الكاتب : إفرايم إنبار
جيروزاليم بوست
في خضم الصراع المستمر في قطاع غزة، تبدو التوقعات المتعلقة بـ"اليوم التالي" متفائلة أكثر مما ينبغي. فالأمل في بروز كيان سياسي منظم في غزة قادر على احتكار استخدام القوة ومنع الهجمات على إسرائيل، مجرد أمنية بعيدة المنال في الظروف الراهنة.
التاريخ أثبت أن قدرة إسرائيل، وحتى القوى العظمى، على إعادة تشكيل الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط محدودة للغاية. فشل إسرائيل في تغيير النظام اللبناني عام 1982، وعجز الولايات المتحدة عن فرض الديمقراطية في أفغانستان والعراق، ناهيك عن إخفاق الاتحاد السوفيتي في تحويل أفغانستان إلى دولة تابعة، كلها شواهد على أن فرض أنظمة سياسية من الخارج مسار محفوف بالفشل.
حتى إن استطاعت إسرائيل تقويض القوة العسكرية ل"حماس"، فإن غياب بنية سياسية حقيقية في غزة يجعل من المستحيل إنشاء دولة مستقرة. كما أن الكراهية العميقة تجاه إسرائيل، المتأصلة في الفكر القومي والديني الفلسطيني، لا يمكن أن تُعالج بالقوة العسكرية وحدها. هجوم 7 أكتوبر مثال صارخ على ذلك.
وتعاني معظم الدول العربية من مشكلات مشابهة، حيث تفقد السيطرة على استخدام القوة داخل أراضيها لصالح ميليشيات وفصائل مسلحة. الأمر لا يختلف كثيرًا في غزة، حيث لم تستطع "حماس" وحدها السيطرة الكاملة، فالجهاد الإسلامي وفصائل أخرى تتقاسم النفوذ هناك.
الحديث عن إعادة إدخال السلطة الفلسطينية إلى غزة يحظى بتأييد دولي، لكنه لا يعد حلاً مثاليًا. السلطة ضعيفة، وتغض الطرف عن العنف، لكنها على الأقل معتادة على التنسيق الأمني مع إسرائيل، وتسمح بحرية عمل للجيش الإسرائيلي ضمن حدودها. في المقابل، يُروّج اليمين المتطرف في الحكومة الإسرائيلية لفكرة ضم غزة، متجاهلًا التداعيات الدبلوماسية والاستراتيجية الخطيرة لهذا الخيار، خاصة أنه لا يحظى بإجماع داخل المجتمع الإسرائيلي المنقسم.
في ظل هذا الواقع المعقد، من المرجح أن تظل غزة ساحة للفوضى، ما لم تظهر جهة فاعلة راغبة في تولي مسؤوليتها. هذه الفوضى، رغم مخاطرها، قد تمنح إسرائيل فرصة لإنشاء مناطق عازلة وتقييد التهديدات دون عراقيل من كيان سياسي معادٍ.
ختامًا، لا تملك إسرائيل رفاهية القضاء الكامل على العنف أو إحلال السلام الدائم، لكنها تستطيع تقليل التهديدات عبر تجنب السياسات التي أثبتت فشلها، كاحتواء غزة والاكتفاء بـ"جزّ العشب" كل فترة. فطالما أرادت إسرائيل البقاء كدولة يهودية ذات سيادة، فعليها أن تقبل بحقيقة أنها ستضطر للعيش بحد السيف لسنوات طويلة قادمة.



