الكاتب : أحمد دخيل
يا من تُخرجون التصاريح من خاصرة قاتلكم، ثم تتظاهرون ضدّ معبرٍ جريح...
ليس هكذا تُفكّ القيود عن معصم الغزالة، ولا هكذا يُصلّى على النهر،
حين تذبحه الخناجر وتبتسم الشفاه.
بعد عامين من شيِّ اللحم الفلسطيني فوق نار الخرائط، من دوران غزة بين فكّي الضبع، من محو الأسماء بالحبر الأبيض، ومن تعليق أطفال الكرمل على جدار التلمود، يخرج "الإخوان" من ظلّ الخريطة، كمن يصبّ الماء في الخندق الخطأ، ثم يصيح: «أنقذتُ السفينة!».
أيها الواقفون على باب السفارة المصرية كأنها العار، رفقًا بالقاهرة، التي إن خانت، خانها الهواء. رفقًا بالنيل، الذي ما زال يُغسّل موتاه دون عدٍّ أو نشيد.
مصر ليست الممرّ، مصر هي القلب الذي تُفتح فيه الممرّات.
فإن اختنق، اختنق الجسد كلّه.
غسان كان ليقول:
"لا تخطئوا الهدف… فالمذبحة لا تُعاد مرتين بنفس اليد "
وكان سيشير إلى المسرحية قبل أن تُكتب فصولها، إلى الكواليس، إلى مَن يطبع الشعارات ويوزّعها مع الماء المثلّج.
وكان سيسأل: من يحرّك اللافتة،
ومن يُحرّك الخرائط؟
وكانت رضوى عاشور لتكتب كما تكتب الأمهات بعد الفاجعة:
"هذا الحزن لا يُقسم على اثنين…
ولا يُرفع في مظاهرةٍ مأجورة."
كان الحزنُ غزيًّا، ممتلئًا بالبُكاء دون مكبرات صوت.
والشعارُ، كفنٌ ضيِّق لا يُناسب جسد فلسطين.
وإدوارد سعيد، كان ليضع صوته بين ضجيجكم، ليقول:
"هذا ليس نقدًا، بل تفكيكٌ خاطئ.
ليس موقفًا، بل إعادة تدويرٍ لبلاغة مشبوهة."
من قال إن معارضة مصر هي تحرير لغزة؟
من قال إنكم أنتم الممثل الشرعي للجوع؟
حين تُسَنُّ سكاكين العدو على جسد معبر، وحين يُرفع هراؤكم ضد القاهرة
ولا يُسمع أنين جباليا...
فأنتم تقرؤون الجغرافيا بعيون القاتل، وترددون خطابًا لم تكتبوه.
وكان درويش ليقول، ببساطة المجاز القاتل:
"غزة لا تُقارن، غزة تُحتضن أو تُترك كأمٍّ وحيدة على باب المستشفى."
غزة لا تنتظر تصاريحكم، ولا تتسوّل طريقًا من بوابة الخلافات.
غزة تبحث عن النور، لا عن الظلال المتعاركة.
يا من تعلّقون فشلكم على جدار القاهرة،
هل جرّبتم مرةً أن تُشيروا إلى تل أبيب؟
أن تتظاهروا ضد من يُحصي دقات قلوبكم؟
أن ترفضوا التوقيع على الورقة التي تحدّد كم آيةً يُسمح بها في الصلاة؟
هذا هو الزمن الذي يُكشَف فيه الستر،
وتُسمّى الخيانة باسمها العاري.
فلا تخلطوا المقدّس بالخديعة.
ولا تبيعوا البوصلة لمن يساومكم بثمن الخلود.
عودوا إلى النار الأولى، إن استطعتم
إلى الطين الذي صرخ عند اقتلاع أول خيمة، إلى الطفل الذي لا يسأل: من فتح له الباب؟
بل يسأل: من هدم بيتي؟
كفى طعنًا في النيل.
كفى خلطًا بين المذبحة والممرّ.
كفى تسويقًا لخريطة العدو
بلسان "المقاومة".
أنتم لستم فلسطين.
أنتم الطلاء الذي يُجمّل جدار السجن.
أنتم ظِلّ الصهيوني حين يُرخي لحية الواعظ.
أنتم مَن باع المعركة...
ليشتري تصريحًا ليحتجّ امام الباب الخطأ.. فهل تعقلون؟..
* شاعر و صحفي فلسطيني لاجىء في سوريا



