آراء

"تحولات الخارج وأزمة الداخل" من يقرر مستقبل فلسطين؟

143 مشاهدة قراءة 8 دقيقة

الكاتب : بروفيسور حسين الديك  


تفتح التحولات السياسية المرتبطة بالانتخابات الأمريكية والإسرائيلية مرحلة جديدة أمام القضية الفلسطينية، في ظل تغير المزاج العام الأمريكي تجاه إسرائيل، وتصاعد نفوذ التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، واحتمالات تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة تنهي حقبة بنيامين نتنياهو واليمين الديني المتطرف. لكن السؤال الأساس لا يتعلق فقط بطبيعة التغيير في واشنطن وتل أبيب، بل بمدى انعكاسه على السياسات تجاه الفلسطينيين، وقدرة القيادة الفلسطينية على استثمار هذه التحولات.
واشنطن "استمرار خطة ترامب تحت رقابة ديمقراطية أكبر"
من المتوقع أن تشهد السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية خلال العامين المقبلين تحولاً تدريجياً، خصوصاً في ظل سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الشيوخ والنواب، وتزايد تأثير الجناح التقدمي داخل الحزب، نتيجة التحولات التي أحدثتها الحرب على غزة، والمجازر الإسرائيلية، وتصاعد إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية.
هذه التحولات لن تعني بالضرورة انقلاباً في السياسة الأمريكية، لكنها ستجعل الدعم غير المشروط لإسرائيل أكثر كلفة سياسياً، وتفرض رقابة أكبر على قرارات الإدارة الأمريكية.
وفي المقابل، سيواصل ترامب دعم مجلس السلام وخطته المتعلقة بغزة، باعتبارهما أحد أبرز مشروعاته السياسية، وإن كان باندفاع أقل. فهناك توافق بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي بشأن ضرورة نزع سلاح القطاع وإنهاء حكم حماس، وإيجاد ترتيبات جديدة لإدارته. كما أن انتقاد إسرائيل والتضامن مع الشعب الفلسطيني لا يعني بالضرورة تأييد حركة حماس أو دعم استمرار سيطرتها على غزة.
لكن الديمقراطيين سيولون اهتماماً أكبر لآليات تشكيل مجلس السلام، ومصالح الأطراف المشاركة فيه، ومخاطر تحويل إعادة إعمار غزة إلى مشروع استثماري يخضع لحسابات سياسية واقتصادية، بدلاً من أن يكون مدخلاً لإعادة بناء الحياة الفلسطينية وضمان الحقوق الوطنية.
وعليه، ستجمع السياسة الأمريكية المقبلة بين مواصلة دعم خطة مجلس السلام، وزيادة الانتقادات الموجهة إلى السلوك الإسرائيلي، خصوصاً الاستيطان واعتداءات المستوطنين. أما مستقبل العلاقة مع السلطة الفلسطينية فسيبقى مرتبطاً بطبيعة الحكومة الإسرائيلية المقبلة.
إسرائيل "حكومة جديدة لا تعني بالضرورة نهاية الصراع"
على الجانب الإسرائيلي، قد يشكل تكليف غادي أيزنكوت بتشكيل الحكومة، بعيداً عن نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، تحولاً مهماً في إدارة الشؤون الداخلية والعلاقة مع الفلسطينيين. ورغم الخلافات داخل معسكر المعارضة، فإن الرغبة في إنهاء حكم نتنياهو تمثل القاسم المشترك بين مكوناته.
غير أن تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير الموقف الاستراتيجي الإسرائيلي من الحقوق الفلسطينية، بل قد يعكس تحولاً في أساليب إدارة الصراع وأدواته.
في غزة، من المرجح أن تتوافق الحكومة الجديدة مع إدارة ترامب بشأن نزع السلاح وإنهاء حكم حماس وتنفيذ خطة مجلس السلام. لكن تعثر تنفيذ الخطة، وتحميل حماس مسؤولية ذلك، قد يعيدان احتمالات التصعيد العسكري إلى الواجهة.
في المقابل، قد تفتح الحكومة الجديدة المجال أمام انسحابات إسرائيلية تدريجية، وإدخال قوة الاستقرار، وتمكين اللجنة الوطنية والشرطة الفلسطينية الجديدة من ممارسة مهامهما، وفق الترتيبات المتفق عليها.
أما في الضفة الغربية، فمن المتوقع أن تكون الحكومة الجديدة أكثر حزماً في مواجهة إرهاب المستوطنين، وأكثر استعداداً لتفكيك البؤر الاستيطانية الزراعية والرعوية، وأقل عدائية تجاه السلطة الفلسطينية. وقد يشمل ذلك إعادة النظر في تحويل أموال المقاصة المتراكمة وتخفيف القيود المفروضة على دخول العمال الفلسطينيين إلى إسرائيل، بصورة تدريجية.
ومع ذلك، فإن حكومة أقل تطرفاً لا تعني حكومة مستعدة لإنهاء الاحتلال أو الاعتراف بالدولة الفلسطينية؛ فالفرق كبير بين تغيير أدوات إدارة الصراع وتغيير جوهر الموقف منه.

الفلسطينيون "من انتظار المتغيرات إلى استعادة المبادرة"
في مقابل هذه التحولات، تبدو الساحة الفلسطينية عالقة في حالة من الركود والانقسام وغياب الرؤية الاستراتيجية. وهذا يضع الفلسطينين أمام مسؤولية تاريخية للخروج من سياسة الانتظار والتهرب من الاستحقاقات الوطنية.
لقد شهدت الفترة الماضية حراكاً بشأن الحوار الوطني والمصالحة ، لكنه لم يتحول إلى نتائج عملية ومستدامة، ما يعزز الانطباع بأن بعض هذه التحركات ارتبطت باحتواء الضغوط أكثر من ارتباطها بإرادة حقيقية لإصلاح النظام السياسي.
فالانتخابات ليست حلاً سحرياً للأزمة الفلسطينية، لكنها تظل المدخل الأساسي لاستعادة الشرعية وتجديد التفويض الشعبي. فالشرعية لا تأتي من التفاهمات المغلقة بين القيادات والفصائل، ولا من تقاسم المناصب والمواقع، وإنما من اختيار المواطنين لمن يمثلهم ويقرر مستقبلهم.
والمرحلة المقبلة تتطلب رؤية وطنية تتجاوز إدارة الانقسام، وتعالج العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير، وتعيد بناء المؤسسات على أسس ديمقراطية، وتربط إعادة إعمار غزة بإنهاء الانفصال السياسي والجغرافي بين القطاع والضفة الغربية.
فرص التغيير يجب  استثمارها
قد تتيح التحولات في واشنطن وتل أبيب فرصة لتخفيف الضغوط على الفلسطينيين وإعادة ترتيب بعض الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، لكنها لا تضمن إنهاء الاحتلال أو تحقيق الدولة الفلسطينية. فالولايات المتحدة ستواصل حساباتها الاستراتيجية، وإسرائيل ستدافع عن مصالحها، حتى في ظل حكومة جديدة.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في ما ستقرره واشنطن وتل أبيب، بل في قدرة الفلسطينيين على استعادة المبادرة السياسية والشرعية الوطنية،  فقد تتغير الحكومات والتحالفات وموازين القوى، وبدون ذلك ستظل التحولات الخارجية فرصاً مؤجلة، وسيبقى الآخرون يقررون مستقبل القضية الفلسطينية.

*خبير الشؤون الامريكية والاسرائيلية