الكاتب : إياد ابو روك
نلوم من؟ نكتب لمن؟ ومن في هذا العالم سيجلس حقا ليسمع؟
نحن ابناء هذا الشرق الممزق لم نعد نملك سوى الكلمات نحملها مثل نعوش على اكتافنا ونبحث لها عن قبور في صفحات التاريخ لكن التاريخ ذاته بات مثقلا بجثث الحكايات المنسية والتي تجدد كل فترة وفترة !!...
اتذكر اول مرة جلست فيها مع صديقي العراقي في مقهى صغير في اوسلو لم يكن مجرد لاجئ يروي قصته بل كان كمن يفرغ في قلبي حمما من بركان ظل يغلي داخله سنوات طويلة حدثني عن الحروب التي اجتاحت العراق واحدة تلو الاخرى من حرب الثمانينيات مع إيران التي استنزفت دماء اجيال كاملة الى الغزو الامريكي وسقوط بغداد والفوضى التي أطلقت العنان لميليشيات واغتيالات ومجازر خفية كان صوته يرتجف وهو يقول كنا ندفن موتانا بصمت ونخشى حتى ان نذكر اسماءهم جلست استمع واشعر انني أعجز عن احتواء المه كأنني احمل على صدري ثقل الجبال .
ثم جاءت الحرب في سوريا لم تكن حربا عابرة بل بركانا انفجر على اطفالها ومدنها نظام قمعي يقتل ابناءه بدم بارد قصف وحصار وتجويع ثم تدخلات من قوى كبرى وجماعات متطرفة اضافت طبقات اخرى من الدمار جلست مع شاب سوري يحدق في كوب الشاي امامه وكأنه يقرأ على سطحه اسماء اصدقائه الذين فقدهم قال لي كنا نعد الايام بانتظار ان يضربنا القصف كنا نحلم فقط بان يمر يوم دون ان نفقد احدا قالها بابتسامة حزينة تشبه بكاء مكتوما .
وفي لبنان الحروب لم تتوقف منذ عقود .. حرب اهلية طويلة غذتها ايادي اقليمية ودولية حصار بيروت صبرا وشاتيلا اجتياحات متكررة قنابل تتساقط على المدنيين ثم انفجار بيروت في قلب العاصمة ليعيد الذاكرة الى نقطة الصفر. قال لي احد اصدقائي اللبنانيين نحن لا نموت مرة واحدة نحن نموت كل يوم ونحن نرى وطننا ينزف ولا احد يمد يده .
اما في السودان فالقصص لا تقل مرارة حروب داخلية اشعلتها اطماع السلطة والانقلابات والصراعات القبلية التي غدتها ايادي خارجية . مدن تحولت الى ساحات قتل جماعي اطفال ساروا مئات الكيلومترات بحثا عن امان لم يجدوه قال لي صديق سوداني نحن نموت مرتين مرة حين يقتلنا الرصاص ومرة حين يصمت العالم.
وفي اليمن فصول مأساوية اخرى حرب دمرت البيوت والمدارس والمستشفيات صراع على السلطة بين جماعات تدخلات اقليمية ودولية صبت مزيدا من النار على بلد انهكته المجاعة والمرض. التقيت لاجئا يمنيا قال لي بصوت ضعيف : كنا نخاف من الليل أكثر من النهار الليل يأتي بالغارات والصباح يأتي بالجثث. الى ان أكملت إسرائيل وقصفت كل مقومات الحياة من موانيء ومطارات وزاد الخراب اكثر واكثر .
وفي قلب هذا كله تبقى حكاية الفلسطينيين أشدها وجعا منذ النكبة الاولى وهم يحملون مفاتيح بيوتهم على امل العودة لكنهم علقوا في المنافي عقودا طويلة مخيمات في لبنان وسوريا والاردن وداخل الوطن اصوات لا تتوقف عن الصراخ يلومون العالم يلومون المجتمع الدولي يلومون اشقاءهم العرب يلومون انفسهم احيانا كل عام يحمل نكبة جديدة كل حصار يفتح جرحا اقدم وكل مذبحة تعيد السؤال نفسه : من يسمعنا ؟
واليوم يقف الفلسطينيون في قلب واحدة من اشد الحروب واعنفها في العصر الحديث الحرب على قطاع غزة مجازر ومذابح لم يعرفها العالم الحديث من قبل احياء كاملة ابيدت اطفال يخرجون اشلاء من تحت الركام عائلات تمحوها صواريخ وقنابل وحصار يمنع الماء والطعام والدواء والهواء وكل ذلك امام اعين العالم الذي اكتفى بالصمت والبيانات الباهتة كأن التاريخ يكرر نفسه بل يزيد قسوة ووحشية .
كل الذين جلست معهم يحملون هذا الشعور شعور ان العالم كله تخلى عنهم وان اللوم صار عادة متجذرة لكنني وانا استمع إليهم شعرت ان هذه العادة صارت عبئا اضافيا على ارواحنا . اللوم وحده لا يغير شيئا لا يعيد الموتى ولا يعيد المدن المدمرة اللوم لن يجدي نفعا لامة تحتاج الى ما هو أعمق من تبادل التهم . علينا ان نفكر بطريقة اخرى ان نبحث عن سبل جديدة لترميم ما تبقى فينا من انسانية .
وسط كل هذا الالم اكتشفت شيئا صادما اخر .. هناك فئة في هذا العالم لا تعرف شيئا تقريبا عن هذه الحروب ولا تريد ان تعرف . يعرفون بالكاد ان هناك مشاكل في سوريا او اضطرابات في مكان ما او حربا في غزة لكنهم لا يقتربون من التفاصيل لا يعنيهم الامر يفضلون ان يعيشوا في فقاعتهم البعيدة عن الدماء والخراب يجلسون في مقاهيهم او بيوتهم الهادئة ولا يتطرقون الى هذه القصص ابدا وكأننا نعيش في كوكبين مختلفين نحن الغارقين في الالم وهم الغارقون في اللامبالاة .
هكذا صارت الحكاية الم هنا يجاور الما هناك كأننا شعوب كتب عليها ان تتذوق طعم التهجير والفقد والاغتصاب والحصار . في علم النفس يقولون ان الصدمة تغير الفرد لكننا امام صدمة غيرت أمما بأكملها . لم يعد الغضب فرديا صار جماعيا لم يعد الحزن عابرا صار سحابة ثقيلة تغطي سماءنا جميعا .
من نلوم ؟: هل نلوم الصمت ؟ .. نلوم هذا العالم الذي يرى ويسمع ويبتلع صرخاتنا بصمت نلوم بعضنا احيانا نرمي اللوم على القريب والبعيد لكن الحقيقة اننا جميعا ضحايا معادلة قاسية .. معادلة العجز ان من يحمل الالم وحده يعرف وحده طعم المرارة يعرف كيف يتحول الليل الى كابوس وكيف تصبح الذاكرة سجنا لا مفر منه . نحن لا نكتب لأننا نبحث عن حل بل لأننا نحاول ان نترك اثرا من صراخنا في هذه البشرية التي فقدت اذنيها فمن يسمعنا .
فكل جرح لا يسمع يظل مفتوحا وكل صرخة لا تجد من يصغي لها تتحول الى ندبة في الوعي الجمعي وكل صمت طويل يولد انفجارا أكبر في داخل الانسان وفي داخل الامم جميعا.
.



