الكاتب: اياد أبو روك
وربّ الكعبة، لم نعد نعلم أنحن في حلمٍ ثقيلٍ أم في كابوسٍ طويلٍ بلا نهاية؟ نحن لا نعيش فقط في زمن محمل بالاستبداد والطغيان، ام في زمن الاعتياد على الظلم. زمنٌ فقدَ فيه الإنسانُ دهشته الأولى أمام القبح، واعتاد أن يرى النيران تنهش الأبرياء دون أن يرف له جفن، كأنّ الدم أصبح لغةً يومية لا تُثير الأسى.
نحن حائرون... لا لأننا لا نعرف أين نقف، بل لأن الحقيقة باتت باهته على أسوار العالم، والعالم يصفّق للجلّاد بنفاق وازدواجيه. لقد تخطّت حيرتنا حدود العقل، وتجاوزت كل المشاعر التي نحملها ككائنات من المفترض أن تُحب وتتعاطف وتفزع حين ترى طفلاً يصرخ تحت الركام. ما نعيشه اليوم هو انفصالٌ عن المعنى، وانهيارٌ تامّ في ميزان المعادلة الإنسانية وروابطنا المجتمعية. .
بات الحديث مع النفس وماصلت اليه ضربًا من العذاب، لأنك حين تُحدّث نفسك بصدق في هذا الواقع، لا تجد سوى صدى الأسى يرجع إليك، وأنت بين حيرة العدل وخرس العالم. في لحظة ما، نختار الصمت، لا عن ضعف، بل لأن الكلمات ماتت من كثرة ما قيلت دون أن يُصغي إليها أحد. لقد أصبحنا نشعر بالاختناق، لا من رائحة الدم فحسب، بل من ضجيج الصمت العالمي الذي يقتل مرتين.
أخطر ما في هذا المشهد ليس القتل، بل التبرير. ليس الدمار، بل الإقناع بأنه حقٌّ مشروع. أن ترى البعض يبرّر المجازر تحت غطاء الحياد، ويصوغ الجرائم بلغة القانون، ويبيع الإنسانية في أسواق المصالح. الانقسام الذي نشهده اليوم ليس سياسيًا فحسب، بل أخلاقي، روحي، وجودي. إنه انقسام بين من يرى النور في عيون طفل فلسطيني يقاوم تحت الحصار، وبين من يرى النور في فوهة بندقية تُخرسه.
ربما السؤل المطروح اليوم كيف يشعر الناس في غزة؟ إنهم لا يسألون عن العدل، فهم يعرفون أن العالم قد خانه منذ زمن. إنهم فقط يتأملون هذا الفجور العالمي في اللامبالاة، ويضحكون بمرارة: هل نحن وحدنا من نزلنا من رحم الإنسان، أم أن هذا الكوكب تحوّل إلى كائن لا يعرف معنى الحياة؟
والأدهى من ذلك وفي خضم هذا الجنون، نسمع من يطلب منّا التأنّي في اتخاذ موقف، أو يدعونا لسماع تبريرات تُثير الاشمئزاز. لكننا، في حضرة المجازر، لم نعد نملك رفاهية الاستماع. لسنا في لحظة فكرية نُقيّم فيها الأقوال، بل في لحظة وجودية نُسحق فيها، ويُدفن فيها الضمير تحت أنقاض فلسطين لا خيار أمامنا الآن إلا أن نصرخ، أن نُقاوم من اجل البقاء.
نحن – الذين نحمل الوجع في القلب والغضب في العيون – نعيش تمزقًا داخليًا لا يشبه أي تمزق. نعيش بين عالمين: عالمٍ يتغنّى بالحرية والعدالة، وآخر يتقن القتل بصمت. وبينهما نقف نحن، نشعر بالشلل... لأن الصراخ بات بلا جدوى، ولأن أكثر ما يُؤلم أن ترى شعبك يُمحى وأنت عاجز عن وقف المذبحة.
أصدقائي المقرّبون، سواء في المهجر او ممن عاشوا فلسطين فكرة وهوية ودمًا، أصابهم إحباط مرعب. إحباط ليس من الألم فقط، بل من غياب القيمة. من هذا الفصام العالمي الذي يتغنّى بالحرية وهو يبارك قصف المستشفيات. وأنا واحدٌ منهم، أعيش كلّ يومٍ وجهي مقسوم بين مرآتين: واحدة ترى نور العدالة في عالمٍ بعيد، وأخرى ترى الظلمة تلفّ أهلي وأرضي وأحلامي.
إن أقسى شعور يمكن أن يعيشه الإنسان اليوم، هو أن يُجبر على التوازن في مواجهة الإبادة، وأن يمنع من البكاء كي لا يتهم بالمبالغة ويريد ان يزيد الحريق أكثر وأن يُقنع نفسه أن الدم الفلسطيني لا يملك ما يكفي من القيمة ليفزع العالم.



