الكاتب : مصطفى ابراهيم
ما صدر عن عدد من السفراء الأميركيين في إسرائيل وأوروبا يطرح إشكالية واضحة حول حدود الدور الدبلوماسي واحترام سيادة الدول المضيفة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بسفراء محسوبين مباشرة على الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والذين يمثلون أيديولوجيات سياسية محددة أكثر من كونهم خبراء دبلوماسيين مهنيين.
في الوطن العربي، أثارت تصريحات السفير الأميركي في إسرائيل، مايك هكابي، جدلاً واسعاً بعد حديثه عن إسرائيل الكبرى و“الحق الوجودي” لها، وتلميحات واضحة على حقها في الهيمنة أو السيطرة على أراضٍ عربية. هكابي، أول سفير عينه ترامب في إسرائيل، يمثل الشخصية اليهودية اليمينية الصهيونية المسيحانية المؤثرة في الانتخابات الأميركية، ويعد نموذجًاً صريحاً لتسييس التعيينات الدبلوماسية، حيث يصبح الولاء الأيديولوجي والسياسي للرئيس أهم من الخبرة المهنية.
تصريحات هكابي لم تُقرأ فقط كرأي شخصي، بل كتجاوز للأعراف الدبلوماسية وتحويل المنصب إلى منصة أيديولوجية، متجاهلة مصالح الولايات المتحدة العربية والتوازن الإقليمي. هذه التصريحات كشفت جانباً خطيراً في إدارة العلاقات الأميركية–الإسرائيلية، إذ تبنت خطاباً توسعياً صريحاً متماهياً مع أيديولوجية يمينية صهيونية–مسيحانية، متجاهلة سيادة الدول العربية وحقوق الشعوب العربية، ومؤيدة للتهجير، التطهير العرقي، الاستيطان، الضم، وفرض السيادة على الضفة الغربية المحتلة.
في باريس، أثارت تصريحات مرتبطة بالسفارة الأميركية حول تعامل فرنسا مع قضايا “معاداة السامية” احتجاجاً رسمياً، خصوصاً بعد ما نُسب إلى تشارلز كوشنر، السفير الأميركي في باريس وأب جارد كوشنر، صهر ومستشار ترامب. اعتبرت السلطات الفرنسية هذه التصريحات تدخلاً مباشراً في الشأن الداخلي، ما دفعها إلى استدعاء السفير. الأمر ذاته تكرر في بلجيكا، حيث أثارت تصريحات السفير الأميركي حول السياسات الداخلية احتجاجًا رسمياً واستدعاءً للسفير، وهو ما يعكس حساسية هذه الدول الأوروبية لمفهوم السيادة واحترام الأعراف الدولية.
المفارقة تكمن في أن الردود العربية، بما فيها موقف السلطة الفلسطينية، لم تتجاوز حدود الإدانات الشكلية أو السحب الجزئي للسفراء، دون اتخاذ مواقف أكثر حدة قد تؤثر على المصالح الأميركية أو تحدّ من خطاب أيديولوجي صهيوني صريح. هذا الموقف يعكس ضعفاً واضحاً أو تردداً في مواجهة خطاب أيديولوجي متماهٍ مع رؤية الحكومة الإسرائيلية اليمينية، التي تؤيد التهجير، التطهير العرقي، الاستيطان، الضم، وفرض السيادة على الأراضي الفلسطينية. موقف السلطة الفلسطينية بالذات كان ركيكاً، ولم يعكس قدرة على حماية الحقوق والمصالح الفلسطينية أو الضغط على الإدارة الأميركية لمحاسبة السفير.
المسألة ليست حرية التعبير الشخصية للسفير، بل حدود المنصب الدبلوماسي نفسه. السفير ليس ناشطًاً سياسياً أو أيديولوجياً، بل ممثل دولة يُفترض أن يحافظ على التوازن بين مصالح بلاده واحترام سيادة الدولة المضيفة. عندما يتحول المنصب إلى منصة لترويج خطاب ديني–سياسي يبرر التوسع أو يتبنّى سرديات توسعية، فإنه يضع بلاده في موقع الاصطفاف بدلاً من الوساطة، ويقوّض صورة الدبلوماسية كأداة توازن.
الأخطر هو عدم مساءلة هذا الخطاب من الإدارة الأميركية، واستمرار تبني سياسات مماثلة، ما يعكس ما يمكن تسميته بـ أدلية الدبلوماسية الأميركية، حيث يختلط الخطاب الداخلي الانتخابي بالدبلوماسية الخارجية، ويصبح الولاء للرئيس معياراً أعلى من الأعراف المهنية والخبرة الدبلوماسية.
الاختلاف بين ردود الأفعال الأوروبية والعربية، بما فيها المواقف العربية المحدودة، يسلط الضوء على حدود ما يُسمح به للسفراء الأميركيين في تمثيل مصالح بلادهم دون تجاوز الأعراف الدولية، ويكشف ازدواجية واضحة في التعامل بين الحلفاء الاستراتيجيين والدول الأخرى في احترام السيادة الوطنية، كما يبرز هشاشة الموقف العربي في مواجهة خطاب توسعي صهيوني–أميركي واضح.
الكاتب : د. محمد جبريني
في السنوات الأخيرة، أصبح اسم إبراهيم حاضرًا ليس فقط في النصوص الدينية، بل في صلب الخطاب السياسي الدولي. فقد تحوّل النبي الأب لكل الأديان التوحيدية إلى رمز تُستند إليه اتفاقيات تُعلن في واشنطن وتحمل اسم “اتفاقيات إبراهيم”، في محاولة لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية بين إسرائيل وبعض الدول العربية.
غير أن استدعاء إبراهيم سياسيًا يقتضي أولًا فهم مفهوم “العهد” ذاته، بوصفه حجر الزاوية في السردية الإبراهيمية.
ما هو العهد؟
العهد في السياق الديني ليس مجرد وعد عابر، بل هو رابطة ملزِمة بين طرفين، تقوم على الالتزام والمسؤولية. في التراث التوحيدي، العهد هو علاقة بين الله والإنسان، تتضمن وعدًا إلهيًا مشروطًا باستقامة البشر وعدالتهم. فهو ليس تفويضًا مطلقًا، ولا امتيازًا أبديًا خارج شروط الأخلاق.
في اللغة الدينية، يحمل العهد معاني: الالتزام، الأمانة، المسؤولية، والشرط المتبادل. ومن هنا تنشأ الإشكالية: هل العهد امتياز وراثي ثابت؟ أم هو تكليف أخلاقي مشروط بالسلوك والعدل؟
العهد في الأديان الثلاثة
تاريخيًا، كان العهد الإبراهيمي مختلفًا في معانيه باختلاف الأديان:
في اليهودية، يُرتبط العهد بالنسل والأرض، ويُفهم بوصفه وعدًا إلهيًا بإعطاء الأرض لذرية إبراهيم من نسل إسحق ويعقوب. في بعض القراءات الدينية–القومية، يتحول هذا الوعد إلى أساس لشرعية سياسية معاصرة.
في المسيحية، يتحوّل العهد من رابطة دم إلى رابطة إيمان. إبراهيم يُصبح “أبًا للمؤمنين”، ويغدو العهد علاقة روحية تتجاوز الانتماء العرقي. وهنا ينتقل المفهوم من الجغرافيا إلى الإيمان، ومن الأرض إلى الخلاص.
في الإسلام، العهد ليس وراثة بيولوجية، بل مسؤولية أخلاقية. فالعهد مشروط بعدم الظلم، ولا يناله الظالمون. وهو تكليف مرتبط بالعدل والتوحيد، لا بالانتساب القَبَلي. وبالتالي، يصبح معيار الاستحقاق هو الاستقامة لا السلالة.
هذا التباين في الفهم يعكس اختلافًا عميقًا بين قراءة ترى العهد ملكية، وقراءة تراه أمانة.
من العهد الديني إلى “العهد” السياسي
عندما يُعاد توظيف مفهوم العهد في السياسة المعاصرة، تتبدل طبيعته. فـ“اتفاقيات إبراهيم” ليست عهدًا دينيًا بالمعنى الروحي، بل اتفاقيات سياسية وأمنية واقتصادية بين دول. لكنها تستعير الاسم الديني لتمنح نفسها مشروعية رمزية، ولتوحي بأن السلام امتداد طبيعي للأخوة الإبراهيمية.
غير أن هذا الاستخدام يثير سؤالًا جوهريًا: هل يمكن استحضار الرمز الديني دون استحضار شروطه الأخلاقية؟ فإذا كان العهد في جوهره التزامًا بالعدل، فكيف يُستدعى اسمه في سياق لا يعالج جذور الظلم التاريخي في فلسطين؟
هنا يظهر التوتر بين المعنى الأصلي للعهد، بوصفه مسؤولية أخلاقية، وبين توظيفه السياسي بوصفه أداة تطبيع وتحالف استراتيجي.
التناقض البنيوي
يتجلى التناقض حين نقارن الخطاب الإبراهيمي الرمزي، القائم على التعايش، مع سياسات الأمر الواقع على الأرض: توسع استيطاني، إعادة تعريف للحدود، وسعي بعض التيارات إلى تكريس مفهوم “إسرائيل الكبرى”.
فإذا كان العهد في جوهره التزامًا أخلاقيًا، فإن تحويله إلى غطاء لمشاريع توسعية يُفرغه من مضمونه الروحي. بل يجعل من الرمز الديني أداة سياسية تخدم موازين القوة، لا معايير العدالة.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل نحن أمام “عهد سلام”، أم أمام “إعادة صياغة للمصالح” تحت عباءة إبراهيم؟
استعادة المعنى
ربما تكمن الحاجة اليوم في إعادة العهد إلى معناه الأصلي:
العهد ليس ملكية أرض بلا شرط،
ولا تفويضًا مفتوحًا خارج المحاسبة،
ولا عنوانًا دبلوماسيًا يُستخدم لتجميل اختلالات القوة.
العهد – في جوهره – مسؤولية أخلاقية تقوم على العدل، والعدل وحده هو ما يمنح أي اتفاق سياسي شرعيته واستمراره.
يبقى السؤال: هل ستنجح السياسة في استلهام البعد الأخلاقي للعهد، أم ستظل تستخدم اسمه بينما تتجاهل جوهره؟
الإجابة على هذا السؤال لا تحدد فقط مصير “الإبراهيمية السياسية”، بل تحدد أيضًا ما إذا كان إبراهيم سيظل رمزًا جامعًا للضمير الإنساني، أم سيتحول إلى شعار في صراع لم يُحسم بعد.
*المصادر محفوظة.
الكاتب: جمال زقوت
ليست أخطر ما يواجه الشعب الفلسطيني اليوم شراسة العدوان وحدها، بل تآكل القدرة الوطنية على تنظيم الصمود وتحويله إلى مشروع نهوض. نحن أمام لحظة يختل فيها ميزان القوة وميزان المعنى معاً: حين يصبح المتهم بجرائم إبادة شريكاً في تحديد مصير ضحاياه، وحين تتحول «المساعدات» إلى أدوات ضبط سياسي لا إلى مدخل لاستعادة الكرامة والسيادة.
في الضفة الغربية يتسارع ابتلاع الأرض، وتتكرس وقائع دولة المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال، فيما يتنازع صانع القرار في تل أبيب بين خيارين: تفكيك السلطة دفعة واحدة، أو إبقاؤها ضعيفة مستنزفة تؤدي وظائفها الأمنية والإدارية ريثما يُستكمل تفكيك القضية الوطنية على مهل. في كلا الخيارين، لا مكان لسلطة ذات مضمون وطني سيادي، بل لوظيفة مؤقتة في نظام دائم من الاعتمادية.
أما في غزة، فالمفارقة الأخلاقية أكثر فجاجة: إسرائيل، المتهمة بجرائم إبادة أمام محاكم دولية، تجلس عملياً في مقعد تحديد مسار القطاع ومصيره. تُمسِك بالمعابر، وتتحكم بالإغاثة، وتقرر إيقاع الإعمار، فيما يُطلب من الفلسطينيين أن يقبلوا بإدارة تحت سقف التحكم الإسرائيلي المباشر أو غير المباشر.
هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«فتات الترتيبات الإدارية» الذي تقدمه واشنطن للسلطة. الحديث لا يدور عن تمكين سياسي حقيقي، ولا عن سيطرة على المعابر، ولا عن قرار مستقل في الإعمار أو الأمن، بل عن أدوار تنسيقية محدودة تُستعاد عبر قنوات «مكتب ارتباط ملادينوف»، وهي مجرد واجهة إدارية بلا سيادة، ودور رمزي يُمنح للقول إن «السلطة موجودة»، فيما يبقى القرار الفعلي في يد الاحتلال.
هذا ليس حلاً انتقالياً، بل إعادة إنتاج لوظيفة وسيطة بين الاحتلال والمجتمع الدولي، تُدار تحت عنوان «الاستقرار»، بينما يُفرغ الاستقرار من شرطه الأخلاقي: العدالة.
الأكثر خطورة أن هذا المشهد يترافق مع صمت عربي وإسلامي يقترب من حدود التواطؤ السلبي. لا أحد يعلن صراحة قبول إسرائيل في مقعد تقرير مصير غزة، لكن أحداً لا يضع ثقله السياسي لمنع ذلك. الحسابات الإقليمية، وموازين التحالفات، والخشية من الاصطدام بواشنطن، تجعل كثيراً من العواصم تكتفي بإسناد إنساني محدود لا يمس جوهر المعادلة السياسية.
ومع مضي أربعة أشهر على وقف إطلاق النار، لم يتوقف القتل بالجملة، ولم يدخل إلى غزة ما يليق بكرامة بشر خرجوا من الابادة الجماعية ومن تحت الركام. لا إغاثة كافية، ولا بيت متنقل واحد يعيد الحد الأدنى من الاستقرار. كأن العقاب الجماعي يستمر بأدوات أخرى، وكأن إعادة الإعمار تُستخدم ورقة ابتزاز سياسي لا حقاً إنسانياً أصيلاً.
الأزمة الأعمق: بيع الوهم بدل بناء القوة
في هذا السياق، تواصل القيادة المتنفذة الرهان على تغيُّرات دولية وإقليمية لم تحرك ساكناً أمام قرصنة الأموال، ولا أمام تسارع الاستيطان، ولا أمام إعادة هندسة غزة تحت الوصاية. يُعاد إنتاج خطاب الانتظار، وكأن التحولات الخارجية ستنجز ما عجزنا عن بنائه داخلياً.
لكن الرهان على الخارج، في ظل اختلال ميزان القوى، ليس استراتيجية، بل عادة سياسية. والأسوأ حين يترافق ذلك مع سياسة إقصاء لقوى المجتمع الحية في لحظة تحتاج أعلى درجات الشراكة الوطنية.
الأزمة ليست فقط في ضياع الأرض، بل في تفكك التمثيل. حين يُختزل القرار الوطني في دائرة ضيقة، يفقد النظام السياسي قدرته على الصمود، ويصبح أكثر قابلية للضغط والاحتواء. فالسؤال لم يعد من يحكم غزة؟ بل كيف نصون بقاء شعب ونمنع تصفية قضيته؟
نحو دستور فعلي للصمود
المطلوب اليوم ليس بياناً إضافياً، ولا تسوية تقنية، بل ميثاق أخلاقي سياسي يعيد تعريف الأولويات على قاعدة الكرامة لا الوظيفة، وفقًا للأولويات التالية:
أولاً: أولوية الكرامة على الدور الشكلي
أي قبول بدور إداري منزوع السيادة في غزة، تحت سقف التحكم الإسرائيلي، هو تكريس لتجزئة الوطن لا مدخل لتوحيده، كما أنه لا معني لهذا الدور ما لم يحقق الإغاثة والإعمار وانقاذ حياة البشر .
ثانياً: إعادة بناء التمثيل على قاعدة الشراكة
لا يمكن مواجهة مشروع إحلالي بعقلية احتكار القرار. المطلوب إطار وطني جامع، ولو انتقالي، يضم القوى السياسية والمجتمعية، ويستند إلى برنامج حد أدنى: فك الحصار، حماية الأرض، إدارة شفافة للإعمار، والتحضير لتجديد الشرعية عبر الانتخابات الشاملة.
ثالثاً: تحويل الصمود من رد فعل إلى سياسة
الصمود ليس انتظاراً بطولياً تحت النار، بل تنظيم المجتمع، ودعم القرى المهددة، وتعزيز الاقتصاد المحلي، وبناء شبكات تكافل مستقلة عن مزاج المانحين.
رابعاً: فصل الإغاثة عن الابتزاز
إعادة إعمار غزة حق غير قابل للمساومة، ويجب أن تُدار بآلية وطنية مهنية شفافة تمنع تحويل المعاناة إلى أداة ضغط.
خامساً: نقل مركز الثقل إلى الداخل
ميزان القوة يبدأ من المجتمع: النقابات، الجامعات، القوى الاقتصادية الوطنية، الشتات، والحركات الشعبية. حين تتحول هذه الكتلة إلى قوة ضغط منظمة، يمكن فرض إعادة بناء البيت السياسي.
سادساً : المقاومة الشعبية
إطلاق يد الشعب في الدفاع عن نفسه وحقه في البقاء. هذه ليس مجرد جملة تقال بل استراتيجية عمل تعيد بناء الحالة الفلسطينية انطلاقاً من وظيفتها الجوهرية، وهي تمكين قدرة الناس على الصمود .
الأمل في التجربة الفلسطينية ليس انفعالاً عابراً ولا خطاباً تعبوياً، بل قدرة شعب على استعادة زمام المبادرة حين تضيق الخيارات. فالأمم لا تنقذها التمنيات، وإنما وعيها بذاتها، وثقتها بقوتها الكامنة، وقدرتها على إعادة ترتيب بيتها الداخلي كلما اشتدت العواصف.
صحيح أن إسرائيل تراهن على تفكك بنيتنا الوطنية، وأن بعض العالم يراهن على إنهاك إرادتنا حتى التعب، لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تدرك معنى وحدتها وفق قراءة ثورية عقلانية لا تُستنزف، بل تتجدد. والخطر الحقيقي ليس في ضغوط الخارج وحدها، بل في أن نقبل نحن بإعادة تعريف العجز باعتباره «واقعية»، أو أن نستبدل مشروع التحرر بإدارة دائمة للاعتمادية.
إن السعي إلى دستور فعلي للصمود لا يعني إضافة وثيقة إلى الأرشيف، بل استعادة السياسة إلى معناها الملموس،تعبيراً حراً عن الإرادة الجمعية، لا وظيفة ملحقة بشروط الآخرين. ويعني إعادة بناء التمثيل الوطني على قاعدة الشراكة والشرعية والكرامة، بحيث يصبح القرار الوطني ثمرة ثقة متبادلة بين القيادة والشعب، لا انعكاساً لموازين ضغط خارجية.
نحن أمام مفترق تاريخي، لكنه ليس قدراً مغلقاً.
إما أن نعيد تأسيس بيتنا السياسي بروح مراجعة وطنية مسؤولة تنطلق من الثقة بالشعب وجدارته،
وإما أن نترك فراغنا يُملأ بخرائط الآخرين التي لا تعترف بحقنا في الحرية والعودة وتقرير المصير والسيادة.
الكاتب : د. مجدي جميل شقوره
ترددتُ كثيراً قبل كتابة هذه الرسالة، لحساسية الموقف ودقته، ولأن الكلمات في زمن الجراح قد تُساء قراءتها أو توظيفها. لكنني، بعد تفكير عميق بمصلحة شعبنا، وبعد أن غلّبت صوت الضمير على تردد اللحظة، قررت أن أكتب. فالصمت حين يشتد الخطر لا يكون دائماً حكمة، وأحياناً يصبح الكلام مسؤولية.
في خضمّ الغبار الذي تخلّفه الحروب، تضيع أحياناً الحقيقة الأبسط: أن الإنسان هو الغاية الأولى لأي نضال، وهو معيار نجاحه أو فشله. اليوم، في لحظة فارقة من تاريخ غزة، لم يعد السؤال: من ربح الجولة؟ بل أصبح السؤال الأشدّ إلحاحاً: كيف نبقى؟
غزة لم تعد مجرد ساحة مواجهة عسكرية، بل تحوّلت إلى ملف مفتوح على طاولة الحسابات الدولية. تُعقد اجتماعات باسم “السلام”، وتُرسم تصورات لمستقبل المنطقة، بينما الفلسطيني في القطاع يواجه الجوع والخوف والخراب. القوى الفاعلة تتحرك وفق مصالحها، والأصوات المتعاطفة تخفت تدريجياً. وفي هذا المناخ، يصبح الغياب عن التأثير خسارة مضافة إلى الخسارة الميدانية.
لم تعد المشكلة في توصيف ما جرى، فالتوصيف لا ينقذ طفلاً ولا يعيد بيتاً مهدّماً. المعضلة الحقيقية تكمن في رسم طريق الخروج. والمدخل الواقعي المطروح اليوم، مهما كانت مرارته، يتعلق بمصير السلاح. الخياران واضحان: إخلاؤه ضمن ترتيبات سياسية تقي الناس مزيداً من الدمار، أو تركه يُنتزع في سياق حرب استنزاف طويلة. الفارق بين المسارين هو الفارق بين قرار يُتخذ بوعي، وقرار يُفرض تحت الضغط.
السؤال الذي لا يحتاج إلى جواب: هل ما زالت هناك حاجة إلى السلاح؟ الاحتلال واقع قائم، ومع ذلك لم تعد هناك مقاومة عنيفة قادرة على تغيير معادلته أو ردعه بالصيغة التي كانت مطروحة. بعد الانهيارات التي أعقبت السابع من أكتوبر، تبيّن أن الرهان على السلاح لم يُنتج تحوّلاً سياسياً يوازي كلفته البشرية والاجتماعية. حين تصبح كلفة الأداة أعلى من قدرتها على التأثير، يصبح من الواجب إعادة النظر فيها لا بدافع الضعف، بل بدافع المسؤولية. فالحكمة ليست في التمسك بالوسائل لمجرد رمزيتها، بل في تقييم جدواها بميزان المصلحة العامة. إن إنقاذ ما تبقّى من الإنسان والأرض قد يتطلب شجاعة التخلي عن أدوات استُنزفت قدرتها، والبحث عن مسارات أخرى تحفظ الوجود قبل أن تدافع عن الشعار.
الناس في غزة ما زالوا يتنفسون، رغم الألم والجوع والفقد. وهذه الحقيقة وحدها تستحق أن تكون بوصلة القرار. البقاء على الأرض لم يعد يُصان بالشعارات، بل بحسابات دقيقة تُقدَّم فيها حياة البشر على أي اعتبار آخر. الرهان ليس على تسجيل نقاط خطابية، بل على منع انهيار اجتماعي وأمني قد يفتح الباب أمام فوضى داخلية لا تقل خطورة عن العدوان نفسه.
من هنا، تبرز الحاجة إلى مبادرة وطنية عاجلة، تجمع أطراف الطيف السياسي للبحث عن مخرج بأقل الخسائر. حتى لو لم تنتج هذه المبادرة حلولاً مثالية، فإنها قد توفر غطاءً سياسياً ضرورياً لقرارات صعبة، وتحول دون انزلاق المجتمع إلى صراعات داخلية أو فراغ أمني تتسلل إليه قوى هامشية. فالفراغ، إن لم يُملأ برؤية مسؤولة، يملؤه التفكك.
الحقيقة المؤلمة أن أحداً لا يشاركنا كل تفاصيل محنتنا. قد تتقاطع مصالح الآخرين مع بعض جوانب قضيتنا، لكن في تفاصيل الألم اليومي، نحن وحدنا. وهذا الإدراك لا يعني الاستسلام، بل يعني تحمّل مسؤولية القرار بعيداً عن أوهام التحولات الخارجية.
التحدي المطروح وجودي بامتياز. بقاء الناس هو الضامن لبقاء القضية، لا العكس. حين يبقى الإنسان على أرضه، تبقى الذاكرة والحق والمطالبة به. أما إذا انهار الوجود الإنساني، فإن الشعارات تفقد معناها.
المسؤولية في هذه اللحظة تاريخية. المطلوب ليس فقط شجاعة المواجهة، بل شجاعة المراجعة واتخاذ القرار الصعب قبل أن يفرضه الواقع. فإما أن يُصنع المخرج بإرادة واعية تحفظ ما يمكن حفظه، أو يُترك الزمن ليستكمل فصول الكارثة.
البقاء اليوم ليس خياراً مريحاً، لكنه الخيار الوحيد .
الكاتب : مصطفى إبراهيم
ليس السؤال ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيضغط على الزناد، بل ماذا يريد أن يحقّق قبل أن يفعل. فالحشود العسكرية في الخليج، وحاملات الطائرات التي تتقدّمها “يو إس إس أبراهام لينكولن” و“يو إس إس جيرالد فورد”، ليست مجرد استعراض قوة، بل رسالة سياسية مركّبة عنوانها: إعادة تعريف قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط، وإجبار إيران على التفاوض من موقع أضعف.
ترامب لا يتحرك في فراغ. هو يدرك أن حرباً شاملة مع إيران مقامرة مكلفة وغير مضمونة النتائج، وقد تنقلب عليه داخلياً. لذلك يبدو أنه يبحث عن معادلة أكثر دقة: ضربة محدودة، محسوبة، عالية التأثير، تُضعف قدرة الردع الإيرانية من دون أن تفتح أبواب جحيم إقليمي شامل. إعادة ضبط ميزان القوى، لا إسقاط الطاولة.
منذ انسحابه من الاتفاق النووي في ولايته الأولى، بنى ترامب مقاربته على “الضغط الأقصى”. اليوم يعيد إنتاجها بصيغة عسكرية. يمنح مهلة، يتحدث عن الدبلوماسية، لكنه يلوّح بالقوة في الخلفية. يريد اتفاقاً يتجاوز النووي، ليشمل الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني، وهو ما ترفضه طهران التي تصر على حصر التفاوض في الملف النووي.
التسريبات التي نشرها موقع اكسيرس حول خطط قد تطال حتى المرشد الإيراني علي خامنئي ليست تهديداً عابراً، بل جزء من لعبة ضغط نفسي وسياسي: إيصال رسالة بأن كل الخيارات مطروحة، حتى تلك التي تعني عملياً الانتقال إلى مرحلة تغيير النظام.
لكن هل يريد ترامب فعلاً إسقاط النظام الإيراني؟ هنا تتعقّد الصورة.
الإطاحة بالنظام مغامرة كبرى بلا ضمانات. وزير الخارجية ماركو روبيو أقرّ بصعوبة التنبؤ بما سيحدث إذا سقطت القيادة الإيرانية. والتجربة العراقية لا تزال ماثلة في الذاكرة الأميركية: إسقاط سريع، وفوضى طويلة. لذلك يبدو أن الخيار الأكثر واقعية هو استهداف أدوات القوة لا رأس النظام: ضرب بنية الحرس الثوري الإيراني، شلّ القدرات الصاروخية، وإضعاف شبكات النفوذ الإقليمي. إنها حرب لإجبار ايران على إعادة حساباتها، لا لإسقاطها — على الأقل في الحسابات المعلنة.
غير أن قراءة اللحظة الراهنة تقتضي مقارنة ضرورية مع السابع من أكتوبر. آنذاك كانت إسرائيل في حالة صدمة، وكان محور المقاومة في موقع قوة نسبية، ما دفع إدارة جو بايدن إلى حشد قواتها لردع أي تدخل إيراني مباشر. طهران اختارت عدم الانخراط، عبر رسائل غير مباشرة أكدت التزامها بقواعد الاشتباك. ذلك القرار يُنظر إليه اليوم، في بعض التقديرات، كسوء تقدير استراتيجي كلّفها أثماناً متراكمة. أما اليوم، فتبدو إيران ومحورها في موقع أضعف نسبياً، ما قد يدفع واشنطن وتل أبيب إلى اعتبار اللحظة فرصة لإعادة رسم المعادلة الإقليمية.
لا يمكن فصل التهديد العسكري عن السياق السياسي الأميركي. ترامب يقدّم نفسه بوصفه الرئيس الذي “يعيد الردع” ويحقق السلام بالقوة. بعد وقف إطلاق النار في غزة، يسعى إلى تثبيت مقاربة أميركية–إسرائيلية مشتركة لإعادة تشكيل الإقليم. ضربة لإيران، حتى لو كانت محدودة، يمكن تسويقها داخلياً كدليل على الحزم والقدرة على فرض الشروط.
لكن المعارضة الديمقراطية تحذّر من الانجرار إلى مستنقع جديد من دون تفويض واضح من الكونغرس. وأي تصعيد خارج السيطرة قد يتحول إلى عبء سياسي ثقيل.
المعضلة أن “الضربة المحدودة” تفترض أن الطرف الآخر سيقبل بالقواعد الجديدة. إيران توعدت بالرد، ولديها أوراق إقليمية متعددة. القواعد الأميركية في الخليج أهداف محتملة، ومضيق هرمز شريان حيوي للطاقة العالمية. أي اشتباك واسع قد يتحول إلى تصعيد متدحرج يصعب احتواؤه. كما حذّر ريتشارد هاس، لا أحد يستطيع الجزم بأن المواجهة ستُضعف النظام الإيراني؛ فقد تعيد توحيد الداخل حوله.
في المحصلة، يريد ترامب ثلاثة أمور متداخلة: اتفاقاً أوسع من النووي يعيد صياغة الدور الإيراني، استعادة صورة الردع الأميركي بعد سنوات من التآكل من وجهة نطره، وإنجازاً سياسياً داخلياً يثبت أنه قادر على فرض شروطه بالقوة إذا لزم الأمر.
فالشرق الأوسط لا يعاقب فقط من يبدأ الحروب، بل من يعتقد أنه يستطيع التحكم في نهاياتها. فالضربة قد تبدو سهلة في بدايتها، لكنها تنطوي على تداعيات تتجاوز الحسابات الأميركية، وقد تمتد إلى اكثر من منطقة كلبنان والخليج. أي مغامرة عسكرية، حتى لو كانت محدودة، تحمل مخاطرة لا يمكن التنبؤ بها، وتعيد التأكيد أن التاريخ في هذه المنطقة لا يكافئ القوة وحدها، بل يختبر قدرة من يقرر إشعال النار على توقعاتهم في نهاية المشهد.
الكاتب : د . بسام سعيد
في سياق الانهيار الشامل للبنية التحتية في قطاع غزة، برزت ظاهرة اجتماعية يمكن توصيفها بـ"ثقافة الطوابير" بوصفها شكلاً مستجداً من أشكال تنظيم المجال العام وإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية في ظل الحرب والندرة. لقد تحولت الطوابير إلى بنية اجتماعية قائمة بذاتها، تُعاد داخلها صياغة أنماط التفاعل، وتُنتج فيها معانٍ جديدة للحضور الجمعي، والانتماء، والبقاء. لقد أصبحت الشوارع والساحات ومحيط المؤسسات الإغاثية وما تبقي من شركات الاتصالات والبنوك فضاءات مكثفة للحياة الاجتماعية، في مدينة تتآكل بنيتها المادية لكنها تستمر عبر اجتماع أهلها.
الطابور أمام التكايا، ومراكز توزيع المساعدات، وما يُعرف بالكابونات الغذائية، ونقاط توزيع الطحين والدقيق، لم يعد مشهداً استثنائياً بل تحول إلى روتين يومي ينظم إيقاع الحياة. وكذلك الحال في طوابير انتظار المياه، حيث يقف الناس بالساعات لملء عبواتهم، وفي طوابير قضاء الحاجة في مراكز الإيواء المكتظة، حيث يتحول أبسط فعل إنساني إلى ممارسة جماعية مؤطرة بالانتظار. حتى أمام البنوك، كان بعض المواطنين يقفون منذ ساعات الفجر الأولى على أمل الوصول إلى موظف البنك لحل مشكلة إدارية وليس للسحب أو الصرف نظرا لعدم توافر سيولة نقدية ، في مشهد يعكس تحوّل الزمن اليومي إلى زمن انتظار طويل ومفتوح.
ضمن هذا السياق، لم يعد الطابور مجرد خط مستقيم من الأجساد المنتظرة، بل غدا فضاءً تفاعلياً تتشكل داخله علاقات مؤقتة لكنها كثيفة الدلالة. في ظل انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت ورداءة وسائل التواصل الاجتماعي، وغياب الراديو والتلفزيون، أصبح الطابور وسيلة إعلامية بديلة. كان الناس يتبادلون الأخبار حول أسعار السلع وارتفاعها، ويتناقلون الشائعات والتكهنات بشأن هدنة محتملة، أو تحذيرات من مناطق يُتوقع استهدافها، أو معلومات عن موجات نزوح جديدة. أو قرب فتح المعبر ، هذه الأحاديث، مهما بدت عفوية، كانت تمنح الأفراد قدراً من الإحساس بالأمان المعرفي؛ فالمعلومة المتداولة شفهياً تُخفف من وطأة الغموض، وتمنح شعوراً بالمشاركة في فهم ما يجري.
كما كان الطابور مساحة لتفريغ الشحنات النفسية المتراكمة. يتشارك الغرباء قصص فقدانهم، وحديثهم عن البيوت المهدمة، وعن أقارب نزحوا أو فُقدوا، وعن صعوبة الحياة في الخيام أو البيوت المكتظة. هذا التشارك أنتج ما يمكن تسميته بـ"الألفة القسرية"، حيث تنشأ روابط مؤقتة بين أشخاص جمعهم الانتظار والمصير المشترك. وفي الوقت ذاته، نشأ داخل الطوابير نظام عفوي لإدارة الدور، تُحترم فيه أسبقية الحضور، ويبرز فيه أفراد يتولون تنظيم الصف أو فض العراك و النزاعات إن حدث ، في تجسيد لرغبة جماعية بالحفاظ على حد أدنى من النظام وسط انهيار الأطر المؤسسية.
غير أن ثقافة الطوابير أفرزت أيضاً أنماطاً اقتصادية جديدة تعكس منطق الندرة. فقد ظهر بين بعض الشباب من يقف في الطابور منذ وقت مبكر ليحجز دوراً متقدماً، ثم يبيعه مقابل مبلغ من المال، محولاً "المكان في الصف" إلى سلعة قابلة للتداول. بذلك أصبح الانتظار نفسه مورداً اقتصادياً، وأصبح الزمن المبذول في الطابور شكلاً من أشكال رأس المال الصغير في اقتصاد الحرب.
أما الطوابير أمام ماتبقى من شركات الاتصالات ونقاط شحن البطاريات وبيع بطاقات رصيد الهواتف ، فقد جسدت شكلاً آخر من أشكال التمسك بالحياة، يتمثل في السعي إلى البقاء على اتصال بالعالم الخارجي. كان البحث عن إشارة أو شحن هاتف لا يعني مجرد استخدام جهاز تقني، بل يعني الحفاظ على خيط رفيع يربط الفرد بأقاربه وأخباره ومحيطه. هناك، كما في بقية الطوابير، كان الناس يتبادلون الأخبار والتحليلات، ويتناقشون في احتمالات التهدئة أو استمرار القتال، ويتداولون معلومات حول أماكن توفر السلع أو المياه، او تبادل اسماء الجمعيات التى تقدم أكواد المساعدات في مشهد يعكس تشكّل فضاء عام بديل قائم على التواصل الشفهي المباشر.
إن طوابير الماء، والمساعدات، والتكايا ، والدقيق، والبنوك، وقضاء الحاجة، والاتصالات، تمثل مجتمعة بنية اجتماعية متكاملة أعادت تشكيل المجال العام في غزة. لقد أُعيد تعريف المدينة لا عبر مؤسساتها الرسمية، بل عبر اصطفاف سكانها في خطوط انتظار طويلة. في هذه الخطوط، تتراجع الفوارق الاجتماعية السابقة أمام معيار واحد هو الاحتياج، ويقف الجميع في المسافة ذاتها استاذ جامعى ، طبيب ، سائق ، عامل ، طلباً للبقاء. وهكذا، لم يعد الانتظار فعلاً سلبياً، بل تحول إلى ممارسة اجتماعية منتجة للمعنى، تُبقي على الحد الأدنى من التضامن، والمشاركة الوجدانية ، او كما يقال" الموت مع الجماعة رحمه " في سماء لاتفارقها أصوات المسيرات تمنح الأفراد شعوراً بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الخوف والجوع.
إن دراسة ثقافة سوسيولوجيا الطوابير في غزة تكشف أن المجتمع، حتى في أقصى حالات الهشاشة، يعيد إنتاج ذاته عبر أبسط الممارسات اليومية. فالضجيج المتولد من أحاديث المنتظرين، وتبادلهم للأخبار، وتنظيمهم لأدوارهم، ليس مجرد تفصيل عابر، بل هو دليل على استمرار الحياة الاجتماعية . لقد تحولت الطوابير إلى شكل بديل من أشكال المجال العام الذي يحفظ للناس حضورهم الجمعي في لحظة تهديد وجودي شامل.
* أكاديمي وباحث
الكاتب : مصطفى إبراهيم
لم يكن الاجتماع الأول لما سُمّي بـ“مجلس السلام” في واشنطن مناسبة اقتصادية عابرة، بل إعلاناً سياسياً صريحاً لإعادة تعريف القضية الفلسطينية. لم تعد تُطرح كقضية تحرر وطني تتعلق بإنهاء الاحتلال واستعادة السيادة، بل كملف إدارة وتنمية قابل للتمويل. في قاعة واحدة، تصدّرت المليارات المشهد، وعُرضت خرائط لممرات إقليمية ومشاريع تكنولوجية، فيما غاب السؤال الجوهري الذي يقوم عليه الصراع: من يُنهي الاحتلال؟ ومن يعترف للفلسطينيين بحقهم في السيادة؟
بدا المشهد أقرب إلى عملية استبدال منه إلى تسوية: استبدال السياسة بالإدارة، والحرية بالاستثمار، والعدالة بلغة العوائد والتمويل. تتحول غزة من عنوان مواجهة سياسية مفتوحة إلى مساحة يُبحث لها عن “حوكمة فعّالة”. هكذا يُختزل الصراع في أرقام، وتُختصر الحقوق في شرائح عرض.
اللافت لم يكن فقط الأسلوب الاستعراضي للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل المقاربة التي قادها فريقه، وعلى رأسه جيرالد كوشنير إدارة الملف جرت بعقلية شركة ناشئة تبحث عن مستثمرين، تُعدّ عروضاً جذابة وتَعِد بعوائد، فيما تُستخدم قوة واشنطن السياسية لجذب التمويل والالتزام. غير أن المال لا يشتري السيادة، ولا يُسقط نظام احتلال، ولا يمنح شعباً حقه في تقرير مصيره. يمكنه أن يبني طرقاً ومرافئ، لكنه لا يبني شرعية.
بدا ترامب في مزاج المنتصر. فبعد أشهر من الغموض، قدّم المجلس نتائج أولية، حتى لو كان بعضها مجرد شرائح عرض براقة. ظهر مزيج واضح: عقلية “الصفقة الكبرى” مع ضغط سياسي مكثف لتأمين التمويل. لكن ما عُرض كإنجاز اقتصادي بدا في جوهره التفافاً سياسياً.
المفارقة الأشد فجاجة أن من يملك قرار الحرب على الأرض حاضر في المجلس، بينما غابت الضحية وغاب ممثلها الشرعي. حَضَر من يتحدث عن “إدارة غزة”، وغاب من يتحدث عن حقها. اختُزل التمثيل الفلسطيني في قنوات بيروقراطية هامشية، وكأن القضية نزاع إداري يحتاج إلى لجنة تنفيذ، لا شعباً يطالب بحريته.
وهنا تتجلى الحقيقة: الأولوية ليست لمن يملك الحق، بل لمن يملك المال والنفوذ. يُعاد تعريف المشكلة باعتبارها أزمة تمويل، لا أزمة احتلال. يُقدَّم “اليوم التالي” بوصفه خطة إعادة إعمار، لا استحقاقاً سياسياً ينهي جذور الصراع.
لكن الإشكالية لا تقف عند حدود هذا المجلس. غالبية الدول تناقش مستقبل غزة كما لو أنها مساحة فراغ تنتظر من يديرها. تُطرح تصورات عن ترتيبات أمنية، قوة متعددة الجنسيات، إدارة انتقالية، إعادة إعمار مشروطة. كل ذلك يُقدَّم بديلاً عن السؤال الذي يُراد تجنبه: متى ينتهي الاحتلال؟ وكيف يُمكَّن الفلسطينيون من اختيار نظامهم السياسي بحرية؟
إن استبعاد الفلسطيني عن تقرير مصيره ليس تفصيلاً عابراً، بل سياسة لإنتاج “استقرار” منخفض السقف؛ استقرار يرضي الحسابات الأمنية لدولة الاحتلال، ويمنع الانفجار الإقليمي، ويُبقي الأزمة تحت السيطرة. استقرار بلا عدالة، وبلا أفق سياسي.
الأخطر أن يُفصل مستقبل غزة عن سياق القضية الفلسطينية بأكملها. فالمسألة ليست إدارة قطاع محاصر، بل مستقبل شعب يسعى إلى الحرية. اختزال النقاش في حدود غزة يعيد إنتاج الانقسام، ويحوّل “اليوم التالي” إلى أداة لإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني بما يتناسب مع حسابات إقليمية ودولية، لا مع الإرادة الوطنية.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بلا مواربة: من يملك حق تقرير مستقبل غزة؟ القوى التي أخفقت في وقف الحرب؟ أم تلك التي وفرت الغطاء السياسي لاستمرارها؟ أم أن الحق، ببساطة، لأبناء غزة أنفسهم ضمن إطار وطني جامع لا يخضع للوصاية؟
أي مسار يتجاوز مبدأين واضحين، إنهاء الاحتلال بكل أشكاله، واحترام حق الشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه، لن يكون أكثر من إدارة مؤقتة لأزمة عميقة. قد تنجح مثل هذه المبادرات في شراء وقت، لكنها لن تشتري شرعية، ولن تؤسس لاستقرار دائم.
غزة ليست مشروعاً استثمارياً، ولا بنداً على جدول أعمال مجلس. إنها جزء من شعب لم يتخلَّ عن حقه في الحرية. وأي “يوم تالٍ” يُبنى على تجاهل هذه الحقيقة لن يكون إلا استمراراً للأزمة، بصيغة أكثر أناقة، وأقل صدقاً.
الكاتب : د. مجدي جميل شقوره
تشير التطورات الأخيرة إلى سيناريو محتمل يعيد رسم خريطة الكينونة الفلسطينية على نحو جذري. وفق هذا السيناريو، قد يصبح قطاع غزة الجسم الرسمي للكينونة الفلسطينية، في حين تواجه السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية تحديات وجودية قد تصل إلى حد الإجهاض الفعلي لدورها السياسي والإداري.
في الضفة الغربية، من المتوقع أن تُعاد هيكلة المؤسسات الأمنية بشكل يضع جزءاً من القوى الشرطية تحت إشراف البلديات المحلية، ما يعزز دورها في إدارة الحياة اليومية للمواطنين، بينما تظل السلطة المركزية في الضفة ضعيفة ومرتبطة إدارياً بقطاع غزة. هذا التوجه يعني أن الضفة ستكون في وضع هش، مع تراجع نفوذ السلطة الفلسطينية التقليدي وتوزع القوى بين الأطر المحلية والسلطة المركزية.
في الوقت نفسه، تسعى إسرائيل إلى تكريس مشروعها في كضم الأراضي، مستغلة هذا الانقسام الفلسطيني وتراجع الدور الرسمي للسلطة في الضفة الغربية.
يعكس هذا المشروع رؤية استراتيجية تهدف إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض والموارد، مع تغييب السلطة الفلسطينية عن مناطق واسعة، وترك الإدارة المحلية والبلديات تتحمل العبء الإداري والأمني دون قدرة على التأثير السياسي الفعلي.
من زاوية أوسع، يحمل هذا السيناريو انعكاسات إقليمية ودولية مهمة. تعزيز دور غزة على حساب الضفة قد يؤدي إلى إعادة ترتيب الأولويات السياسية والأمنية للفصائل الفلسطينية، فيما تضطر الأطراف الإقليمية والدولية لإعادة تقييم استراتيجياتها تجاه القضية الفلسطينية.
باختصار، تشير القراءة الاستشرافية إلى مرحلة انتقالية قد تعيد تعريف الكينونة الفلسطينية على أسس جديدة، مع تراجع سلطة الضفة وترك الأثر الأكبر لغزة، في ظل مشروع إسرائيلي متواصل لضم الأراضي، وهو ما يعيد رسم المشهد السياسي والجغرافي لفلسطين في السنوات المقبله.
الكاتب : محمد زهدي شاهين
من باب المسؤولية الوطنية والتاريخية نقدم ونرفع هذه التوصية إلى وزارة الحكم المحلي من أجل أن تقوم بتبنيها كمشروع يوصي باعتماد نظام انتخابي جديد يتماشى مع النظام الاجتماعي الفلسطيني وذلك بعد دراسة التوصية والاطلاع عليها بشكل جدي، وكلنا أمل وثقة بأن يتم تبني هذه الرؤية كمشروع يقدم للقيادة السياسية أصحاب القرار، ونأمل بأن يتم اعتمادها وإقرارها بعد تعديلها في حال تطلب ذلك، فنحن نعتقد بأن مضمونها يعد بمثابة وسيلة وطريقة فعالة وناجعة تساهم في تذليل الكثير الكثير من العقبات أمام تشكيل هيئات الحكم المحلي للبلديات والمجالس المحلية والقروية في بيئتنا الفلسطينية من أجل تمكينها من أداء واجبها الخدماتي والسير في طريق التنمية المستدامة في كافة مساراتها، وهذا الأمر بالتأكيد بحاجة إلى انحياز المنتخبين للكفاءات والمفاضلة بين هذه الفئة لا إلى الانحياز إلى إبن العشيرة أو المنطقة والحي كما هو سائد إلى حد كبير في ساحتنا الفلسطينية.
وهنا لا بد لنا من التنويه والتأكيد على أن للعشيرة دوراً اجتماعياً إيجابياً في تعزيز السلم الأهلي بين مكونات مجتمعنا الفلسطيني وفي تعزيز التضامن والتكافل فيما بين أفراد العشيرة، ولكن عندما تتحول العشيرة إلى أداة تنافس سياسي مغلق، فإنها قد تُنتج تعصباً يُفضي إلى صراعات تُضعف النسيج الاجتماعي والوطني. لذلك فإننا إذا أردنا التقدم في هذا المجال لا بد بأن تكون رابطة المواطنة هي الرابطة المتينة، ولا بد لنا من التحرر من عقلية العصبية إلى عقلية المؤسسة، ومن الولاء الضيق إلى الانتماء العام.
وفي هذا الصدد قمنا بعمل مقارنة بين النظم الاجتماعية العربية والنظم الاجتماعية الغربية، فالنظم الاجتماعية العربية تتميز بتركيزها على الجماعة (العائلة، القبيلة، الدين) كمحور أساس ، حيث تسود القيم التقليدية والترابط الأسري القوي، بينما تقوم النظم الغربية على الفردية والحرية الشخصية، مفضلة الاستقلالية والمساواة القانونية. ويركز العرب على الاحترام الهرمي والتقاليد، في حين يعتمد الغرب على العقلانية، الفردية، وفصل الدين عن الدولة. كما ويوجد هناك عدة اختلافات من أبرزها:
الأسرة والعلاقات: فالمجتمعات العربية تعرف بأنها نظام أسري ممتد، و الترابط الأسري فيها شديد، وتلعب الأسرة دوراً حاسماً في اتخاذ القرارات الفردية. والمجتمعات الغربية تسود فيها الأسرة النووية المكونة من (الوالدين والأطفال)، مع تشجيع الاستقلالية الفردية منذ سن مبكرة.
أما من ناحية القيم والتقاليد:
فالمجتمعات العربية ملتزمة إلى حد كبير جدا بالتقاليد، ويشكل الدين جزءاً كبيراً من التنظيم الاجتماعي والقوانين.
أما المجتمعات الغربية: فقيمها مبنية على العلمانية، والمساواة، والحرية الشخصية، مع سيادة القوانين الوضعية.
والكل فينا يقر بأن التحديث قد واجه في المجتمعات العربية تحديات كبيرة، حيث حاول محاكاة الغرب لكنه واجه معارضة من التقاليد المحلية على الرغم من مظاهر التمدن التي نعيشها.
كما ونلاحظ أيضا بأن النظم الغربية تقدم نموذجاً مبنياً على الاستقلالية والتطور التكنولوجي، بينما توفر النظم العربية نظاماً اجتماعياً يوفر دعماً مجتمعياً وقيماً تقليدية متوارثة، ومع ذلك، تواجه المجتمعات العربية تحديات في التوفيق بين التحديث والتقاليد، بينما تواجه الغربية تحديات اجتماعية تتعلق بالفردية المفرطة (الحرية الشخصية المفرطة) .
من خلال هذه المقارنة بين النظم العربية والنظم الغربية نجد من الواضح جدا بأن ما يتم تطبيقه من قوانين وأنظمة في بيئة ونظام اجتماعي معين لا يمكن تطبيقه في أماكن وبيئات ونظم اجتماعية أخرى بسبب هذا الاختلاف في النظام الاجتماعي والثقافي. وعند التمعن من خلال تسليط الضوء على واقعنا نجد أن لسان الحال يقول بأننا ما زلنا نقبع أسرى للعقلية القبلية والعائلية والحزبية الضيقة، على الرغم من كل مظاهر التقدّم الحَضري التي نعيشها. بينما نحن في حقيقة الأمر بأمس الحاجة للعقول المهنية والمهارات القادرة على التخطيط والعمل في هذا المجال.
وبما أننا نتحدث عن الانتخابات المحلية فمن حقنا التساؤل، فهل يا ترى قد رأى أي منا تغيرا على السلوك الانتخابي أو تغييرا في الحركة الانتخابية للناخبين خلال تجاربنا الديمقراطية السابقة؟، ومن عجائب الحال أيضا فإننا نرى بان الجمهور أو الناخب يطالب بالخدمات، ويشكو متذمرا من التراجع، ومع الأسف نجده في كل مرة يساهم في اعادة إنتاج ذات المشكلة. والأدهى والأمر من ذلك كله نجلس منتظرين واملين الحصول على نتائج مختلفة! كما ونشير إلى أمر آخر فيا ترى متى سيدرك البعض بأن البلديات والمجالس المحلية هي مؤسسات خدماتية وليست ساحات للنفوذ أو الصراعات والمقايضات!!
قد يرى البعض بأننا قمنا بتشخيص الحالة وفقا للبيئة المحيطة بنا، ولكن ما يدحض وينفي هذا ويؤكد على أن عملية تشخيص الحالة بأنها عملية دقيقة وواقعية لكون مجتمعنا الفلسطيني بمجمله يعتبر مجتمعاً تقليدياً بامتياز فالظاهرة إذا هي ظاهرة عامة، ومجتمعنا تترسخ فيه البنية العشائرية والعائلية كركيزة أساسية للتنظيم الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي. ويرتكز هذا الهيكل على العائلات الكبيرة (الحامولة) والقبائل أو العشيرة. وبهذا الشكل ووفقا لهذا الطرح المستند على تكوين وبنية نظامنا الاجتماعي يمكننا إقناع المجتمع الدولي بأن هذا النظام الانتخابي في حال إقراره سيكون هو النظام الأمثل والأنسب لنا بناء على نتائج تجاربنا السابقة، وبناء على أننا ما نزال نقبع ايضا تحت احتلال يقف ويشكل أمامنا عائقا وحائلاً في عدة قضايا. لهذا نقدم هذا المقترح:
أولاً: يجب أن يتم العمل على أخذ قرار سياسي ومن ثم سن التشريعات والقوانين اللازمة ضمن إطار ناظم للعملية الانتخابية وفقا لهذه التوصية.
ثانيا: نوصي بأن يتم حصر إجراء الإنتخابات البلدية في بلديات المدن الرئيسة فقط.
ثالثاً: فيما يتعلق بالمجالس القروية والمجالس المحلية والبلديات الصغيرة نوصي بالتالي:
أ- يجب أن يتم إلغاء العملية الانتخابية بالطريقة المتعارف عليها حاليا وهذا لا يتعارض مع مفهوم الديمقراطية بل يعد بمثابة عملية تنظيم لها وفقا ومراعاة للنظام الاجتماعي السائد.
ب- نوصي بأن يتم فتح باب الترشح في مديريات الحكم المحلي لكل من يرغب في رئاسة الهيئة الإدارية أو السلطة المحلية ضمن نطاق كل مديرية، وذلك وفقا لعدة معايير ودرجات قياس علمية واجتماعية ومؤهلات وقدرات شخصية وإخضاعه إلى عدة اختبارات، وبناءً على تلك النتائج يتم اختيار المرشح لرئاسة الهيئة المحلية بكل شفافية ونزاهة من قبل فريق مختص معتمدا على النتائج، ومن ثم يتم تكليفه من قبل وزارة الحكم المحلي باختيار هيئته الإدارية خلال فترة زمنية معينة وفقا لعدة معايير موضوعة مسبقا يتم فيها مراعاة مكونات المجتمع المحلي ، بمعنى أن يتم تشكيل السلطة المحلية بشكل متنوع يوائم بين حملة الشهادات العلمية وبين شخصيات اعتبارية وازنة لها حضور وحظوة بالمجتمع المحلي. وبهذا الشكل ووفقا لهذه الطريقة يمكن توفير الوقت والجهد والمال على كافة الشركاء، والابتعاد كل البعد عن أي من المؤرقات التي ترافق إجراء العملية الانتخابية وفقا للطريقة المعمول بها.
كما نوصي أيضا وعلى أقل تقدير ومن باب احترام قيم المواطنة التي تتمثل بالحقوق والواجبات (المسؤوليات) بأن يتم إعادة النظر فيمن يحق له الانتخاب أو التصويت والمشاركة في صنع القرار على أن يتم استثناء كل من لم يحصل على براءة ذمة من هيئة الحكم المحلي لعدم التزامه بواجباته وما يترتب عليه من تكاليف جراء تلقيه الخدمة من هذه المؤسسة وبأن يتم حرمانه من حق التصويت، فإن فاقد الشيء لا يعطيه.
*ماجستير تنمية بشرية وبناء مؤسسات/ تنمية مستدامة
الكاتبة : منى أبو عمارة
نعيش في عالمٍ يقلقه استهجانٌ موجَّه إلى عددٍ قليل من الرياضيين الإسرائيليين أكثر مما يقلقه قتل أكثر من ألف رياضي فلسطيني. عالمٌ يتوقف لإدانة صدى رفض الجماهير، لكنه يكاد يفتقر إلى أي إرادة حين تُمحى فرقٌ باكملها. وكأن صوت الإستهجان أكثر إزعاجًا من صوت القنابل، وأكثر إساءة من الصمت الذي يعقبها.
عالمٌ يناقش إزالة جنود الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين من كتب الأطفال الفلسطينيين أكثر مما يناقش سبب وجود هؤلاء الجنود والمستوطنين أصلًا في حياتهم. عند الحواجز، وفي اقتحام المنازل والقرى، وفي الاعتقالات الليلية، وفي الاعتداء على المدارس، بل وفي اقتحام الذاكرة نفسها. عالمٌ يُصرّ على أن على الفلسطينيين تعديل روايتهم، لكنه لا يسمح لهم أبدًا بتغيير واقعهم.
عالمٌ يقلق من كلمات مقررة خاصة للأمم المتحدة مُكلَّفة بتوثيق الانتهاكات وتتحدث بلغة حقوق الإنسان والالتزامات القانونية، فيصوّرها كتهديد، بينما بالكاد يتحرك أمام أفعال مجرمٍ مطلوبٍ للمحكمة الجنائية الدولية وعصابته، المتهمين بارتكاب جرائم جسيمة بموجب القانون الدولي، ويعاملهم كشركاء، و"حلفاء ديمقراطيين"، و"مدافعين عن الحضارة". تُحاكم الأخلاق والنزاهة، بينما يُمنح المجرمون اللاأخلاقيون، مرتكبو الإبادة، حصانةً وإفلاتًا من العقاب.
عالمٌ يسعى إلى "السلام" عبر موازين القوة، عبر صفقات واتفاقيات تُوقَّع من فوق رؤوس الواقعين تحت الاحتلال، بدلًا من سلامٍ عادلٍ قائمٍ على الحقوق والإنصاف والمساواة. عالمٌ يطلب من المُهجَّرين القبول بمحوهم، ومن القابعين تحت الاحتلال القبول بإخضاعهم، بدل أن يساعدهم على إنهاء البُنى التي أنتجت هذا التهجير وجعلت الاحتلال والاخضاع ممكنين.
وعالمٌ يسرع إلى التصفيق لكلمات طاغية يتباهى بـ"فتح أبواب الجحيم"، لكنه لا يحشد الغضب الكافي لإدانة الواقع الذي يواصل فيه هذا الطاغية خنق تلك الأبواب، ويمنع المساعدات، ويقرر من يأكل، ومن يُسمح له بمعالجة جراحه، ومن يدفأ، ومن له سقف يحتمي به، ومن يتحرك، وفي نهاية الامر من يعيش أو يموت. وكأن الفلسطينيين لا يستحقون إلا لغة القلق، والإشاراتٍ الرمزية، والتعاطف المشروط، والبيانات المحسوبة بعناية.
عندما يُقتل طفل فلسطيني، يُفتح باب النقاش. وعندما يتم اسر فلسطيني بلا تهمة ولا محاكمة، يُبرَّر اعتقاله. وعندما يُهدم بيت فلسطيني، تخلق الذرائع. وعندما يرتفع صوت الفلسطيني، يشكَّك في إنسانيته. وعندما يُهدَّد الوجود الفلسطيني، يُطلب من الفلسطينيين أن يكونوا صبورين، ومتّزنين، وعقلانيين، وبراغماتيين.
يُقال لنا كفلسطينيين إن الرياضة يجب أن تبقى منفصلة عن السياسة. لكن السياسة كانت قد دخلت بالفعل إلى ملاعبنا، وحقولنا، ومدارسنا، وبيوتنا، وسمائنا. دخلت حين فقد طفلٌ في غزة ساقه، ومعها حلمه بأن يركض يومًا من جديد. ودخلت حين دُمِّرت مئات المنشآت الرياضية، وتحطّمت معها فكرة المستقبل ذاته: اللعب، والمنافسة، والحياة.
يُطلب منا ألا نُسيّس المساعدات. لكن في فلسطين، تحوّلت المياه والغذاء والدواء إلى أدواتٍ للحصار والقتل ضد شعبٍ بأكمله. ما كان ينبغي أن يجسّد القيم الإنسانية، جرى تسخيره كأداة هيمنة وتفوق، تُستخدم لاقتلاع شعبٍ أصيل من أرضه.
يُطلب منا ألا نُسيّس القانون الدولي، أي بمعنى اخر أن نقبل تطبيقه الانتقائي حين يتعلق بحقوقنا. يُطلب منا احترام الإجراءات، بينما تُؤجَّل أو تُفرَّغ من مضمونها أو تُهمل حين تقود إلى المساءلة. ويُطلب منا الإيمان بنظامٍ قائم على القواعد، بينما تُلوى قواعده وتُحجب حماياته.
قيل إن "قوس الكون الأخلاقي طويل، لكنه ينحني نحو العدالة". لكن الأقواس لا تنحني وحدها؛ بل يحنيها البشر، بالشجاعة، وبالمساءلة، وبرفض غض الطرف عن الظلم. واليوم هذا القوس مقيّد، تُبطئ انحناؤه الحصانة المطلقة من العقاب، وتشلّه المعايير المزدوجة، ويعيقه تطبيع الظلم.
نحن لا نعاني من نقص في المعلومات. فالحقائق موثقة، الصور لا يمكن إنكارها، والقانون واضح. لكن ما نعانيه هو أزمة وضوح أخلاقي.
لم يعد السؤال ماذا نعرف، فنحن جميعًا نعرف ما يجب معرفته، بل السؤال ماذا نحن مستعدون أن نفعل بما نعرف.
وحتى يتم ايقاف الإفلات من العقاب، وتُفرض المساءلة، وتُصان الحقوق على قدم المساواة دون استثناء، وحتى تصبح حياة الفلسطيني وكرامته وحقوقه بذات الوزن والقيمة في أعين الأقوياء كما هي حياة وحقوق الإسرائيليين، فإن هذا القوس لن ينحني. سيظل معلقًا، مشدودًا بالصمت، وبالتردد، وبانعدام الافعال.
لذلك، فإن الخيار المطروح أمام العالم وقواه اليوم واضح وبسيط:
إما الاستمرار في إدارة الظلم، ومعه معاناة شعبٍ بأكمله. تنظيم هذه المعاناة، واحتواءها، وتبريرها، وأنسنتها.
أو تفكيك البُنى التي أنتجت هذا الظلم، وحمته، وسمحت له بالاستفحال، وإنهاؤها جملة وتفصيلا وإلى الأبد.
*سفيرة دولة فلسطين لدى إيطاليا
الكاتب : شادي عياد
قد يبدو الجمع بين اسمي إيبستين ونظمي مهنا ضربًا من الخيال .
فالملفان مختلفان والتفاصيل لا تلتقي والسياقان متباعدان. لكن الغريب أن الصورة العامة متشابهة على نحو يثير الابتسام المرّ، وأن النتائج على الأرض تكاد تكتب سيناريو واحدًا مهما اختلفت الأسباب والبيئة.
في الحالتين وردت أسماء وتقاطعت مواقع وتكاثرت التسريبات وظلّ الحديث عن الملفات يثير فضول الجميع لكن المفاجأة أن كل من ذُكر اسمه سواء بصفة شاهد أو مشتبه به أو متداول أو حتى “قيل عنه”، لا يزال على رأس عمله يمارس يومه الوظيفي بهدوء إداري لافت كما لو أن العاصفة مرت بلا أثر وكأن كل ما حدث لم يكن سوى فصل عابر في الرواية اليومية.
هذا الهدوء يصلح أن يكون منهجًا في إدارة الأعصاب أو دليلًا تدريبيًا تحت عنوان كيف تمرّ العاصفة من حولك دون أن تبتل وكيف تتحول كلمة “ذُكر اسمه” من مصدر قلق إلى تفصيل عابر لا يؤثر حتى على ترتيب المكتب صباحًا.
وفي هذا السياق لا بد من التوقف احترامًا أمام القضاء الفلسطيني الذي أصدر حكمه النهائي وأدان نظمي مهنا، في خطوة تؤكد أن العدالة قادرة على الوصول حين تتوفر لها المعلومات والوقائع لتعمل، وأن دولة القانون موجودة حتى وإن كان التحدي الأكبر هو قدرة النظام على ضمان أن تكتمل صورة المحاسبة، وأن تُطمئن الجمهور أن الملفات لا تتحول إلى أرشيف مؤجل بلا نهاية.
في أميركا تحوّلت فضيحة إيبستين إلى سلسلة من التداعيات لا تنتهي وارتجفت بسببه نخب كثيرة ومؤثرة وسقطت أسماء كبيرة وارتبطت صورته بالقضاء والإعلام والصحافة حتى خارج حدود امريكا وشمل ذلك من لم يُدان رسميًا بينما هنا تبقى الأسماء محل ذكر وتمارس حياتها الوظيفية بانتظام وكأن كل شيء طبيعي وكأن الملفات ثقيلة الحجم لم تهزّ شيئًا إلا فضول المراقبين.
الفضيحة إذن ليست فقط في الحدث نفسه بل في الطريقة التي استُقبل بها وكيف تم امتصاصها وتدويرها وإعادة ضخها في الحياة العامة بعد أن فقدت حدتها، وهذا وحده مادة للابتسام المرّ والتأمل العميق. فالقصة الكبرى في كل مكان إما أن تُغلق بشفافية أو تبقى مفتوحة كمصدر دائم للأسئلة وأما أن تبقى مفتوحة وتستمر الحياة فوقها بهذا الهدوء الوظيفي النموذجي فهي مهارة إدارية تستحق الدراسة.
وهنا تحديدًا يصبح التشابه بين إيبستين ونظمي مهنا ليس في طبيعة الملف ولا في نوع التهمة بل في ذلك التشابه المدهش بين العاصفة والهدوء الذي يليها بين الضجة والطمأنينة بين الترقب المستمر والاستمرار الطبيعي للحياة وبين السؤال المفتوح والواقع الصامت. هدوء لا يفسره المنطق لكن يشرحه الواقع بكل مرارة مع الأسف الشديد .