الكاتب : تحسين يقين
كل بما وُهِب، وكل بما وَهَب.
تلك هي معادلة يتحقق فيها أهم عناصر الانتماء للمجتمع؛ فهي التي يتجلى فيها مبدأ الحقوق والواجبات، أكان ذلك في الحياة الخاصة والعامة على حد سواء.
إنما فضاءان متكاملان، ويكتملان بما علينا من واجبات نقدمها وحقوق نحصل عليها، ولذا فإن ذلك هو ضمان الاستقرار وديمومة الحيوية في البيت وخارجه.
ففي الوقت الذي نمضي فيه مع التقاليد والقيم والعرف فيما يتعلق بواجبات الفضاءات الأسرية والاجتماعية، بما على كلّ منا تقديمه من واجبات والحصول عليه من حقوق، فإن الحال كذلك مع المجتمع كحاضن للأسر، والذي هو أسرتنا الكبيرة، وطننا وقوميتنا، بل والمجتمع الإنساني بأسره.
هو مبدأ متوازن قديم جديد، تجلى كأهم ما تجلى في "العقد الاجتماعي" المشهور، الذي نسب للمفكر العظيم جان جاك رسّو ومجايليه، "والذي يقوم على فكرة اتفاق ضمني بين أفراد المجتمع والحكومة لتحديد حقوق وواجبات كل طرف، ويُعدّ أساساً لتبرير الشرعية السياسية المستمدة من "إرادة الشعب".
وهو مبدأ يحقق العدالة الى الحدّ الممكن والمقبول . وكثيرا ما تأمنا وغيرنا باختيار اصطلاح "العقد الاجتماعي"، حيث نجد المضمون يتجاوز المستوى الاجتماعيّ الى منظومة المجتمع. ولكنّ ما يرضينا هنا هو كلمة العقد، التي تعني التعاقد الاختياريّ، والذي يجد العيش المشترك الآمن، هو استحقاق لهذا العقد، الذي من المفترض أن ينعم المجتمع بواردات البلاد، وألا يسطو أحد على حرية أحد، في ظل منح الدولة سلطة العدل. وهنا يمكن للمواطن الحصول على الحد المقبول يوازي ما يقدمه، وللمواطن أن يطوّر مصادر دخله وعلمه وثقافته وفق مقتضيات القانون.
وهكذا مضت بلاد العالم، كل وما تختاره من عقود اجتماعية وسياسية، لتحقيق حياة فضلى، حيث تمنح الدولة-المجتمع القائمين/ات على تحقيق هذا العهد-العقد ميزّات الاحترام والتقدير، حيث تربط الأمم احترام الحكام باحترام الحكام للعقد القانوني والدستوريّ، وتحقيق المصلحة العليا للجمهور، وليس فقط مصلحة نخب معينة.
تشكّل الحالة الفلسطينية وضعا فريدا، فنحن شعب ننتمي له من خلال قيمتين هما الوطنية والمواطنة معا، كوننا مازلنا تحت الاحتلال من جهة، وكوننا نعيش في مجتمع مدنيّ تتبلور فيه قيم المواطنة منذ 3 عقود، مع تأسيس السلطة الوطنية، ككيان سياسيّ، كما هي المواطنة لدى مجتمعات الدول المستقلة ذات السيادة.
منذ تأسيس سلطتنا الوطنية، وجدل الحقوق والوجبات يتكرر ويتفاعل ويتعمّق، انطلاقا من مصالح عامة وخاصة في الوقت نفسه، ولم تمض بضع سنوات، حتى ظهر النقد موضوعيا ومصلحيا، زاده بالطبع عدم الاتفاق السياسي لما تمّ عام 1993، بوجود معارضات غريبة من نوعها، لم تشكّل جذبا للجمهور، فإن كان هناك ما يعتري السلطة من ثغرات، فإن لدى الفئات المعارضة ثغرات أكبر وأكثر، وصولا لما نحن فيه الآن، ولسنا ممن يميل الآن الى التقييم، من باب "أنقذني أولا ودع الملامة لاحقا"، والذي قاله من قارب على الغرق، لمن لامه على دخول الماء بدون القدرة على العوم. فكلنا كما يبدو ننتمي لثقافة متشابهة، في النظر الى المنجزات والمكتسبات.
وهكذا، فإن التفسير الأخلاقي الوطني، يعني في المقام الأول البذل، وتحضرنا هنا أغنية عليّة التونسية "حبايب مصر"، والتي فيها تغني:
"منقولش إيه اديتنا مصر قول هاندي إيه لمصر"
مطلوب من كل وطني من كل وطنيه
ظهرت الأغنية في ربيع عام 1973 وهي من كلمات الشاعر مصطفى الضمراني، ومن ألحان الموسيقار حلمي بكر.
والتي ابتدأها بقوله:
مطلوب من كل مصري من كل مصرية
من كل اب من كل ام من كل اخ من كل اخت
وهنا يذكر الشاعر دوافع الاستحقاق والوفاء بما قدمه الوطن:
على صدرها نمنا على حسها قمنا وبشمسها الحلوة نورنا ايامنا
وفي حضنها دفينا وفي ضلها مشينا وقلوبنا لو عطشت نيلها بيروينا
مصر النجاه مصر السفينة
ادتنا الامان مصر ادتنا الحنان مصر ادتنا الكرامة مصر ادتنا الجمال مصر
وهنا يجد الشاعر الضمراني يطلب من الشعب:
ادوها الحياة واكتر من الحياة ادوها عمركم ادوها فكركم
ادوها حبكم وافدوها بدمكم ادوها اغلى شيء ادوها كل شيء
وهذا يعمق ما ابتدأت به القصيدة. ولعل هذا هو المطلوب من كل مواطن ينتمي لوطنه، من كل فرد منا، أكان أبا أو أمّا أو أخا أو أختا.
كنت طفلا أقل من 6 سنوات حينما سمعتها أول مرة، ولم يمض على دخولنا الصف الأول الابتدائي شهر، حتى سمعنا عن حرب عام 1973 والتي لم نعرف منها غير الطائرات التي كانت تعبر سماء المدرسة تاركة خلفها خطوط الدخان التي نتعجب ممن يرسمها هكذا. ولكننا بقينا نسمع الأغنية كثيرا حتى الآن، وزاد من حضور الأغنية إقامتي في مصر خلال الدراسة، حيث كانت الأغنية مثل السلام الوطني.
أبدع الشاعر الغنائي مصطفى الضمراني، والموسيقار الكبير حلمي بكر وعليّة التونسية، كلّ في مجاله، من قصيدة غنائية مكتملة الأركان من معاني منتظمة، في سياقين فكريّ ونفسيّ، ومن ملحن عظيم اختار موسيقى تعبر عن المعنى السامي، ومن فنانة، غنتها من عمق انتمائها لمصر التي عاشت فيها وأبدعت.
ولعلنا نذكر في هذا السياق الفني-الوطني أغنية "أنا مواطن" للفنان التونسي لطفي بوشناق، التي انتشرت بشكل كبير قبل 17 عاما، والتي في لحظة منها يبكي فيها الفنان. وهي تحتاج وقفة خاصة، ولكننا هنا في هذه العجالة نقف عند زهد الشاعر بامتيازات النخب الحاكمة، والاكتفاء بالوطن:
انا حلمي بس كلمه ان يضل عندي وطن
لا حروب ولا خراب لا مصايب لا محن
خدوا المناصب والمكاسب لكن خلولي الوطن
يا وطن وانتا حبيبي انت عزي وتاج راسي
انت يا فخر المواطن والمناظل والسياسي
انت اجمل انت اغلى انت أعظم من الكراسي
وبعد، فإن القيام بالواجب أمر قانوني تعاقدي من الحاكم والمحكوم على حدّ سواء، فإن قمنا بواجباتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأسرية، والوظيفية في مجال العمل العام، فإننا سنضمن الحدّ الأدنى من العيش المقبول، وربما يفوق ذلك، فيصير لحقوقنا معنى، وناظم ذلك كله القدوة الحسنة، بل والمحاسبة والمساءلة كما ينبغي لمجتمع مدني وشعب يعيش تحت الاحتلال.
أمام نطمح له، والحالة كذلك، فهي الميل لتقديم الواجبات أكثر قليلا من الحرص على تلقي الحقوق، بمعنى أن بعض العطاء هنا منا، كل حسب طاقته وقدرته، يعني المزيد من الاستقرار والمحبة لما للتضامن من سحر خاص بين البشر وعليهم.
الكاتب : بكر ابو بكر
يرتبط بالطموح والانطلاق بل والجموح الملازم لحالة التمرد والرغبة بتغيير العالم لذلك فإن استثمار هذه الحالة المرتبطة بالسن يعتبر مقدِرَة لدى الرواد الشباب أنفسهم حين يكون بين أعينهم قضية، كما هو مقدِرَة لدى القيادات الاخرى حين تراهن على الطلبة أو الشبيبة المثقفة والطموحة والقادرة على الفعل داخل التنظيم السياسي فتجتهد هذه القيادات في تثقيف وبناء وفسح المجال أمام شبيبتها بكل عناية ومحبة، وتمازج الأجيال. وفي محاول منا لرصد الأعمار مرتبطة بالثورات وجدنا التالي: • الثائر العظيم عبدالقادر الجزائري ثار ضد المستخربين (المستعمرين) الفرنسيس بعمر 24 عامًا تقريبًا. (تم احتلال الجزائرعام 1830م، وانصرفوا الى غير رجعة عام 1962 بانتصار الثورة الجزائرية) • الثورة الفيتنامية بقيادة "هوشي منه" ارتبطت به وهو بعمر 51 عامًا • بينما قائد الثورة الصينية "ماوتسي تونغ" عند تأسيس الحزب الشيوعي الصيني كان عمره 28 عامًا. وعند الانتصار (عام 1949م) كان عمره 56 عامًا. • وفي كوريا الشمالية كان الزعيم "كيم إيل سونغ" عند بروز قيادته لحركة التحرر ضد الامريكان 33 عامًا • وتجد أن "فيديل كاسترو" قائد الثورة الكوبية ضد الرأسمالية الامبريالية في بلاده بدا معه منذ كان عمره 27 عامًا • وفي عمر 27 عامًا للقيادي الثائر "تشي غيفارا" • أما "دانييل أورتيغا" قائد الثورة الساندينية في نيكاراغوا ، فعند الانتصار عام 1979 كان عمره 33 عامًا • أما الثورة الروسية على القيصرية فلقد حقق لينين انتصاره بعمر 47 عاما أي أنه كان مناضلًا بمرحلة الشباب وكذلك الحال مع "ليون تروتسكي" بعمر 38 عاما عند الانتصار عام 1917م. • وفي المنطقة العربية فلقد بدأ المناضل الحبيب بورقيبة نضاله وهو بالثلاثينيات من عمره مع تصاعد الحركة الوطنية ضد الاحتلال الفرنسي وتحقق الاستقلال وهو بالخمسينيات من عمره. • وبرز الدور العسكري للرئيس القائد الجزائري العظيم هواري بومدين هو بعمر 27 عامًا، فيما كان أحمد بن بله بعمر 38 عامًا عند اندلاع الثورة الجزائرية المجيدة (1954-1962م). • وعند اندلاع الثورة البيضاء في مصر ضد الملكية التابعة للإنجليز (ثورة 23 يوليو 1952م) كان عمر الرئيس جمال عبدالناصر هو 34 عامًا. • وكان الزعيم ياسر عرفات عند تأسيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني-فتح أواخر العام 1957م بعمر 28 عامًا وعند الانطلاقة المجيدة عام 1965 كان عمره 36 عامًا. وقِس على ذلك كل من القادة الكبار صلاح خلف "أبوإياد" الرجل الثاني في الثورة الفلسطينية، وأمير الشهداء خليل الوزير"أبوجهاد" أول الرصاص وأول الحجارة، والمفكر العروبي الطاغي خالد الحسن ومن تلاهم. • وأسس جورج حبش "حركة القوميين العرب" وهو بالعشرينيات من عمره بالجامعة، وكانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وهو ببداية الأربعينات من عمره. • وفي إفريقيا عند تأسيس الجناح المسلح للمؤتمر الوطني الإفريقي كان "نلسون مانديلا" بعمر 43 عامًا • بينما الخميني (في حالة استثنائية جدًا) عند انتصار الثورة الايرانية ضد الشاه الامريكي التوجه فكان عمره 77 عامًا . الاستنتاج الأولي هو أن دور العمر هام نعم، لكنه لم يكن عاملًا حاسمًا في التغيير والتمرد والثورة والقيادة بقدر الفكرة والأكتاف الصلبة القادرة على حملها رغم وضوح أن السن (غالب القادة للثورات كانوا بالثلاثينيات والأربعينيات من أعمارهم) كان عاملًا مهمًا أيضًا لكن ليس الأوحد في اطلاق ومسيرة ومن ثم نجاح التمرد او المقاومة أو الثورة وعليه يمكن القول أن حالة الاستعداد غالبًا ما ترتبط (من ناحية العمر) بالشبيبة والطلبة أولًا: متى ما توفر لديهم الشعور العميق بالظلم ووجوب التمرد، ثم ثانيًا ردة الفعل المرتبطة بإرادة التغيير بوعي وعمل مثابر وثقافة متواصلة، ثم ثالثًا بإدراك القادة الرواد لقدراتهم، وللحظة التاريخية المناسبة، ولطبيعة العوامل الداخلية والخارجية وكيفية تعاملهم معها واستثمارها. وفي إطلالة تاريخية بسيطة فإن الاسكندر الاكبر بدأ حروبه التوسعية بعمر 21 عامًا وكات فتوحات هارون الرشيد في العشرينات والثلاثينات من عمره . اما سيف الدين قطز عندما انتصر على المغول في معركة عين جالوت في فلسطين فقد كان بالأربعين من عمره، فيما كان جنكيز خان عندما وحد قبائل المغول تمهيدًا لغزو العالم 44 عامًا (صعود متأخر لكنه الأعنف والأقسى على العالم)، وعندما انتصر الناصر صلاح الدين الايوبي في معركة حطين في فلسطين ضد الفرنجة كان بأواخر الأربعينيات من عمره بينما تولى وزارة مصر في الثلاثينيات، والى ما سبق فإن السلطان محمد الفاتح فتح القسطنطينية (اسطنبول لاحقًا) بعمر 21 عامًا كما حال صقر قريش عبد الرحمن الداخل عندما أسس مملكة الأندلس بالعشرينيات من عمره، والى ذلك تجد الخليفة علي بن أبي طالب قد استلم زمام الامور بعمر 58 عامًا. من الكبار الذين حققوا الأهداف كان في نموذجنا كل من الخميني (حالة استثنائية جدًا) ولينين وقطز وهوشي منه، وفي المقابل كان الانطلاق الشبابي بالتاريخ (من رصدنا) من نصيب الاسكندر الاكبر وعبد الرحمن الداخل، وهارون الرشيد (وكلهم وراءهم دول عظيمة او أرث كبير)، بينما جمال عبد الناصر وهواري بومدين وياسر عرفات وغيفارا وكاسترو جاءوا في عصر القطبين العالميين وعصر الثورات المدعومة. وللأمانة العلمية فإن هذه المقارنات تحتاج لبحث أطول وأعمق ما لايمنع من أخذ العبرة هنا والقياس. دعنا هنا ننطلق للقول أن فكرة الاحلال بمعنى إسقاط القادة الكبار سنًا بشكل كلي وإحلال قادة شباب سيحققون الانطلاقة والتقدم غير مثبتة تاريخيًا وإنما الشباب يصنعون الانطلاق الصعب والشيوخ يضمنون الاستمرارية، والشباب يشكلون قوة جسدية وفكرية (حين الثقافة) أكبر كما القرار والحسم السريع وبمخاطرة عالية جدًا تتعلق بالعوامل الداخلية والخارجية وفهم اللحظة وادراك الفرصة لذلك كان القادة من كبار السن ذوي استدامة أطول ويقومون بمخاطر محسوبة وبحسم أضعف يعتمد على الموقف، وأحيانًا يكونوا بطيئي الاستجابة مقارنة بالقيادات الشابة.
الخلاصة هنا أن السن لوحده بما فيه من جرأة ومخاطرة وطاقة نفسية وعاطفية وجسدية وهمة عظيمة وكما أسلفنا ليس العامل الحاسم الوحيد لتحقيق التمرد أو الثورة او الانطلاق أو القيادة وتحقيق الأهداف، بقدر ارتباطه بالفكرة واللحظة والوعي كما الحال بمتطلبات المرحلة. فقد تحتاج المرحلة طوفانًا ثوريًا شبابيًا، او قد تحتاج صبرًا استراتيجيًا يتميز به الشيوخ، وربما قدرة على إدارة التوازنات. ولربما التعامل السريع مع مسألة معقدة قد يؤدي للفشل فيما في حالات أخرى فإن اقتناص الفرصة السانحة تحقق النصر. (يتبع)
5



