفلسطينيين أن يستخلصوه من هذا المنعطف التاريخي: ألا يدخلوا في سباق مع الرواية الإسرائيلية حول من يملك القوة الأكبر، بل أن يحوِّلوا وجودهم وحقوقهم الوطنية وبقاءهم إلى حقيقة سياسية وقانونية أكثر رسوخاً من أي وقائع تفرضها الحرب. وهذا يتطلب الخروج من موقع رد الفعل، واستثمار التحوُّل المتزايد في الرأي العام العالمي، وبناء خطاب وطني جامع يستند إلى الحق في تقرير المصير والحرية والمساواة، وآليات وطنية موحدة جوهر أولوياتها تعزيز صمود الناس وقدرتهم على البقاء في وطنهم، ويخاطب في نفس الوقت الإسرائيليين والعالم بمنطق إنهاء الصراع، لا بمنطق نفي الآخر.

ولعل المفارقة الأعمق أن السياسات التي يصر نتنياهو على تقديمها باعتبارها دفاعاً عن إسرائيل وعن يهود العالم بدأت تثير، داخل قطاعات من يهود الشتات، سؤالاً معاكساً: هل يمكن أن تتحول هذه السياسات نفسها إلى عبء على علاقة اليهود بمجتمعاتهم وعلى المعنى الأخلاقي لهويتهم؟ ويتصل بذلك تآكل الدعم الدولي لإسرائيل، والاستقطاب الداخلي الإسرائيلي، وتنامي علاقات حكومة نتنياهو مع أحزاب يمينية شعبوية ومتطرفة أوروبية ذات إرث معادٍ للسامية، وليس فقط للمسلمين. وهذا لا يعني أن اليهود في أوروبا أو الولايات المتحدة يتبنون موقفاً واحداً، لكن الانقسام أصبح أكثر وضوحاً، ولا سيما في أوساط الليبراليين والعلمانيين والشباب، حيث تثير سياسات الحكومة سؤالاً حول ما إذا كان ربط اليهودية بالاحتلال والحرب والقوة العسكرية يقوّض، بدلاً من أن يحمي، القيم الأخلاقية والإنسانية التي يرونها جزءاً من هويتهم. ومن هنا، فإن ما يقدمه نتنياهو بوصفه دفاعاً عن إسرائيل وعن يهود العالم قد يصبح، في نظر منتقديه من اليهود أنفسهم، عبئاً على إسرائيل وعلى علاقتها باليهود في الخارج.

بين نهاية نتنياهو وصورة إسرائيل الجديدة ..

وربما كان غياب اللقاء بين نتنياهو وترامب في هذه الزيارة أكثر من مجرد تفصيل بروتوكولي. فاللقاء لم يكن مدرجاً على جدول الرئيس الأميركي، في وقت أن نتنياهو يخوض معركة انتخابية ويواجه عزلة دولية متزايدة. وقد يكون من المبالغة تحويل ذلك وحده إلى حكم على مستقبله السياسي، لكن السؤال يظل مشروعاً: هل عزز هذا الغياب في داخله الإحساس بأن مرحلة نتنياهو تقترب من نهايتها، وأن إسرائيل نفسها باتت تدفع ثمن الخلط بين الدولة وحكومته وسياساته؟

ذلك أن نتنياهو لم يعد يفصل، في خطابه وممارسته السياسية، بين إسرائيل التي يمثلها وبين نفسه باعتباره من يمثلها. وفي هذه اللحظة، تبدو إسرائيل الجديدة التي تكشفها الحرب والعزلة الدولية أكثر عراءً أمام العالم؛ دولة تحاول أن تحمي صورتها القديمة بالقوة، فيما تتسع الفجوة بين هذه الصورة وبين ما يراه العالم في سياساتها، من احتلال واستيطان وحرب إبادة وتطهير عرقي وإنكار لحقوق الفلسطينيين. وقد لا يكون بناء "الجدران الحديدية" كافياً لحجب هذه الصورة إلى الأبد.

إذا كان هذا بالفعل خطاب نتنياهو الأخير أمام الجمعية العامة كرئيس للوزراء، فقد أراد أن يغادر المنصة بالصورة التي اختارها لنفسه: قائد يقف وحيداً لكنه لا ينحني، ويواجه العالم وهو يصر على أن شعبه موحد خلفه.

لكن خطابه كشف صورة أخرى: قائد يحاول أن يحوّل العزلة إلى بطولة، والقوة إلى بديل عن السياسة، وإنكار حقوق الشعب الفلسطيني إلى حقيقة تفرضها القوة الغاشمة. وربما كانت هذه هي المفارقة الأوضح، حيث أراد أن يقدم نفسه باعتباره القائد الذي لا يستطيع العالم عزله، لكنه ساهم، من حيث لا يريد، في تعزيز عزلة اسرائيل.