الكاتبة : كريستين حنا نصر
بات واضحاً للعيان أن الصراع الاسرائيلي مع حركة حماس في غزة ، قد توسعت دائرته الجغرافية لينتقل نحو اختراق اسرائيل لسيادة قطر واستهداف الطيران الاسرائيلي منطقة سكنية يتواجد عليها مكتب حركة حماس في الدوحة ، الامر الذي نتج عنه استشهاد عدد من افراد الحركة ، وهذا الاستهداف يُعد اختراقاً صارخاً لسيادة دولة قطر والتي لها دور استراتيجي بين الدول العربية ، كما له تأثيره على وساطة قطر المحورية لحل الازمة بين حركة حماس واسرائيل .
وعلى ضوء هذه الضربة الاسرائيلية تحرك موقف جماعي للدول العربية والاسلامية وبشكل موحد جراء الاعتداء الاسرائيلي على مقر حركة حماس ، وتجسد هذا الموقف بالتضامن العربي والاسلامي مع دولة قطر، حيث انطلقت في الدوحة أعمال القمة العربية والاسلامية الطارئة وعنوانها الواضح هو تضامن الدول العربية والاسلامية مع دولة قطر ، ممثلة بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد ال ثاني ، وايضا السعي خلال القمة الى حماية الأمن العربي والاسلامي ، لذا كان مضمون القمة هو ادانة خرق اسرائيل لسيادة قطر وهجومها بالطائرات على مقر حماس ، وهو أمر يُعتبر خرقاً وانتهاكاً اسرائيلياً للقانون الدولي ، كما عكست القمة جهود ومساعي التضامن العربي والاسلامي الموحد .
وقبيل القمة المنعقدة أمس في الدوحة وخلال الاجتماع التحضيري لها، صرح رؤساء وزراء خارجية الدول العربية والاسلامية بمن فيهم وزير خارجية المملكة الاردنية الهاشمية بأن الهجوم الاسرائيلي واختراقها لسيادة قطر، هو حتماً يمثل تصعيداً يهدد الاستقرار الاقليمي والعالمي، وقطعاً يهدد أيضاً الأمن العربي المشترك ، وتمّ التأكيد أن حماية دولة قطر هو جزء لا يتجزأ من حماية الأمن العربي . وهذه القمة التي انعقدت في الدوحة تأتي في وقت حساس وظروف عصيبة تمر بها المنطقة والاقليم ، خاصة ما تعيشه من الصراع والحرب بين اسرائيل وحركة حماس جراء الاعتداء من الحركة في السابع من اكتوبر عام 2023م ، وما تبعها من تطورات في المنطقة والتي شهدت تفاقم للاوضاع في الضفة الغربية ومنطقة الشرق العربي ، كذلك الوضع في سوريا وبالاخص أثناء وبعد سقوط نظام البعث السوري المتمثل ببشار الاسد البائد ، والآن المرحلة الانتقالية الحساسة للحكومة المؤقتة للرئيس السوري أحمد الشرع والوضع الغير مستقر سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ، خاصة مسألة التوغل الاسرائيلي في منطقة الجنوب السوري ، كذلك وجود الجيش الوطني السوري المدعوم تركياً في منطقة الجنوب أيضاً ، والذي يُنذر بإحتمالية اندلاع صراع بينهم ، كما أن الوضع في لبنان وتحديداً بعد استهداف اسرائيل للسيد حسن نصر الله الأمين العام السابق لحزب الله اللبناني ، والذي استشهد على أثر الضربات الاسرائيلية ، والمرحلة التي تمر فيها اليوم الحكومة اللبنانية وسعيها تجاه حصر السلاح بيد الدولة والجيش اللبناني فقط ، وبالطبع فإن الوضع في العراق يمر هو الاخر بمرحلة حساسة ، خاصة أن الحكومة العراقية الحالية تربطها علاقات وطيدة مع ايران الداعمة للميليشيات المتواجدة للآن على الاراضي العراقية ، كما شهد العراق في هذه المرحلة انسحاب للقوات الأمريكية من بعض القواعد المتواجدة على أراضيه .
لذلك كله فإنني أُصر من وجهة نظري كمراقبة ومتابعة ومحللة للوضع في المنطقة والشرق العربي على أن هذه القمة لها أهمية حساسة في هذه المرحلة المعقدة ، والمتوقع أن نتائج هذه القمة ونظراً لتواجد ومشاركة معظم الرؤساء العرب و وزراء خارجية دولهم سوف من شأنها حتماً التأثير على المستقبل والأمن والاستقرار الاقليمي بما في ذلك ما يتصل بملف الصراع الفلسطيني والعربي مع اسرائيل ، الى جانب التأثير أيضاً على منطقة المشرق العربي المشتعلة أساساً ، لذا من هنا نجد أن مخرجات القمة تضمنت الاشارة إلى أن هذا الاستهداف الاسرائيلي لدولة قطر يُهدد الاستقرار الاقليمي والدولي، الى جانب ذلك فقد تضمن المخرجات الاصرار على أخذ موقف جاد عملي وموحد من الدول العربية والاسلامية ، والسؤال هنا هو هل سوف تتجاوز القمة ومخرجاتها مسألة الادانة التقليدية والتصريحات المعتادة وبشكل يضمن اتخاذها فعلياً موقف قوي جاد للوقوف مع دولة قطر؟ ، وهل سوف تنجح الدول العربية والاسلامية بالاتجاه والسعي نحو ضرورة اتخاذ القرارات العملية والتحرك السريع للدفاع عن مواقفهم وقراراتهم الموحدة في القمة المنعقدة أمس وكل ما سبقها في الماضي ؟ ، وهل سوف يكون هناك ترجمة حقيقية لهذه القرارات والتصريحات وتحويلها لأفعال واجراءات ملموسة قوية على أرض الواقع من شأنها كبح السياسات الاسرائيلية في المنطقة العربية ؟، وبالمحصلة هل تهدف في النهاية هذه القمم الى تعزيز الامن والاستقرار على وجه التحديد في منطقة الشرق العربي؟.
والسؤال الأبرز هنا ، هل فعلا سيتمكن القادة العرب في القمة موحدين في اتخاذ موقف موحد عملي حقيقي متجاوزاً الادانة السياسية والتصريحات التقليدية للقمم العربية السابقة ، والنجاح في وقف الاعتداءات الاسرائيلية على المنطقة ؟، أي هل ستنجح مخرجات القمة في كبح الاعتداءات الاسرائيلية وايقافها ؟، وهل سوف تنجح في السعي أيضاً الى عُزلة اسرائيل في المنطقة العربية واضعاف نفوذ اسرائيل ليس فقط في المنطقة العربية ولكن في العالم ؟ ، وايضاً تنجح في اضعاف نفوذ اسرائيل القوي والمتصاعد مع امريكا والدول الاوروبية ودول العالم ؟، وهل هذه القمة المنعقدة بالأمس وفي هذه المرحلة الحساسة اقليمياً ستنجح فيها الدول العربية الى رفع مستوى التصريحات والإدانات للهجوم الاسرائيلي والقدرة على تحويل واقعي الى مستوى حرب فعلية عسكرية على اسرائيل ؟، أم ستبقى فقط على مستوى التصريحات الاعلامية والادانات المحدودة كلامياً فقط ؟ ، أي بدون أخذ قرارات مفصلية مطبقة فعلياً ؟ وأيضاً السعي إلى فرض قوة الزامية على أرض الواقع وتنفيذ القرارات بفعالية أو أنها ستبقى كما هي القمم السابقة تندد وتدين فقط ببيانات اعلامية وصحفية فقط ؟، وبالاخص أن الهجوم الاسرائيلي مؤخراً على العاصمة القطرية الدوحة ، وأيضاً التوغل الاسرائيلي في الجنوب السوري مؤخراً واستهداف واختراق العمق السوري دون أي مقاومة لسيادة الاراضي السورية المستباحة أيضاً من الجيش الوطني السوري المدعوم تركياً ؟، وطبعا الشعب الفلسطيني في غزة الذي يعاني الكثير جراء الصراع والحرب بين حركة حماس واسرائيل ، وبالطبع يحتاج الكثير ليس فقط المساعدات الاغاثية والطبية والتي تكفل الاردن وبشكل متواصل على توفيرها ، حيث شارك جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين بنفسه في انزالها من طائرات سلاح الجو الملكي الاردني لأهل غزة .
وكل هذه التطورات السياسية والعسكرية الاخيرة سوف تقود حتماً نحو تكثيف عملية الوساطة بين حركة حماس واسرائيل من أجل إنهاء الصراع في غزة بينهم ، وايضاً ستؤثر على جهود عملية اطلاق الاسرى بين الطرفين ، ولا شك أنها ستؤثر على ملف مفاوضات الحل الدبلوماسي والسعي لمنع فشلها في تحقيق السلام والمصالحة بين حماس واسرائيل ، سلام يقود المنطقة والاقليم العربي المشتعل اساساً للاستقرار ، واعتقد أن هذا الاختراق الاسرائيلي لسيادة قطر سوف يهدد أيضاً مستقبل اتفاقيات السلام السابقة والمستقبلية .
ومن هنا جاء الموقف الاردني الاصيل لدعم ومساندة الاشقاء العرب ، حيث أكد ملك المملكة الاردنية الهاشمية جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين في كلمته التاريخية في قمة الدوحة أمس على الموقف الاردني الاصيل الراسخ ، حيث قدم التعزية لاخيه الشيخ تميم وادان العدوان الاسرائيلي واعتبر ما قامت به اسرائيل بأنه خطوة تصعيدية لها تبعات خطيرة على المنطقة ، وكلمته الهاشمية هي رسالة للاشقاء في قطر بدعمها وبكافة الامكانات لمواجهة هذا العدوان ، والاردن يقف مع قطر فأمن دولة قطر من أمن واستقرار المملكة الاردنية ، لذا دعمنا لها مطلق ، والاردن يلعب أيضاً دوراً أساسياً ومحورياً في قضايا الشرق الاوسط بما فيها القضية الفلسطينية والملف السوري قبل سقوط النظام البائد وحتى الان في المرحلة الانتقالية لحكومة الرئيس أحمد الشرع .
وفي ذات السياق المتصل بالقمة في قطر أمس ، فقد طالبت الدولة القطرية المفوضية الاممية لحقوق الانسان الخاصة بمكافحة الارهاب ، باصدار موقف واضح وقوي منها يدين الهجوم الاسرائيلي على العاصمة القطرية الدوحة حيث استهداف مقر حركة حماس واستشهاد مواطن قطري وفلسطيني من حركة حماس، وايضا تم المطالبة بتوثيق الانتهاكات الاسرائيلية ، اضافة الى مطالب الدولة القطرية بمحاسبة اسرائيل .
الكاتب : علي إبراهيم
تسعى سلطات الاحتلال إلى التحكم بكل مفاصل الحياة في القدس المحتلة، إذ تعمل منذ احتلال المدينة عام 1967 على فرض سيطرتها على القطاعات المختلفة من المدينة، من القطاعين: الصحي، والاقتصادي، وصولا إلى قطاع التعليم، الذي تعرض خلال سنوات الاحتلال إلى جملة من الإجراءات الرامية إلى فرض سيطرة الاحتلال على هذا القطاع ، مستفيدا من واقع متشظٍ، وغياب المرجعية الواحدة، وما يتصل بمخططات الاحتلال وإجراءاته الساعية إلى التحكم الكلي بهذا القطاع.
وشهدت السنوات الماضية تصاعدا في استهداف التعليم في القدس، وسخرت سلطات الاحتلال مختلف أدواتها لكي تسيطر على التعليم، وتدفع الطلاب الفلسطينيين في القدس المحتلة، إلى الانضواء تحت مظلة المدارس التابعة لها.
وفي سياق تسليط الضوء على ما يعانيه قطاع التعليم في القدس المحتلة، نقدم في هذا المقال إطلالة على جملة من المستجدات حول التعليم، وما يتصل بها من قرارات وإجراءات الاحتلال الأخيرة .
توزيع الطلاب والمدارس في القدس: صورة متشظية ..
قبل الخوض في تطورات استهداف قطاع التعليم، من المهم التنويه إلى توزيع المدارس والطلاب في الشطر الشرقي من القدس المحتلة، وبحسب المعطيات التي نشرتها منظمة "عير عميم" الحقوقية الإسرائيلية في تقريرها الأخير الصادر قبيل بدء العام الدراسي، والذي استند إلى بيانات من بلدية الاحتلال ومصادر أخرى.
وتؤكد هذه المعطيات ترسخ تنوع مرجعيات المدارس الفلسطينية من جهة، وتشظي الطلاب الفلسطينيين بين أنواع المدارس المختلفة من جهة أخرى، فبحسب بيانات المنظمة يصل عدد الطلاب الفلسطينيين في سن التعليم إلى نحو 139 ألفا و877 طالبا، وتشمل هذه الأرقام الأطفال والفتيان ما بين 3 و18 عاما، وتتوزع أعداد الطلاب هذه على عدد من المرجعيات، وقد أشار التقرير إليها بحسب النقاط الآتية:
التعليم العربي "الرسمي" (يتبع لبلدية الاحتلال ووزارة المعارف في حكومة الاحتلال): نحو 53 ألفا و329 طالبا يشكلون نحو 1% من مجموع عدد الطلاب.
التعليم العربي المعترف به (من بينها مدارس الأوقاف والمدارس الخاصة وغيرها)، ويضم نحو 54 ألفا و68 طالبا، يشكلون نحو 38.7% من إجمالي عدد الطلاب. الطلاب خارج الأطر التعليمية الرسمية والمعترف بها، نحو 32 ألفا و480 طالبا، يشكلون نحو 23.2%.
ويُشير التقرير إلى أن هؤلاء الطلاب ليسوا متسربين من التعليم، بل ينقسمون كذلك إلى أقسام عديدة وهي:
15 ألف طالب في مدارس خاصة (يُشير هذا التصنيف إلى مدارس خاصة، ولكن سلطات الاحتلال لا تعترف بها.
800 طالب في أطر وزارة العمل، 3 آلاف طالب تسربوا من المدارس بشكل كامل، يشكلون ما بين 3 و4% من مجمل أعداد الطلاب، وبحسب "عير عميم" يُعد هذا الرقم ضعف المعدل العام في "إسرائيل".
4400 طفل في رياض أطفال خاصة، أو لم يلتحقوا بعد في قطاع التعليم.
نحو 9949 طالبا يتلقون تعليمهم في الضفة الغربية أو أطر أخرى، ويُشير التقرير إلى مؤسسات خيرية، أو انتقال الأُسر إلى خارج القدس المحتلة.
وكشفت معطيات "عير عميم" عن تباين في المناهج التي يدرسها الطلاب في المدينة المحتلة، ما بين المنهاج الإسرائيلي الكامل "البجروت"، والمنهاج الفلسطيني "التوجيهي"، وبعض المدارس تعتمد على المنهاجين، أي لديها صفوف خاصة بالمنهاج الفلسطيني، والمنهاج الإسرائيلي.
وبطبيعة الحال تحاول سلطات الاحتلال فرض المنهاج الفلسطيني المحرف على المدارس المتمسكة بالمنهاج الفلسطيني، في سياق محاولاتها تشويه مدارك الطلاب، وإبعادهم عن أي مضامين دينية ووطنية.
عدوان متصاعد على التعليم ..
شهدت الأعوام الماضية تصاعدا في استهداف التعليم، وخاصة في ظلال العدوان على غزة، في سياق الهجمة الإسرائيلية الشاملة على القدس وسكانها، ونسلط الضوء على أبرز هذه الإجراءات في النقاط الآتية:
استهداف المدارس بعد الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023
مع بدء العدوان على غزة، تصاعد استهداف المدارس في الشطر الشرقي من القدس المحتلة، فقد اتخذت وزارة المعارف في حكومة الكيان جملة من الخطوات لتشديد الخناق على المدارس الفلسطينية في القدس المحتلة.
وتركزت هذه الإجراءات على المدارس الخاصة التي تتلقى تمويلا من الوزارة، في سياق منع تدريس المنهاج الفلسطيني، من خلال شن حملات تفتيش فجائية، تركزت بشكل كبير ما بين شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2023 إلى نهاية شهر مارس/آذار 2024.
وبحسب مصادر مقدسية تضمنت هذه الحملات اقتحام الصفوف الدراسية، وتفتيش الحقائب المدرسية، والاطلاع على الكتب التي يستخدمها المعلمون، إضافة إلى الوثائق الإدارية وغيرها.
وعلى أثر حملات التفتيش هذه، اتخذت وزارة المعارف إجراءات عقابية متعددة، شملت وقف التمويل المؤقت الذي تقدمه للعديد من المدارس الخاصة شرقي القدس، إضافة إلى إجراء تحقيقات مطولة مع مسؤولي هذه المدارس، والمشرفين التربويين فيها.
وقد تلقت مدارس عديدة ممن تعرضت لهذه الحملات تهديدات بإلغاء التراخيص، ومنعها من العمل في حال استمرارها بالتجاوزات بحسب مفتشي المعارف الإسرائيلية.
إغلاق مدارس وكالة الأونروا :
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 سعت أذرع الاحتلال إلى إنهاء عمل وكالة الغوث "الأونروا" في عموم الأراضي الفلسطينية، وفي القدس على وجه الخصوص، وقد تصاعد استهداف عمل الوكالة وصولا إلى إنهائه على أثر قرار "الكنيست" الإسرائيلي 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، الذي حظر عمل "الأونروا" في القدس بشكل كامل.
وعلى أثر إصدار القرار اقتحمت قوات الاحتلال رافقها حينها موظفون من وزارة المعارف الإسرائيلية المدارس التابعة للوكالة في 8 مايو/أيار 2025، وعلقت أوامر إغلاق نهائي لهذه المدارس في مخيم شعفاط، إضافة إلى مدرسة في وادي الجوز، ومدرسة في صور باهر، والأخيرة في سلوان.
وبحسب مصادر محلية فرضت سلطات الاحتلال على إدارة مدارس "الأونروا" في مخيم شعفاط، نقل الطلاب لمدارس تابعة لبلدية الاحتلال بالقدس، كما نص القرار حينها على منع مديري المدارس من إعادة فتحها، ومنع الطلاب وأولياء أمورهم من استخدامها لأي غرض، ومن يخالف هذه القرارات سيتلقى اتهامات جنائية.
وقد أثرت هذه القرارات بشكل على كبير على واقع القطاع التعليمي في القدس، فقد أشارت مصادر مقربة من لجان أولياء الأمور ، إلى أن إغلاق مدارس "الأونروا" أدى إلى تشتيت طلابها، ودفع عددا كبيرا منهم إلى الالتحاق بمدارس تتبع المنهاج الإسرائيلي "البجروت"، نتيجة نقص الغرف الصفية المتفاقم في مدارس القدس.
ولا تقف آثار الإغلاق عند هذا الحد، إذ يعاني نحو 150 طالبا وطالبة من أصحاب "لم الشمل" مشاكل في الالتحاق بالتعليم مجددا، فمع حرمانهم من الدراسة في الوكالة في مخيم شعفاط، يعانون من مشاكل في الالتحاق بالمدارس الأخرى، وخاصة خارج المخيم نتيجة وضعهم القانوني، والقيود الكبيرة التي تفرضها عليهم سلطات الاحتلال.
إخلاء مدرسة سلوان الإعدادية للبنين :
ومع اقتراب بداية العام الدراسي في القدس المحتلة، عاد الاحتلال لاستهداف المدارس الفلسطينية، وفي آخر حلقاتها، قررت بلدية الاحتلال ووزارة المعارف الإسرائيلية منتصف أغسطس/آب 2025، إخلاء مدرسة سلوان الإعدادية للبنين، التي تضم نحو 600 طالب، ونقلهم إلى مبنى "المدرسة الشاملة" في حي سويح برأس العمود.
وإلى جانب ما يحمله القرار من امتهان للطلاب والكادر التعليمي للمدرسة، سيضاعف القرار عدد الطلاب في المدرسة الأخيرة، ما يؤثر على العملية التعليمية في المدرسة.
وأشارت مصادر مقدسية إلى أن قرار النقل جاء في سياق تحويل مبنى مدرسة "سلوان الإعدادية" إلى مدرسة مختلطة خاصة بتدريس المنهاج الإسرائيلي "البجروت"، وعلى أثر القرار بدأت اللجنة المركزية لأولياء أمور طلاب سلوان سلسلة من التحركات، أولها إعلان الإضراب.
التعليم في الخطط الخمسية الإسرائيلية :
تشكل الخطط الخمسية ميزانيات إضافية تقرها حكومة الاحتلال للمضي قدما في جملة من المشاريع التهويدية، واستهداف قطاعات التعليم، وقد أقرت الأولى في 13 مايو/ أيار 2018، حيث خصصت حكومة الاحتلال حينها 2.3 مليار شيكل، من بينها نحو 445 مليون شيكل لقطاع التعليم.
أما الثانية فقد أعلن عنها رئيس وزراء الاحتلال في 20 أغسطس/آب 2023، وحملت عنوان "الخطة الخمسية لتطوير شرقي القدس"، بالشراكة ما بين رئاسة الوزراء ووزارة القدس وبلدية الاحتلال، وأعلن نتنياهو عن تخصيص 3.2 مليارات شيكل (نحو 845 مليون دولار أميركي) للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للشطر الشرقي من المدينة المحتلة.
وبحسب الخطة رُصد نحو 800 مليون شيكل (نحو 211 مليون دولار أميركي) لتهويد قطاع التعليم، وتسعى الخطة إلى زيادة عدد الطلاب الملتحقين بالمناهج الإسرائيلية، وبرامج الإعداد للأكاديمية الإسرائيلية الأخرى، في سياق إدماجهم في الأكاديمية الإسرائيلية وعالم التوظيف.
ومن أبرز بنود تلك الخطة تخصيص 507 ملايين شيكل (نحو 134 مليون دولار أميركي) لما سمته الخطة "العمالة والتنمية الاقتصادية"، وستعمل بموجبه وزارة العمل في حكومة الاحتلال على رفع أعداد المشاركين في مراكز التوجيه المهني، وتعزيز التعليم التكنولوجي، وزيادة عدد الطلاب في المدارس المهنية للشباب من خلال افتتاح مدارس جديدة.
وتظهر الخطة سعي أذرع الاحتلال إلى ربط المزيد من المقدسيين بمنظومة العمل الإسرائيلية، وهو ما وصفه متابعون للشأن المقدسي بأن الاحتلال يريد تحويل المقدسيين إلى "عمالة تكنولوجية رخيصة".
"عير عميم": التعليم في القدس معركة مفتوحة ..
أشرنا في بداية المقال إلى تقرير المنظمة الحقوقية الإسرائيلية "عير عميم" لما يتضمنه من مضامين محدثة حول أعداد الطلاب في القدس المحتلة، وفي استقراء المزيد من المضامين المهمة التي سلط عليها التقرير الضوء، أن الشطر الشرقي من القدس المحتلة يعاني من نقص حاد في الفصول الدراسية، يصل إلى نحو 1461 فصلا دراسيا، وعلى الرغم من وعود سلطات الاحتلال الكثيرة فإنه يُبنَ سوى 20 صفا دراسيا جديدا، على الرغم من إطلاق وعود لبناء نحو 1200 صف.
وبناء على هذا التباين تستغل بلدية الاحتلال هذا النقص للضغط على الأهالي والطلاب والمعلمين الفلسطينيين، فقد كشفت وزارة المعارف وبلدية القدس أن بناء الفصول الجديدة والمدارس مشروط بالعمل حصريا وفق المنهج الإسرائيلي.
وأشار التقرير إلى ارتفاع عدد الطلاب الفلسطينيين الملتحقين بالمنهج الإسرائيلي "البجروت" خلال العام الدراسي 2024-2025 إلى نحو 22 ألفا و966 طالبا، وهو ما شكل حينها نحو 27% من مجموع الطلاب من الفئة العمرية ما بين 6 و17 عاما.
وأمام ما قامت به سلطات الاحتلال من إغلاق مدارس وكالة الغوث ونقل الطلاب وغيرهما، من المتوقع أن يزداد أعداد الملتحقين بالمدارس التي تطبق "البجروت"، وهو الهدف المركز لمخططات الاحتلال الخمسية (2024-2029)، وهو ما سيسمح للاحتلال بالمضي قدما نحو السيطرة الكاملة على التعليم.
وقد وثق تقرير "عير عميم" جملة من القوانين التي أقرتها سلطات الاحتلال، استهدفت النظام التعليمي الفلسطيني، أو العاملين فيه، ومن أبرزها:
في شهر يناير/ كانون الثاني 2025 دخل قانون حظر أنشطة "الأونروا" حيز التنفيذ، وهو ما أدى إلى إغلاق مدارس الوكالة وإلحاق الضرر بنحو 1100 طالب.
إقرار قانون "مضايقة المعلمين"، والذي منح وزير التربية الإسرائيلي صلاحية سحب التمويل، ومنع توظيف المعلمين بناء على آرائهم المعلنة.
في شهر يوليو/تموز 2025: اقتراح قانون يمنع توظيف خريجي الجامعات الفلسطينية في المدارس التي تتبع للوزارة والبلدية، وهو ما سيؤدي إلى تفاقم أزمة نقص الكادر التعليمي.
لماذا يريد الاحتلال السيطرة على قطاع التعليم؟ ..
تسعى سلطات الاحتلال الإسرائيلي جاهدة إلى فرض سيطرتها الكاملة على المنظومة التعليمية في القدس المحتلة.
وحين تعجز عن السيطرة المباشرة على المدارس، تلجأ إلى إجبارها على تبني المنهاج التعليمي الإسرائيلي، وتمنع أي مناهج تحمل مضامين دينية، ووطنية وفكرية وأخلاقية أصيلة، تتصل بفلسطين والقدس والأقصى، ويُخفي هذا التوجه أهدافا عميقة تهدف إلى "أسرلة" التعليم، ومن أبرزها:
فرض الرواية الصهيونية للتاريخ والمكان: تسعى سلطات الاحتلال إلى ترسيخ روايتها حول القدس والمسجد الأقصى، من خلال ترويج مفاهيم تدعي "الحق التاريخي والديني" لليهود في المدينة، وإعادة كتابة التاريخ من منظور استعماري يمحو الرواية الفلسطينية والعربية والإسلامية.
طمس الهوية الوطنية والوعي الجمعي: تعمل على إقصاء أي محتوى تعليمي يُذكر الطلاب بانتمائهم الفلسطيني، أو يؤكد على حق الشعب الفلسطيني الأصيل في القدس، ودور المدينة ومقدساتها في الوجدان العربي والإسلامي، بهدف تفريغ الذاكرة الجماعية من مضمونها الوطني.
صناعة جيل يقبل بشرعية الاحتلال: تهدف إلى تربية جيل فلسطيني يصدق فكرة "الدولة اليهودية" و"وحدة الشعب الإسرائيلي"، ويقلل من شأن الهوية الوطنية الفلسطينية، دون أن يواجه أو حتى يدرك واقع الاحتلال القمعي الذي يعيشه.
تطبيع الواقع الاستعماري نفسيا واجتماعيا: من خلال تصوير مؤسسات الاحتلال ككيانات شرعية وطبيعية، تُرسخ في وعي الطلاب نوعا من "القبول القسري" بالواقع المفروض، ما يُضعف لديهم الحس النقدي، ويُقلص الدوافع المستقبلية للمقاومة أو التغيير.
إضعاف اللغة العربية وتفريغها من محتواها: تُهمش اللغة العربية لصالح العبرية، وتفريغ المناهج من المضامين الثقافية والقيمية والوطنية المرتبطة بها، في محاولة لتقويض دورها كأداة أساسية للتفكير، والتعبير، والارتباط بالهوية والتراث الفلسطيني.
خلق طبقة "وسطية" قابلة للاندماج في النظام الإسرائيلي: عبر برامج تعليمية ومهنية مُخصصة، تسعى سلطات الاحتلال إلى إعداد جيل من الشباب الفلسطيني يكون أكثر استعدادا للاندماج الوظيفي والاقتصادي في المنظومة الإسرائيلية، بعيدا عن الانخراط في العمل الوطني، أو النضال من أجل التحرر.
إضعاف دور المؤسسات الفلسطينية والدينية: من خلال عزل التعليم عن المرجعيات الفلسطينية، وهو هدف يلتقي مع إضعاف بنية المجتمع الفلسطيني في القدس، وإنهاء وجود مؤسسات مجتمعية بعيدا عن هيمنة الاحتلال.
* باحث في شؤون القدس والأقصى، متخصص في التاريخ
الكاتب : جمال زقوت
أمام التحديات الكبيرة التي كشفها الاعتداء على دولةٍ مؤثرة وفاعلة في الوساطة لوقف الحرب وتبادل الأسرى، وبعلاقات دبلوماسية دولية مؤثرة، كما تتمتع بعلاقة استثنائية مع واشنطن، ودلالات ذلك كله من مخاطر على الأمن القومي العربي والخليجي خاصة، من المفترض أن تكون هذه القمة أكثر من مجرد اجتماع طارئ وتكرار بيانات غير قابلة للتنفيذ كما في القمتين السابقتين اللتين عقتدا خلال حرب الابادة في قطاع غزة، ولم يردع أي من قراراتهما العدوان العسكري سواء من قبل تل أبيب أو واشنطن. فهل ستكون مخرجات هذه القمة مختلفة؟ هناك من يقول إن انعقادها وعدم إحداث تغيير جدي في المواقف العربية لن يكون أكثر من رسالة تُفيد بأن إسرائيل بإمكانها المضي في فرض ما تُسميه «سلام القوة» العنجهية وفرض هيمنتها على المنطقة. وإذا كان الأمر كذلك، فلربما عدم انعقادها كان أفضل؛ لأنها ستكون معيارًا لعجز مزمن.
انعقدت القمة بينما تواصل إسرائيل حرب إبادة تستهدف تدمير واحدة من أعرق المدن العربية؛ فقد تحولت مدينة غزة بفعل الفاشية الصهيونية إلى أنقاض في وقت يقترب من دخول عامها الثالث من الإبادة، فيما تحولت عملية التهجير القسري المنظمة إلى خطوة فعلية لتطهيرٍ عرقي خارج فلسطين. وجاءت القمة بعد ضربة صاروخية للدوحة ومحاولة اغتيال قيادات حماس، لتكشف أن النار الإسرائيلية تتسع إقليميًا تحت سمع العالم وبصره.
النفاق الدولي في أوضح صوره :
تتصدر الولايات المتحدة مشهد التلاعب بالمصير العربي. فهي تعلن حرصها على وقف إطلاق النار، لكنها تمنح إسرائيل السلاح والغطاء السياسي والدبلوماسي لمواصلة حرب الإبادة. واشنطن تفاوض على هدنة مؤقتة هنا، وتضغط هناك لإطالة أمد الحرب خدمةً لاستراتيجية إخضاع الفلسطينيين وإعادة تشكيل المنطقة.
أما دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، فقد أدّت الضغوط الشعبية الواسعة فيها إلى تطور نسبي في لغة المواقف، إلا أنها ما زالت هشة وضعيفة لا تتجاوز بيانات الشجب المترددة ودعوات «لتهدئة الجانبين»، وكأن القاتل والضحية متساويان، وتدور في فلك عجز كامل عن اتخاذ أي خطوة عملية مستقلة عن الإرادة الأميركية.
ما كان مطلوبًا من القمة :
على القادة العرب أن يعلنوا قرارات بحجم الجريمة العدوانية على الدوحة التي تكشف طبيعة المشروع الاستعماري والهيمنة الصهيونية الذي يتجاوز حدود فلسطين؛ بما في ذلك فرض عقوبات سياسية واقتصادية على إسرائيل، وخفض العلاقات أو قطعها، سيما من الدول التي تربطها علاقات دبلوماسية رسمية أو غير رسمية مع تل أبيب. استمرار العلاقات «كما لو أن الأمور طبيعية» لا يعني سوى القبول بالإبادة والتهجير، وبما تخطط له إسرائيل من هيمنة لإخضاع المنطقة، وليس مجرد تصفية القضية الفلسطينية.
ولعل تقاعس العواصم العربية عن المشاركة مع جنوب أفريقيا في ملاحقة إسرائيل أمام المحاكم الدولية بمثابة إشارة إلى العجز، إن لم يكن أكثر من ذلك. فهل سنشهد تغيرًا في الدبلوماسية العربية نحو تحرك قانوني عاجل أمام المحاكم الدولية لملاحقة جرائم الإبادة والعدوان على قطر وفلسطين؟ وهل ستنهض بعض العواصم إزاء متطلبات فرض ممرات إنسانية آمنة لإيصال المواد المنقذة للحياة وإخلاء الجرحى ذوي الإصابات الحرجة وتوفير الحماية للمدنيين؟ هذه ليست شعارات، بل استحقاقات بقاء لأمة تواجه مشروعًا صريحًا لتفريغ فلسطين من شعبها.
ما هو متوقع للأسف :
الوقائع تقول، وأرجو أن تكون توقعاتي خاطئة، إن البيان الختامي لن يتجاوز ترديد الإدانة والدعوة إلى التهدئة. التجربة تؤكد أن العواصم العربية الكبرى ما زالت أسيرة التحالفات الأمنية والاقتصادية مع واشنطن. فهل الخوف من العقوبات الأميركية، ومن اهتزاز أسواق المال أهم من دماء غزة أو من صواريخ تضرب الدوحة بحجة تصفية قيادة حماس؟ وهل ستكون تلك العواصم آمنة في وقت لا يتحدث فيه نتنياهو سوى عن «إسرائيل الكبرى»، ويظهر ترامب دعمه لهذه التوسعية، بأن الجغرافيا الإسرائيلية صغيرة ومن حقها أن تتوسع بحجم الدور الذي يرسمه تحالف «بيت ترامب الأبيض» والفاشية الصهيونية التوسعية؟
كل شيء يبدأ من فلسطين :
المعادلة الجوهرية واضحة: من دون سياسة فلسطينية موحّدة لن يتشكّل موقف عربي وازن. عامان من الصمود في وجه الإبادة لم يتحولا بعد إلى مشروع سياسي يجمع الفلسطينيين على برنامج تحرر وطني. الفرصة قائمة، بل ملحّة، لإنجاز وحدة انتقالية غير فصائلية على غرار ما طُرح في بكين، عبر حكومة وطنية مؤقتة تدير المرحلة وتستند إلى برنامج مقاومة وصمود. والسؤال هو: لماذا لا تقوم العواصم العربية المركزية، بما في ذلك خلال هذه القمة، بتشجيع الأطراف الفلسطينية المهيمنة على المشهد، وتدفعها نحو المضي في تنفيذ مثل هذه الخطوة، إذا كانت فعلاً تريد الخروج من موقع المتفرج إلى موقع الفعل؟
عجز بنيوي يفضح التبعية :
الضربة التي استهدفت الدوحة أظهرت أن إسرائيل تتصرف كقوة فوق القانون، مطمئنة إلى أن العرب عاجزون والغرب متواطئ. عندما تعجز قمة عربية عن حماية دولة خليجية ترتبط بعلاقات وثيقة مع الغرب، فكيف ستدافع عن غزة المحاصرة أو عن حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم وفي تقرير مصيرهم عليها؟
إن لم تتحول قمة الدوحة إلى لحظة كسر لهذا المسار فسيسجلها التاريخ كإحدى حلقات التواطؤ بالصمت. عندها تصبح بيانات الشجب مشاركة غير مباشرة في الجريمة، ويغدو الحديث عن «نظام عربي» مجرد وهم.
القمة : ادراك بالمخاطر وتعبير أعمق عن العجز ..
قمة الدوحة امتحان حقيقي: إمّا أن تتخذ وتعلن قرارات بحجم التحدي، أو تُثبت أن النظام العربي فقد القدرة على الفعل، مكتفيًا بانتظار ما تقرره واشنطن. لكن الطريق إلى أي نهضة عربية يمر أولًا من فلسطين. إما أن يتحول صمود شعبها الأسطوري إلى سياسة فلسطينية موحّدة تنطلق منها مبادرة عربية حقيقية، أو سنشهد فصولًا أفظع من التطهير العرقي، فيما يكتفي العالم بتكرار عبارات «القلق العميق» ويمضي صامتًا على محرقة تعهد يومًا بعدم السماح لتكرارها، وها هي تتكرر على أيدي من اعتُبروا يومًا ضحايا فشل الغرب. فالهولوكوست يتكرر، ولن يضع حداً له سوى موقف يردع مرتكبيه. لقد أوضحت القمة بشكل عميق المخاطر المحدقة، كما أظهرت بما لا يدع مجالاً للشك مدى العجز في مواجهة هذه المخاطر . وفي كل الأحوال، فهذا وطننا الذي لا وطن لنا سواه، وليس أمامنا سوى الدفاع عن حقنا في البقاء على أرضه، وبناء مستقبلنا الحر والمزدهر فيه طال الزمن أم قصر .
الكاتب : صبحي حديدي
خلال الحفل الذي أقامته حكومة الاحتلال في مستوطنة معاليه أدوميم، شرق القدس المحتلة، للتوقيع على مراسم مشروع استيطاني واسع النطاق في المنطقة E1، كفيل بشطر أراضي الضفة الغربية وجعل فكرة الدولة الفلسطينية مستحيلة جغرافياً؛ أكد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أنّ هذه الأراضي محتلة بالفعل، ولكن الذي كان الرائد في احتلالها يهوشع بن نون، الشخصية التوراتية التي تُنسب إليه قيادة بني إسرائيل بعد وفاة موسى، والاستيلاء على مساحات واسعة من أرض كنعان، وتقسيمها لاحقاً بين مختلف الأسباط.
وليس جديداً أن يتلهف نتنياهو على اقتباس شخوص من التوراة لإسباغ تغطية دينية على سياساته المتطرفة العنصرية والفاشية عموماً، أو حروب الإبادة الجماعية والحصار والتجويع والتهجير والتطهير الإثني في قطاع غزّة خصوصاً. ولعلّ الأشهر في هذا الصدد حثّ الجنود الإسرائيليين الاقتداء بما فعله الكاهن/ المحارب إشعيا، في السفر التوراتي الذي يحمل اسمه، بالعماليق الذين دُمرّت مدنهم وسُحقت عظامهم، في تلميح إلى أنّ أهل غزّة والفلسطينيين عموماً هم عماليق العصر الراهن.
وإلى جانب الهرطقة المبتذلة في تأويل نصوص توراتية أو إعادة تجنيد شخوص يهودية من باطن أسفار العهد القديم، ثمة طراز فاضح من هستيريا السعي إلى المطابقة بين تلك الأقاصيص والأعداد والأمثال، وبين السردية الإسرائيلية الراهنة كما تروّج لها الحكومة الأكثر يمينية وتطرفاً وفاشية في تاريخ الكيان الصهيوني. ولقد بلغت الحال، مراراً في الواقع وعلى نحو واهي التمويه ومُفتضَح تماماً لجهة التضخيم الشعبوي، أن يستبطن نتنياهو شخصيته في تلك الإحالات؛ على نحو يوحي بأنه يهوشع بن نتنياهو، أو إشعيا بن صهيون، أو حتى… شمشون بن منوح!
لكنّ نتنياهو، الذي يطلق اليوم تصريحات هوجاء من طراز «سنفي بوعدنا بألا تكون هناك دولة فلسطينية، هذا المكان لنا»، و«سنحمي تراثنا وأرضنا وأمننا»، والجبهة الشرقية لدولة الاحتلال «ليست مستوطنة معاليه أدوميم بل غور الأردن»؛ هو نفسه الذي، في سنة 2009 أعلن الالتزام بإقامة دولة فلسطينية خلال محاضرة شهيرة في بار إيلان؛ وهو، في سنة 2020، وافق على شرط تأسيس الدولة ذاتها كجزء من «صفقة القرن» الشهيرة.
كذلك فإنّ الاستيطان على أراض في المنطقة E1 كان حلم سلطات إسرائيلية عديدة، في صفّ اليمين كما اليسار، طوال 35 سنة، تعاقب خلالها رؤساء حكومات أمثال إسحق شامير وإسحق رابين وأرييل شارون وإيهود باراك وإيهود أولمرت ونتنياهو نفسه؛ وظل النزوع الاستيطاني في 12,000 دونم من مساحة الـE1 أقرب إلى الاستيهام الهستيري، منه إلى خطط الاستيطان القابلة للتحقق على أرض الواقع.
وقد يتسلح نتنياهو بما أدركه ويدركه من تهاون ما يُسمى بـ«المجتمع الدولي» إزاء جرائم دولة الاحتلال، واستمرار تمتعها بالحصانة والإفلات من العقاب كلما داست على أيّ وكلّ شرعة إنسانية وقانون دولي؛ أو لعله يدرك أنّ استنكار كايا كالاس خطط الاستيطان الإسرائيلية هذه، بالنيابة عن دبلوماسية الاتحاد الأوروبي؛ لا يختلف من حيث الجوهر، أو لعله يتطابق من حيث مضمون الخلاصات والجدوى، مع مباركة الإدارة الأمريكية كما سيحملها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بنفسه!
وعجز حكومات إسرائيلية سابقة عن هذا المشروع الاستيطاني النوعي، أو إحجام بعضها عن قطع خطوات ملموسة في تنفيذه، ليس سوى علامة أولى على أنّ عواقبه الميدانية تتجاوز بكثير اعتراضات كالاس الخجولة أو تبريكات روبيو السافرة؛ لأنها خضعت في الماضي، ولسوف تخضع في المستقبل أيضاً، للمعادلات ذاتها بين قوّة احتلال لم يعرف لها التاريخ مثيلاً، وقوّة مقاومة لم تكلّ منذ مطالع القرن الماضي وصنعت نماذج انتفاضات شعبية عارمة سوابقها قليلة في تواريخ المقاومات.
وبالتالي، من هنا حتى الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، فليستعرض يهوشع بن نتنياهو أفانين الهستيريا، كافة.
الكاتب : المتوكل طه
صدرت مؤخرا،في القاهرة ،طبعة جديدة من كتاب "رسائل كسرت القيد" و "للسجن مذاق آخر"، للأسير المُحرّر المبدع أسامة الأشقر، وتمّ الاحتفاء بهما ضمن فعّالية كبرى،شهدتها نقابة الصحفيين المصريين،بمشاركة وحضور رموز من الأدباء والمفكّرين والإعلاميين.
وأخي وصديقي الأسير الحُرّ أسامة الأشقر يكتب كمَن يعبر النار ، لينقذ أيقونتَه من الحريق . تلك التي تقدّست بفعل اللون القاني المتوهّج ، الذي دَّبَّغَها من وردة الشريان، التي تفتّحت تحت شمس صغيرة ، هي قلب الكاتب . ذلك أنّ كتابه هذا الموسوم ب"مذاق آخر" هو سرديتنا ووثيقتنا وخطواتنا الراسخة على أرض المسيرة الرجراجة ، التي ترصد المشوار الصعب ، من لحظة الخطف"الاعتقال" إلى ساعة الخلاص والحرية، مروراً بكل تلك التفاصيل المبهظة والساخنة والأليمة والمتوثّبة . كأنّ الكاتب ،هنا، يريد أن يطوي المسافة ، ويعلّم الجيل الطالع، حتى لا يدفع الثمن من جديد. وكذلك يريد أن لا تكون ذاكرتنا عذريّة ، فنقع في الحفرة ذاتها ،ألف مرّة.
لا شكّ أننا بحاجة ماسّة لهذه الإضاءة الساطعة ، ولهذا الدّرس البليغ ، لنعمّق مناعة أبنائنا، قبل وقوع المحظور ، ونزيد من حصانة الروح قبل الجسد.
ولعل أكثر ما لفتني ، ذلك النبض الشغوف ، والوفاء الذي لا يكون إلا بين ظهرانينا ، نحن الفلسطينيين، الذين يفيضون بالوفاء ويتزوّجون المستحيل ، لأنه ، ببساطة ، ممكن ، ونستطيع أن نجترح معجزة تجاوزه ، وخلْق مستقبل ،يتّسع للحياة واللقاء والعشق .
إنّ هذا الكتاب ، بحقّ، يملأ القاريء بالمعاني الموّارة بالأمل والثقة وزوال أسداف الظلمات ، مثلما يسدّ ثغرة في جدار روايتنا ، التي لم نكتبها، تماماً.
وفي السجن ، ليس لنا الا القصيدة والنشيد والرواية .. يعني الكتابة ، لأنها بيتنا ومكاننا، وهي مائدتنا وهي طعامنا. الكتابة تردّ على قسوة العالم وفظاظته وفانتازيّته، وهي بالنسبة لنا توازن واعتدال وواسطة، تعلمت ذلك كله فى السجن. عندما قيّدني المحتلُّ فى زنزانة انفرادية، ولما بدأ المحتل بالاعتداء الخشن، انفجرتُ بالشِعر، كنتُ أصمد بالشاعر فيّ . وكنا نحتفل بشِعر لا يفهمه المحتلّ، وكأنه تعويذة السحر أو طوطم الحكاية ،التي تحكى كل الأجيال . كانت القصيدة فى تلك اللحظة ناري التي أصطلي بها ،ودثاري الذي أتغطّى به. المحتلّ الذي كان يضربني، اعتقد أنني أتوجع فأَظْهَر اغتباطه، ولكن لما عرف أنني أنطق بالشِّعر جنّ جنونه. وفي الزنزانه الانفرادية ، لم ينقذنى فيها سوى الله والشِعر. والشّعر اكتشافات متواصلة، الشعر ليس لغة فقط ، إنه عوالم وراء عوالم ، ابتكار فرح ، فيه زهو وعجب، فيه طرب وحركة، فيه قوة خفيّة.
هناك في السجن، حيث يقايضني المحتلُّ بحرية جسدي ، كانت القصيدة أرض إرادتى، وفضاء قلبي ،الذي لا يستطيع أيّ محتلّ ،على وجه الكوكب كلّه، أن يحرمني إياها. والحرية أقوى !
بلغة أخرى ، أرى أن أخي المناضل الحرّ المبدع أسامة الأشقر ،يستحقّ أن يتحلّى بكل ما قلتُه عن الشِعر وعنّي ، أكثر وأجمل وأكثر بلاغة وثباتاً ، لأنه أمضى ثلاثا وعشرين سنة ، يرسف بقيوده، واحتمل آلآف آلآف ما احتملناه ، وظلّ مثل الطود الشامخ ، لا يتزحزح عن صموده وثوابته وصلابته ، التي نتعلّم منها ، كلما قرأنا حرفاً من حروفه المجنِّحة.
والرائع في هذا المثابر المفعم بالأمل والإبداع ، أخي أسامة الجميل، أنه يمتلك لغة الروائي والكاتب المُحترف ، فيأتيك نصُّه ناهضاً على جَمالٍ وسلاسة وفنّية، مشفوعة بمعرفة ودراية وحمولة باذخة.. وهذا ما يميّزه، بشكل عام ، عن الكثير من أدب السجون. فقد تأكد لي أن أدب المعتقلات ، عامّةً، هو أقرب إلى المباشرة ، وينتمي إلى الكتابة "الميدانيّة" واجبة الوجود ، في لحظات الاشتباك المتواصل الساخن ، وقلّما تجد أدبا "تأمّلياً عميقاً" إلا مَن رحم الله تعالى.
كما يبدو لي أن هذا الأدب لم يستطع ، حتى اللحظة ، أن يؤصّل تاريخ الحركة الأسيرة ، بقدر ما أضاء بعض الجوانب المتعلّقة بالأسرى ، منذ اعتقالهم ، مروراً بسنوات الحجز المهولة ، وصولاً إلى الحرية والخروج إلى الحياة .
ويعتبر الفلسطينون هم الآباء الشرعيون لأدب السجون ، منذ نوح ابراهيم ،وخليل بيدس في كتابه حديث السجون ، وما كتبه ألان بيبيه عن السجون إبّان الانتداب ، ومن بعد ذلك ما خطّه الشاعر معين بسيسو ، الذي كان أوّل مَن سجّل تجربة اعتقاله في السجون المصرية في الخمسينيات ، من خلال كتابه "دفاتر فلسطينية" الذي يعتبر الإرهاصة الأولى لأدب المعتقلات في فلسطين ، ولحقه في ذلك ما كتبه شعراء المقاومة في الداخل ؛ درويش والقاسم وزيّاد وراشد حسين ومحمد وتد ، ليتبعهم محمود شقير وعزت الغزاوي وعائشة عودة ووليد الهودلي وحسن عبد الله ومروان البرغوثي وعصمت منصور وهشام عبد الرازق وعيسى قراقع وأسامة العيسة وخليل توما ومحمد عليان وعمر خليل عمر وسائد السويركي وهشام أبو ضاحي وعلي الخليلي ومحمد أيوب وعمر حمّش وسامي الكيلاني وجمال بنورة ووسيم الكردي وصالح أبو لبن وسميح فرج وسمير شحادة ومحمد أبو لبن وباسم الخندقجي وفاضل يونس وأسامه الأشقر ونادية الخياط ومي الغصين وكفاح طافش ومنذر مفلح وكميل أبو حنيش وعبد الناصر صالح والمتوكل طه .. وآخرون.
ومن الطريف الإشارة إلى أن كل سجين كان يهجس بالكتابة ، فيحمل قلمه ويخطّ .. باعتبار أن الكتابة شكل من أشكال الإحساس بالآدمية والحرية وامتلاك الذات ، وطريقة من طرائق الشّحذ والمواجهة والثبات.
لكنّ قليلاً منهم مَن استطاع أن يجترح صوتاً خاصاً به ، يؤهّله لأْن يصبح كاتباً بالمعنى الدقيق لحِرفة الأدب .
وتتعدد موضوعات المعتقلين .. لكنّ الغالب منها هو الأدب "التسجيلي" ، ونرى ذلك جلياً فيما كتبه قدري أبو بكر وجبريل الرجوب ونبهان خريشة وفايز أبو شماله وناصر اللحام ومحمد أبو النصر وعبد الستار قاسم ومعاذ الحنفي وسلمان جاد الله ومحمود الغرباوي وحسام شاهين ومنصور ثابت وعبد الحميد الشطلي ومحمود عفانه وعمر القاسم وعبد العزيز الرنتيسي وفؤاد الرازم وأحمد ابو حصيرة ومريم أبو دقة ويحيى السنوار وثابت مرداوي وناهدة نزال ومحمد أبو جلالة وشعبان حسونة وعلي عصافرة ولؤي عبده وناصر الدمج ومرزوق بدوي وسلمان الزريعي وابراهيم المقادمة..على سبيل المثال .
ونادراً ما نعثر على "قصيدة" اكتسبت صفة الشِعر الحقيقي ، كما لا نجد كثيراً "رواية" متكاملة العناصر ،باستثناء تجربة كميل حنيش وباسم الخندقجي ووليد دقّة ومنذر فلاح. ويبقى لدينا ما خطّه بعض الكتاب والصحفيين عن تجارب زملائهم ، أمثال ما كتبته ريموندا الطويل عن سجينات الوطن السجين ، أو ما سجّله الشاعر محمد القيسي عن تجربة أبي علي شاهين في كتابه "الهواء المقنّع" ، وما كتبه عطا القيمري عن إضراب سجن نفحة في مطلع الثمانينيات .
وقليلاً ما نجد القصة القصيرة أو المسرحية ، وكثيراً ما نجد "الخواطر" التي لا شكل أدبيا نهائيا لها ، لأنها بَوح ودفَق عاطفيّ لطيف .
ظل أن نشير إلى أن الأدب العالميّ والعربي يعجّ بالكثير من الأعمال الأدبية ، الروائية خاصة ، التي تعكس فضاء السجن والاعتقال ، بدءاً مما تركه ديستويفسكي وغرامشي الإيطالي ، وكذلك "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف ، وليس انتهاءً بِ"الأقدام العارية" و"السجينة" و"القوقعة" .
باختصار ، نحن أمام كِتابٍ يتعالى بما تضمّنه من سمات تجعله نموذجاً ، يصلح أن يمثّل ظاهرة أدب المعتقلات ، لِصدْقه وحصافته وتجلّياته المشرقة ، ولما يحمله من توجيهات ومضامين ، تؤكّد للمرّة المليون أن أسرى الحرّية هم القادة الذين ينبغي أنْ نترسّم خطواتهم نحو الشروق الآتي والأكيد .
شكراً ، أخي أسامة ، لأنك صورة حيّة للبقاء والصمود والأمل . ولأنّك تُعَلِّمنا ما يتناساه أو غفل عنه الكثيرون . وشكراً لأنك أنقذتنا من الإحباط المُدَوّي حولنا . وشكراً لأنك جعلتنا نعدّ العدّة لفرحك القادم القريب.
الكاتب : احمد دخيل
في الثاني عشر من أيلول/سبتمبر 2025، صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح "إعلان نيويورك" لتسوية قضية فلسطين بالوسائل السلمية وتنفيذ حل الدولتين. لم يكن القرار مجرد ورقة رسمية، بل كان نافذة على حلم طال انتظاره: فلسطين دولة مستقلة قادرة على العيش جنبًا إلى جنب مع جيرانها في أمن وسلام. بالنسبة لي، ابن مخيم جرمانا، لم يكن الخبر مجرد خبر، بل كان لحظة تلتقي فيها تجربة الواقع مع أمل قديم ظل في القلب سنوات طويلة.
كما صرّح نائب رئيس دولة فلسطين، السيد حسين الشيخ، بأن "اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة لإعلان نيويورك خطوة تاريخية، تؤكد دعم المجتمع الدولي لحق شعبنا في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وتفتح الطريق نحو تحقيق السلام العادل والدائم".
مخيم جرمانا ليس حيًّا عاديًا. أزقته الضيقة تختزن صخب الصيف وقرّ الشتاء، وبيوته المتداخلة تحكي شهادات لا تنتهي: صور شهداء على الجدران، شعارات العودة على الأبواب، وحكايات الوطن في الدواوين. كل شارع يحمل اسم قرية هُجّر منها الأجداد، وكأن الخرائط أُعيدت رسمها في ذاكرة الأطفال قبل دفاتر مدارسهم. كل زاوية هنا تذكّر بأننا أبناء وطن لم نفقده، حتى وإن غاب عن أعيننا.
القرارات الدولية ليست مجرد كلمات على ورق، يجب أن تتحول إلى دأب يومي، هل يكفي قرار أممي لإعادة شيخ حلم بقريته أكثر مما حلم بزوجته؟ هل يستطيع أن ينقل طفلًا من خانة "لاجئ" إلى خانة "مواطن" بعد العودة إلى وطنه؟ هذه الأسئلة أكبر من اللغة، لكنها تُشعل فينا رغبة لا تنطفئ في التغيير.
أيلول، شهر النزيف والخريف، يذكّرنا بأن سقوط الأوراق في الطبيعة يقابله سقوط الأقنعة في السياسة. تصويت الأمم المتحدة بدا لي رمزيًا: أوراق الاحتلال تتساقط، بينما يبقى الوجود الفلسطيني ثابتًا، شاهدًا على جذور فلسطين الحيّة، ونتائج التصويت تثبت ذلك.
القرار جاء بعد جهود مضنية في المحافل الدولية، أعادت فلسطين إلى صدارة الأجندة العالمية. فرنسا والسعودية لعبتا دور الرعاة لمؤتمر دولي يسعى لتحويل الاعتراف السياسي إلى مسار تفاوضي عملي، منذ لقاءات يوليو الماضي في الأمم المتحدة، هذا التنسيق الدولي فتح ثغرة في جدار الإنكار، وأكد أن الصوت الفلسطيني لم يعد وحيدًا.
في المخيم، الحقيقة تظهر بلا رتوش: الأسواق الضيقة تفوح برائحة الخبز الطازج والقهوة المرة، والأطفال يركضون بين جدران مشققة كتب عليها "سنعود". أسلاك الكهرباء الممدودة على الجدران مثل شبكة عنكبوت تتحدى فقرًا طويلًا. كل إنجاز دولي يحتاج جهدًا ميدانيًا حتى يتحول من رمز إلى حياة.
ومع ذلك، يبقى بصيص الأمل. الفلسطيني يعرف أن الأشجار عارية وأن الخريف طويل، لكنه يتمسّك بعود أخضر صغير، علامة على أن الربيع لا بد أن يأتي. الأمل يولد من تفاصيل يومية: والدي الذي رحل منتظرًا عودته، جدّتي التي خبزت على نار الصاج، وجدي المختار الذي علّق قصص النكبة في رقابنا كوصية ثقيلة. هكذا ورثنا الوطن ذاكرة وعبئًا وأملًا في آن.
القضية لا تتوقف عند التصويت، إنما في تحويله إلى فعل سياسي وأخلاقي. ذاكرة تقول للعالم: في 12 أيلول 2025، وقفتم إلى جانب الحق الفلسطيني. الاحتلال شجرة قائمة، لكنها جذع يابس تتساقط أوراقه مع كل موسم. المخيمات، بكل آمالها وآلامها، هي الشجرة الأصلية التي ما زالت جذورها تمتد في الأرض والذاكرة والقلب.
البقاء نفسه فعل مقاومة، فنحن لمن نذب ولن نذوب، الولادة في المخيم شهادة على أن فلسطين تسكننا قبل أن نسكنها، وأن كل خريف يمر لا يستطيع أن يمحو الربيع الذي نزرعه في وعينا كل يوم. وعلى العالم الذي صوّت يومًا لفلسطين أن يحوّل رمزيته إلى التزام فعلي: اعتراف يتحوّل إلى عدالة على الأرض.
المخيمات تبقى شاهدة، والدبلوماسية الفلسطينية خط الدفاع الأول عن صوتها في المحافل الدولية. هي تحمل الذاكرة، تحوّلها إلى حضور سياسي وشعوري، لتظل فلسطين حية في الضمير العالمي، حتى تعود إلى أرضها، في كل زاوية من زوايا المخيم، في كل قلب فلسطيني ينتظر عودته.
الكاتب : عيسى قراقع
في الرابع من ايلول 2025 ولد الطفل حمزة عمر عبد السلام الرباعي خلال قصف اسرائيلي، استهدف خيمة عائلته قرب مستشفى الشفاء بمدينة غزة، استشهد والده وإخوته ،واصيبت والدته الحامل به بإصابات خطيرة، واستطاع الأطباء إنقاذ الجنين الذي سمي حمزة، ولكن والدته فارقث الحياة، ليكون حمزة الناجي الوحيد من عائلته في هذه المجزرة.
يولد "حمزة" ولا شيء يشبه الميلاد، لا صرخة الحياة الأولى، لا صدر أمٍ يحتضنه، لا أب يقرأ على جبينه آية النجاة. حمزة لا يُستقبل بزغرودة، بل بانفجار، لا يحمل إليه الطبيب بشرى، بل يحمل جسده النحيل بعيدًا عن حطام سريرٍ تحوّل إلى كفن.
وُلد حمزة في غزة. ولكن هل في غزة يولد الناس؟ أم يُستخرجون من بين أنقاض البيوت كأنهم رمادٌ نجا من الاحتراق؟ حمزة ليس اسمًا عاديًا في دفتر الولادات. هو شهادة حيّة على آخر معاني الإنهاك الإنساني: طفل يولد وتدفن أمه في اللحظة نفسها. أبوه؟ قُتل. إخوته؟ قُتلوا. لا جدّة، لا خالة، لا ملجأ. ولد حمزة ليكون شاهداً، لا مولوداً فقط.
لا يُفترض بحمزة أن يكون هنا. فالاحتمالات كلها كانت ضدّه:
أم جريحة تنزف، لا تصل إلى مستشفى، بل إلى مقبرة.
حياة بلا موعد تشبه المعجزة،بلا سرير، بلا بكاء، بلا حبل سري، بلا دواء، بل اسلاك ممزقة، صرخة في الفراغ، وأحلام تولد ميتة، لا حليب، ولا هواء، لا اغنية، لا مدرسة، ولا ماء في القصيدة.
عيد ميلاد سعيد ياحمزة، هذا ما كتبه المجرم نتنياهو على القذيفة التي فجرت البيت ونسفت الخيمة.
ولد حمزة بين قنبلتين: الاولى قتلت امه، والثانية قذفته إلى حياة ناقصة، أنها الإبادة المستمرة التي لا تفرق بين رحم وراجمة، الحاخاميون في اسرائيل اباحوا قتل الأطفال الرضع قصفا وجوعا، وبلا رحمة.
عشرون ألف طفل وأكثر قتلوا في غزة، وما أكثر الملائكة في أروقة هيئات حقوق الانسان،ولكن لانرى في أيدي تلك الملائكة أية وردة، وما يزيد عن اثني عشرة ألفا قتلوا من النساء، واصبحت غزة أكثر بقعة في العالم تفيض بالارامل، فالحرب على المرأة الغزية،هي الخوف من الخلق، ومن الأنوثة التي لا تقهر، رغم الإبادة تستمر في الولادة.
من قال إن الولادة حياة؟ حمزة هنا لا ليعيش طفولته، بل ليُحرم منها، سيكبر ولا صورة لوالدته ترضعه. لا يعرف ملمس يد أبيه. لا يسمع ضحكة إخوته. سيبحث عن وجهه في مرآة مكسورة، وعن عائلته في صور محذوفة من ذاكرة الهاتف المحطّم تحت الحديد والاسمنت.
حمزة هو سؤال فلسفي عن معنى الحياة وسط الإبادة، هل الحياة حدث بيولوجي فقط؟ أم أنها تبدأ عندما يكون هناك حضن، اسم، بيت، شجرة، مستقبل؟ حمزة يُولد وسط انعدام العلاج، وانهيار النظام الصحي، وجوع الحوامل، وخوف الأمهات، وانعدام الدواء، وكثافة الموت.
ومع ذلك، هو حي:
حيٌّ لأنه لا يزال يتنفس لكنه يتنفس وسط الخراب والدم، حيٌّ لأنه لم يُقصف بعد لكنه مقصوف باليُتم، حي بلا اوراق، لكن هويته محفورة في العدم.
المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة قال: ان اكثر من 55 ألف امرأة في غزة يواجهن تحديات الحمل والولادة وسط ظروف كارثية وخطيرة، وان مجموع الاطفال الأيتام بلا والدين أو أحدهما وصل إلى أكثر من 56 الف يتيم.
اطفال ولدوا تحت الانقاض، رضعوا الرعب والدخان، لقد جفت أثداء الامهات، ولدوا وفي داخلهم اصوات انفجارات، وشهقات جدران.
حمزة ليس مجرد طفل فلسطيني. هو السؤال الكامل عن العدالة، عن العار، عن العجز. هو سؤال في وجه العالم: لماذا يولد حمزة بلا أم، بلا وطن، بلا غد؟ ولماذا تستمر الحياة، كأن لا شيء حدث؟
في زمن الحرب، تصبح الولادة مأساة إضافية. يصبح جسد المرأة الحامل ساحة صراع، ويصبح الرحم آخر ملاذ آمن قبل أن يُقصف هو الآخر. والدماء لا تعني ولادةً فقط، بل فاجعة، فالنساء مستهدفات، لأنهن اعدن تعريف اجسادهن، لا كمساحات للالم، بل كجبهات مقاومة.
حمزة وُلد ليروي لنا ما لا يُروى: عن أمه التي قاومت حتى النفس الأخير، ليخرج محروما من الأمومة، عن والده الذي حُرم من ضمّه، عن وطنٍ تُولد فيه الحياة من رحم الموت، وتُزهق فيه الطفولة قبل أن تنمو، عن مفردات ليس فيها الا اسماء الصواريخ وانواع الاسلحة، عن أشكال الموت: الصاخبة والمكتومة.
لقد نجا حمزة وخرج من فم القنبلة، في حين استشهد أكثر من450 رضيعا، ولدوا في الحرب ، وفي حين مسحت أكثر من ألفي أسرة من السجل المدني خلال حرب الابادة، طفل يقتل في غزة، وطفولة العالم تنكمش خائفة، لكن حمزة يولد من بين الحطام والصمت، من زوايا الذاكرة.
حمزة ينام الان في حضن الغبار والخوف، لا يدري ان كان في هذا الشتاء مطرا يكفي حقول الصيف، ولكن اثبت التشريح الاممي لجسد غزة، إن هناك طفلا اسمه حمزة، يمسك بيده اليسرى وجه القمر، وبيده اليمنى وجه الرعد، يقولون إن القنابل تقتل، لكنهم لم يقولوا أنها قد تلد الحرية، حمزة طائر وحيد حرك أشجار الحقيقة، وملأ فضاءها بالاجنحة.
الطفل حمزة المولود من فم القنبلة ماذا يحلم الان؟ ربما حلما لا يشبه الغياب، ونوما لا ينتهي بانفجار، يحلم أن يكون طفلا فقط، لا رمزا، لاشهيدا، لا رقما في نشرة الاخبار، أن يكون للحلم مكان.
يا حمزة:
لو سألوك يوما:
من رباك؟
قل لهم الحرب
لو سألوك:
من علمك الكلام؟
قل لهم الصمت
ولو سألوك:
إلى اين؟
قل لهم:
إلى أن يجد العالم ضميره.
الكاتب : أحمد صيام
قمة الدوحة العربية الاسلامية غدا ، القمة التي تأتي بعد غدر اعتاد عليه بنو اسرائيل ، فدولة قطر الداعمة للسلام الشامل والعادل ، وتبذل جل الجهود لوقف الابادة وجرائم الدولة المنظمة من قتل وتجويع التي يتعرض لها ابناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ، والفصل العنصري والتطهير العرقي التي يواجهها فلسطينيو القدس والضفة الغربية ، والى حد ما اهالي الخط الاخضر، وبوادر حُسن النية والعلاقات الدافئة التي تحاول الدولة القطرية نسجها مع الدولة العبرية ، على أمل الوصول الى حل عادل يضمن احقاق الحقوق الوطنية الفلسطينية والعربية المشروعة ، ضربت الاخيرة عرض الحائط بكل هذه المُعطيات وغدرت بدولة قطر وهاجمتها بقوة مدمرة بذريعة اغتيال قادة حركة "حماس" المُستضافين في اراضيها بطلب أمريكي حسب تصريحات قطرية ، وهو ما استدعى بعض الدول العربية والاسلامية الى الاستنفار والدعوة الى عقد قمة طارئة غدا في العاصمة القطرية لدراسة كافة الاحتمالات وآليات الرد على العدوان والغدر الاسرائيلي .
قمة الدوحة غدا تُمثل فرصة تاريخية لرد الاعتبار العربي وتصفية الحسابات وهذه الدولة المارقة ، التي لا تفهم سوى لغة القوة ، وعلى العرب ان لا يُغفلوا حقيقة هذا الكيان الذي تحكمه معتقدات تلمودية تعود الى عهود سابقة ، وعبر عنها مسؤوليه صراحة وجهارا نهارا ، موضحين انهم سيفعلون بالعرب كما فعل يوشع بن نون عندما استباح القدس وقتل وذبح كل من فيها ، وها هي شخصية يوشع بن نون تتجسد في ثالوث تلمودي يميني متطرف ، يحكم ويتحكم بالدولة العبرية ومصيرها ، ويحلم ببسط سيطرته على كل الارجاء المحيطة بكيانهم منطلقا من ان عرقهم يتفوق على كل الاعراق التي لا يُمكن ان تكون الا خدما وعبيدا لهم ، ثالوث ، كبيرهم - بنيامين نتنياهو - الذي تتسم شخصيته بالنرجسية والعنجهية ولا يهمه الا بقائه في سدة الحكم – دون ان يُدرك ، او يٌدرك – انه يقود دولته الى حافة الهاوية والسقوط ، ويقود المنطقة الى كارثة وحرب ضروس ستأكل الاخضر واليابس لتحقيق احلامه واوهامه .
في قمة الدوحة التوقف من الاستنجاد والاعتماد على أمريكا ، فهي شريك في استهداف الامة العربية ، ولا تعُدها حليفة لها ، انما ادوات تستخدمها متى شاءت ، وتعتبر العرب فقط مصدرا تجني من خلاله امولا تُمول فيه تفتيت الامة ، والعدوان الاخير الذي استهدف دولة قطر، لم يكن اسرائيلي فقط ، انما صهيوامريكي وبضوء اخضر من زعيم يتشارك في شخصيته النرجسية المتغطرسة الحقودة ، رئيس حكومة الدولة العبرية نتنياهو، وما هو الا رسالة بان " لا احد على رأسه ريشة " والوطن العربي مستباح وما العرب الا خراف ستُبذبح دون سابق انذار وبلا رحمة !!
الصمت العربي عن العدوان الصهيوامريكي الذي استهدف من قبل لبنان وسوريا واليمن ، ومنذ نحو عامين الاراضي الفلسطينية المحتلة ، وخاصة قطاع غزة ، وتُوج باستهداف دولة قطر ، كشف حقيقة هذا الكيان الاجرامية البربرية الوحشية ، دون ادنى احترام للمواثيق والاعراف الدولية ، وانه لن يتوانى عن تدنيس العواصم والحرمات العربية .
قمة الدوحة ربما الفرصة الاخيرة لاستعادة الهيبة العربية ، ورد الاعتبار ، وغسل الشرف العربي ، والعرب مطالبون بالخروج عن صمتهم والتوقف عن اصدار بيانات الادانة والاستنكار والتحذير، التي استغلها قادة الدولة العبرية افضل استغلال وبدعم امريكي مطلق ، في امتهان الكرامة العربية واستباحة السيادة والشرف العربي ، وعلى العرب الان اعلاء الصوت وتبيان قوتهم واستغلال اوراقهم الرابحة بما يملكونة من مُقدرات ، والتمترس بموقف واحد موحد يتصدى ويواجه العربدة الصهيوامريكية ، والوقوف الى جانب اشقائكم في فلسطين الذين يدافعون عن شرف الامة العربية جمعاء ، وهم الحصن المنيع حتى اللحظة بوجه المخططات الاستعمارية التي تستهدف الامة العربية ومقدراتها ، والتأكيد ان فلسطين وشعبها ليست وحيدة ، وما نضال الشعب العربي الفلسطيني ومقاومته الا وسيلة لاسترداد حقوقه المغتصبة وصولا الى الحرية والاستقلال ، وخلفه أمة عربية موحدة ، جنحت للسلم في وقت ما ، ليس خنوعا انما طمعا بالعيش الكريم وايمانا بحق الجميع في العيش بكرامة ، الا انها قوبلت بالفخاخ والغدر والتضليل والخداع .
ومن هنا ما على الامة العربية الا مراجعة حساباتها السابقة ، وان تعي جيدا حقيقة الدولة العبرية وداعمتها الولايات المتحدة الامريكية ، وحقيقة أن المنطقة تقف أمام منعطف تاريخي حاسم يفرض ضرورة وضع حد للتحديات التي تمثلها إسرائيل ، اولا بامتلاك الارادة الصلبة والعزيمة القوية ، والبدء الفوري بمراجعة العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الدولة العبرية ، خاصة الدول العربية التي تربطها علاقات متبادلة مع دولة الكيان كالامارت ومصر والاردن ، والامر ذاته مع الولايات المتحدة شريك اسرائيل في المخططات والاهداف ، والضغط على حلفائهما وشركائهما الغربيين ، خاصة وان دول الخليج تزود العالم بما يقارب اربعين بالمئة من احتياجاته من الطاقة ، والتهديد بقطعها ، والاستمرار في محاصرة دولة الكيان في المحافل والمحاكم والمنظمات الدولية ، وهو المسار الذي بادرت دولة قطر إلى تفعيله منذ وقوع العدوان الصهيوامريكي الأسبوع الماضي ، والاعداد الجيد لكل الاحتمالات بما فيها احتمال المواجهة العسكرية .
الكاتب : بكر أبوبكر
من حق الشعب العربي الفلسطيني الثورة والكفاح والنضال بكافة الأشكال وهذا ماكفلته له كافة المواثيق الدولية من جهة، وأيضًا ما شرّعته الأديان والقيم والأخلاق والمباديء التي لا تقبل أن يكون الضعيف مستباحًا لظالم أو مستبد أو قاتل متسلسل يلبس زي القائد .
منذ مظلمة قبيلة بني إسرائيل القبيلة القديمة المنقرضة أمام فرعون الطاغية، ومنذ طغيان وجبروت أعداد لم تتناقص جابت التاريخ أمثال جنكيز خان ونابليون وأباطرة روما والفرس، وصولا الى هتلر وموسوليني والصهيونية-المسيحية في أمريكا، وما كان من المقتلة العظمى للعبيد على يد الطغاة من النخاسين ومشتري العبيد في أوربا وامريكا.
ومنذ الاضطهاد الذي تعرض له اليهود من الجنسيات الأوربية المختلفة على مدار مئات السنين ظل حق المقاومة والرفض للظلم والكفاح ضده متاحًا بالأشكال المختلفة التي تتنوع بحسب كثير من العوامل التي يترك تقديرها لقيادة حكيمة وليست سقيمة.
منذ الاضطهاد اللامنتهي الذي يتعرض له العربي الفلسطيني على الأقل منذ النكبة الأولى عام 1948 وحتى اليوم وما خالط هذه الفترات من صعود وهبوط واختلاف أشكال الكفاح كان الشعب العربي الفلسطيني يسير نحو الحرية والاستقلال بكل جهد يبذله، وإن كان اخفاقه في مراحل معينة في امتحان الوحدة بدا واضحًا فإن نجاحه وبقيادة ياسر عرفات قد أنتج مسارًا ورواية لا تبلى مع الزمن لشعب مضطهد ومحتَل وتمارس بحقه أبشع المجازر في هذا العصر حتى اليوم.
مناسبة هذا الكلام هو ما قد يحصل في القمة السنوية للجمعية العامة في نيويورك (9-23/9/2025م) من اعترافات لعدد من الدول بما يسمونه حل الدولتين، خاصة بعد الأغلبية الساحقة في الجمعية العامة المؤيدة لإقامة الدولة (12/9/2025م)، والذي كان الأجدر اعترافهم وعملهم التنفيذي لتحرير أو تجسيد دولة فلسطين القائمة لكنها المحتلة هذا من جهة، ومن جهة ثانية أن كثيرا من التقديرات تشير لضعف الاعترافات حتى لو حصلت من دول أوربية لها ماضٍ عريق بالاستخراب (الاستعمار) ومظلمة التاريخ. بمعنى أن لا شيء قد يحول دون تمادي الاحتلال الصهيوني حتى لو اعترف كل العالم بدولة فلسطين؟ (غير معروفة ماهية الدولة لاسيما ولا رادع أو تحديد للمطلوب من الإسرائيلي أو إلزامه بأي شيء) مادام الاحتلال الإسرائيلي بوجهه العنصري الأبارتهايدي القبيح يصرّ على مواصلة المجازر والمقتلة والإبادة الجماعية.
لم يعد الاعتراف بدولة فلسطين (سياسيًا) هكذا ذو قيمة حقيقية والإبادة لم تتوقف وحتى لو توقفت، كيف يقف العالم عاجزًا أمام مقاضاة ومعاقبة القاتل على شروره؟ إن هذا الأمر معضلة حقيقية لكل المؤسسات العالمية التي صنعت-ولو نظريًا-لردع المعتدي ونصرة الضعيف تحقيقًا للمباديء السامية للامم المتحدة وحقوق الانسان.
إن المعركة الانسانية الكبرى أمام العالم الآن هي تحقيق أو تحرير دولة فلسطين القائمة ولكنها تحت الاحتلال بالزام المحتل بذلك عبر قرارات الامم المتحدة وأيقاع عقوبات العالم على الممتنع عن التفيذ، وإن المعركة الكبرى أمام العالم اليوم هي إجبار المحتل على التسليم بذلك، والا لا قيمة لأوراق عليها توقيعات سياسية، ولننظر كيف تعامل العالم مع ورقة بلفور إذ أدرجها في صكّ الانتداب، وأصبحت دستورا للاحتلال البريطاني الذي كرس ماديًا بكل قواه الدولة الإسرائيلية على أرض فلسطين.
إن المعركة الكبرى بجعل العقوبات العالمية (والبداية قد تكون من الامة العربية والاسلامية) حقيقية ملموسة، وليست بيانًا سياسيًا أو شعارات تدغدغ عواطف الجماهير اللاهية أو الحالمة، أو جدالًا من يقدم أو لا يقدم للسلام. ولا يجب أن تكون مناورة فهذا وقت العالم أجمع ليقف ضد الإبادة الإسرائيلية والتهجير والمقتلة التي اعترف بها العالم كما وقف عالم ما بعد الحرب الأوروبية (المسماة العالمية) الثانية مع يهود أوروبا وقرر أن ينتزعهم من بلادهم ليصبحوا مقيمين في فلسطين.
يقول الكاتب الانجليزي "آلان رسبريدجر" أن "إسرائيل" تسلك مساراً مشابهاً لجنوب أفريقيا في عهد الفصل العنصري، ولم تعد الإدانات كافية، بل العقوبات هي الخيار الوحيد. والى ذلك دعا "ماثيو باريس" في صحيفة "تايمز"، إلى فرض عقوبات حقيقية من جانب المجتمع الدولي بهدف صريح وهو التخلص من نتنياهو وحكومته الفاسدة.
لقد تغير الرأي العام العالمي ومن الامثلة ما حصل مع أحد مراسلي صحيفة اندبندنت ، "كريس ماغريل" الذي تناول بمرحلة سابقة بدقة أوجه الشبه بين نظام الفصل العنصري الذي عايشه عن قرب في وطنه-جنوب إفريقيا، و"إسرائيل" التي غطى أخبارها على مدى أربعة أعوام بجدارة. وفي المثال الآخر نجد "بنيامين بوغروند"، نائب رئيس تحرير صحيفة "راند ديلي ميل" السابق، وهي صحيفة عرفت بسجلها البارز في مقاومة الفصل العنصري. فبعدما أمضى 26 عاماً في القدس، كتب بلا لبس: "لا مجال للمقارنة". لكن عجلة الزمن دارت، وقبل أكثر من عامين، تراجع بوغروند عن موقفه واعتبر ما يحصل في فلسطين (هذا قبل 7/10/2023م) فصلًا عنصريًا. (أنظر مقال: آلان رسبريدجر-حان وقت معاملة "إسرائيل" كما عوملت جنوب أفريقيا أيام الفصل العنصري).
إن التغير العالمي قد يقترن بكل أشكال النضال كما قلنا، ومنه الإعلامي والسياسي (أنظر الدول التي قامت بخطوات عملية فقطعت علاقاتها مع دولة العدوان مثل: بوليفيا وبليز وكولومبيا، وما تقوم به اسبانيا). والسلمي والجماهيري وفي تحصين الرواية، وفي القانون أيضًا هناك معركة كبرى.
فعندما تصدر المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق نتنياهو ووزير حربه السابق غالانت في 21 /11/ 2024، وعندما تخلص محكمة العدل الدولية عام 2024 - إلى أن "إسرائيل" تمارس إبادة جماعية في هجومها على غزة، وكذلك الأمر مع منظمات 7 عالمية وازنة مثل: منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمة الفجر الجديد، ومنظمة بتسيلم، وأطباء من أجل حقوق الإنسان، والمقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟ واخيرا وليس آخرا عندما تقرر "IAGS" الرابطة الدولية لعلماء أو دارسي الإبادة الجماعية : أن سياسات "إسرائيل" وأفعالها في غزة تُشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية كما هو مُعرّف في القانون الإنساني الدولي ونظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية. فإن هذا الأمر يضع أمام الوحدة الفلسطينية والقيادة الفلسطينية ومعها العربية (خاصة بعد غزوة الدوحة) والعالم جدولًا مزدحمًا وحقيقيًا لتفعيل منطق المقاطعة والعقوبات الحقيقية والتي بدونها يجرد الضعيف من أسلحته الديمقراطية في مواجهة الضاري.
الكاتب : د. ماهر الشريف
يبدو أن العدوان الإسرائيلي على قطر، في التاسع من أيلول/سبتمبر الجاري، لم يحقق الأهداف المرجوة منه، إذ تشير بعض التقارير إلى أن قادة حركة "حماس" الرئيسيين المستهدفين غادروا الغرفة التي استهدفتها الطائرات الإسرائيلية، تاركين هواتفهم على الطاولة، وهو ما ضلل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، التي اعتمدت على الإشارات الإلكترونية الصادرة عن هذه الهواتف. ومع ذلك، فقد استشهد في العدوان، ستة أشخاص هم نجل القيادي خليل الحية، ومدير مكتبه وثلاثة من حراسه الشخصيين، فضلاً عن ضابط أمن قطري. كما أشير إلى إصابة اثنين من قادة الحركة بجراح (1).
بيد أن السؤال الذي شغل بال المحللين وحيّرهم هو ما حقيقة موقف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من هذا العدوان، وخصوصاً بعد صدور تصريحات متناقضة بشأن ذلك من الإسرائيليين والأميركيين على حد سواء، وبروز التباس بشأن تبادل المعلومات حول هذا الهجوم وحول كيفية وقنوات وتوقيت إبلاغ واشنطن بالعملية؟.
هل أعطت إدارة ترامب الضوء الأخضر للعدوان؟ ..
خلافاً لمزاعم بنيامين نتنياهو بأنه أعطى أوامره بتنفيذ عملية "قمة النار" التي استهدفت قطر عقب الهجوم الفلسطيني الذي وقع في مدينة القدس، يوم الاثنين في الثامن من هذا الشهر، ونفذه شابان لا علاقة لهما بأي فصيل، فإن من المؤكد أنه قد جرى التخطيط لهذه العملية منذ شهور عديدة، وكانت موضوع اجتماعات أسبوعية محدودة للغاية بين عدد من المسؤولين الأمنيين ورئيس الوزراء الإسرائيلي، وبالتالي لا يمكن أن تكون الإدارة الأميركية بعيدة عن هذا التخطيط. وبينما صرح مسؤول كبير في البيت الأبيض لوكالة "فرانس برس" أن واشنطن تلقت تحذيراً من إسرائيل، أكدت مصادر إسرائيلية وأميركية، لم تكشف عن هويتها، أنه نظراً لأهمية العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، والعلاقات القائمة بين واشنطن والدوحة من جهة أخرى، فإن من المُستبعد جداً أن يكون هذا الهجوم الإسرائيلي ممكناً لولا موافقة دونالد ترامب عليه، وخصوصاً أن الرئيس الأميركي كان وجّه قبل يومين من وقوعه "إنذاراً أخيراً لحماس، حثّها فيه على قبول اقتراحه"، وكتب على موقعه الإلكتروني: "لقد حذّرتُ حماس من عواقب الرفض، وهذا تحذيري الأخير، ولن يكون هناك غيره!" (2).
من جهة أخرى، نقلت "القناة 12" الإسرائيلية وموقع "واي نت نيوز" عن مسؤول إسرائيلي تأكيده أن واشنطن "أُبلغت قبل الضربة، وأن ترامب أعطى الضوء الأخضر للعملية"، في حين أشار موقع "ميدل إيست آي" إلى أن الغارات الجوية في الدوحة كانت "مُنسّقة مسبقاً مع الإدارة الأمريكية". وقالت شبكة "CNN" الأميركية، نقلاً عن مسؤول إسرائيلي، إن الولايات المتحدة "أُبلغت قبل الضربة على قطر" (3).
مواقف أميركية متضاربة إزاء العدوان ..
وصف الرئيس الأميركي الهجوم الإسرائيلي بـ "الحادث المؤسف"، وكتب على موقع التواصل الاجتماعي الخاص به: "أن قرار تنفيذ الهجوم على قطر اتخذه رئيس الوزراء الإسرائيلي وليس هو". ومساء الثلاثاء في التاسع من هذا الشهر أعلن، خلال حديث مقتضب مع الصحافة قبل توجهه لتناول العشاء في مطعم قرب البيت الأبيض: "أنا مستاء للغاية"، وأوضح أن الولايات المتحدة "حذرت قطر، لكن التحذير وصلهم للأسف متأخراً جدًا لوقف الهجوم". أما المتحدثة باسم الرئاسة كارولين ليفيت، فقد ذكرت أن "القضاء على حماس يُعد هدفاً جديراً بالثناء"، إلا أن الضربة التي استهدفت قطر جعلت الرئيس "منزعجاً للغاية"، ذلك إن "قصف قطر من جانب واحد، وهي دولة ذات سيادة وحليف وثيق للولايات المتحدة تعمل بجد وشجاعة وتخاطر للتفاوض على السلام [في غزة]، لا يخدم أهداف إسرائيل أو أميركا". وفي مؤتمر صحفي عقدته، صرحت كارولين ليفيت: "أُبلغت إدارة ترامب صباح اليوم (الثلاثاء) من قِبل الجيش الأميركي بالهجوم الإسرائيلي المُرتقب، فأمر الرئيس ترامب المبعوث (ستيف) ويتكوف فوراً بإبلاغ قطر بالهجوم الوشيك، وهو ما فعله". وأضافت أن الرئيس الأميركي أكد لقادة قطر أن "مثل هذا الأمر لن يتكرر على أراضيهم" (4).
لكن المسؤولين القطريين نفوا تلقيهم تحذيراً مسبقاً من الولايات المتحدة بشأن الضربات الإسرائيلية، إذ ذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، "أن مزاعم إبلاغ قطر مُسبقاً بالهجوم لا أساس لها من الصحة، فقد أُجريت المكالمة من مسؤول أميركي في الوقت الذي سُمعت فيه الانفجارات في الدوحة". أما رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد عبد الرحمن آل ثاني، فقد كان أكثر وضوحاً، إذ حرص على استعراض التسلسل الزمني للأحداث، فقال: "بدأ الهجوم الساعة 3:46 مساءً؛ تلقينا أول اتصال من مسؤول أميركي الساعة 3:56 مساءً، بعد عشر دقائق من بدء الهجوم"، وأضاف: "عندما اتصلوا بنا، كان دوي الانفجارات قد بدأ بالفعل" (5).
إسرائيل تحاول أن تبعد الشبهة عن إدارة ترامب ..
عقب الهجوم على قطر، صدر بيان عن مكتب بنيامين نتنياهو يؤكد أن إسرائيل تتحمل المسؤولية الكاملة عن ذلك الهجوم، وورد فيه: "إن العملية التي نفذت اليوم ضد كبار قادة حماس الإرهابيين كانت عملية إسرائيلية مستقلة بالكامل، فإسرائيل بادرت إليها، وإسرائيل نفذتها، وإسرائيل تتحمل المسؤولية الكاملة عنها".
وفي مناسبة دعت إليها سفارة الولايات المتحدة في القدس في مساء اليوم نفسه، أعلن بنيامين نتنياهو أنه أمر بهذه العملية "لتصفية الحسابات" مع قادة "حماس"، و"لضمان أمن مواطني إسرائيل في المستقبل"، مؤكداً: "انتهاء أيام الحصانة التي كان يتمتع بها قادة الإرهاب في كل مكان"، وأضاف: "لقد نسي الكثير من العالم، بما في ذلك الكثير من العالم الديمقراطي، أو على الأقل الحكومات، يوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر بصورة مخجلة، لكنني لا أنسى، وإسرائيل لن تنسى أبداً". أما سفيره لدى الأمم المتحدة، داني دانون، فقال يوم الأربعاء في العاشر من هذا الشهر: " كان هذا القرار صائباً؛ لا نتصرف دائمًا بما يخدم مصالح الولايات المتحدة"، وأضاف لإذاعة 103FM الإسرائيلية: "ننسق مع واشنطن، وهم يقدمون دعماً هائلاً لنا ونحن نقدّر ذلك، لكننا أحياناً نتخذ قرارات ونبلغ الولايات المتحدة، أحياناً نبلغهم مسبقاً، وأحياناً أثناء سير العملية" (6).
ما طبيعة العلاقة بين حكومة نتنياهو وإدارة ترامب اليوم؟ ..
يرى إبراهيم أومنصور، الباحث المشارك في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية" في باريس، والمتخصص في السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، أن جوهر المشكلة في العلاقات الأميركية-الإسرائيلية اليوم يكمن في أن الأميركيين "يجدون أنفسهم محاصرين، إذ لا يزال دعم إسرائيل ثابتاً، لكن السياسة الإسرائيلية تتحرر تدريجياً من السيطرة الأميركية على المستويين الاستراتيجي والعسكري". فقد استهدفت إسرائيل بالفعل، قبل الهجوم على قطر، لبنان وسورية وإيران، لكنها لم "تواجه ضغوطاً أميركية"، وهو "ما جعل حكومة نتنياهو مقتنعة بقدرتها على الضرب أينما تشاء"، ودفع رئيس الكنيست، أمير أوحانا، إلى التصريح يوم الثلاثاء الماضي، بأن العملية في قطر تُمثل "رسالة إلى الشرق الأوسط بأكمله".
ويعتقد إبراهيم أومنصور أن إسرائيل "تتصرف بصورة متزايدة كدولة مارقة"، ويرى حكامها أنهم "قادرون على كل شيء، حتى إن حياة الرهائن أصبحت ثانوية بالنسبة إليهم مقارنة بالأهداف المحددة"، ويتساءل: "كيف يُمكننا فهم مستقبل هذه العلاقة بين حامي تاريخي ودولة تتهاون بصورة متزايدة مع القانون الدولي؟"، وذلك قبل أن يجيب بأن "التخلي عن إسرائيل أمرٌ مستحيل، فالقضية الإسرائيلية هي أيضاً قضية سياسية داخلية، ويتمتع دونالد ترامب بعلاقات أقوى من سلفه مع اليمين الإسرائيلي المتطرف...وإدارته مخترقة من اليمين الأميركي المتطرف، المؤيد بشدة لإسرائيل على المستويين الأيديولوجي والديني" (7).
ووفقاً لمسؤولين أميركيين سابقين، فإن دونالد ترامب "أعرب أحياناً عن استيائه من بنيامين نتنياهو منذ عودته إلى الرئاسة الأميركية في كانون الثاني/يناير الماضي"، لكن إدارته "قدمت دعماً ثابتاً للحملة العسكرية الإسرائيلية ضد حماس، ما سمح للدولة اليهودية أيضاً بتولي زمام المبادرة في قضايا مهمة، مثل البرنامج النووي الإيراني". وفي هذا الصدد، يقول آرون ديفيد ميلر، مفاوض السلام الأميركي السابق والزميل في مؤسسة "كارنيغي للسلام الدولي"، بخصوص الهجوم على الدوحة: "في هذه النقطة، أعتقد أن دونالد ترامب منزعج من تكتيكات بنيامين نتنياهو، لكنه يتفق غريزياً مع وجهة نظر نتنياهو القائلة بأنه لا يمكن تدمير حماس كمنظمة عسكرية فحسب، بل يجب إضعافها جذرياً" (8).
هل يمكن أن تتعرض طموحات ترامب الدبلوماسية الكبرى للخطر؟ ..
يرى العديد من المحللين أن عدوان إسرائيل على قطر قد يُحبط خطط دونالد ترامب الدبلوماسية في المنطقة ويُشكك في مصداقيته. فوفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز"، ولتحليل "CNN"، فإنه "في حين أن من غير المرجح أن تُلحق الأحداث في الشرق الأوسط الضرر بصورة دونالد ترامب السياسية في الولايات المتحدة، التي تُشغلها نقاشات أخرى، فإن الهجوم الإسرائيلي، في وضح النهار في الدوحة، قد يُلحق الضرر بصورته كـصانع سلام قوي ومؤثر في الخارج، لا سيما وأن الهجوم وقع في الوقت الذي كان يجتمع فيه مسؤولو حماس لمناقشة اقتراح وقف إطلاق النار الذي يدعمه دونالد ترامب". أما صحيفة "نيويورك ديلي"، فتقدّر أنه "منذ توليه منصبه، اتسمت استراتيجية الرئيس الأميركي بـتجاوز المواعيد النهائية، وبالتهديدات الغامضة وبالتصريحات المتناقضة حول كيفية تحقيق إسرائيل هدفها المتمثل في القضاء على تهديد حماس". كما أن هجوم الدوحة، الذي أدانه قادة المنطقة بالإجماع، قد "يُضعف أحد أهم طموحات دونالد ترامب الدبلوماسية: دفع عملية تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية قدماً، ويجعل، في الوقت نفسه، قادة دول الخليج الأخرى، بما فيها المملكة العربية السعودية، يتساءلون عما إذا كانت إسرائيل، على الرغم من علاقاتها الوثيقة بواشنطن، قادرة على ضربهم دون عقاب مثل قطر، وفقًا لشبكة CNN" (9).
في السياق نفسه، يعتقد جان بول غنيم، الباحث المشارك في "معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية" في باريس، أن إسرائيل، بهجومها على قطر، "ارتكبت خطأً قد يكون له عواقب وخيمة على مستقبل العلاقة التي بنتها بجهدٍ مُضنٍ مع بعض دول الخليج، وعلى المصالح الأميركية في المنطقة"، مقدّراً أن هذا الهجوم قد "يترك ندوباً عميقة في علاقة الولايات المتحدة بالمنطقة"، وخصوصاً "بعد جولة الرئيس الأميركي التجارية المظفّرة في المنطقة في أيار/مايو الماضي، ومئات المليارات من الوعود بالشراء والاستثمارات التي جُمِعت من دول الخليج". فدول المنطقة الأخرى لن تتمكن، كما يضيف، "إلا من ملاحظة انحياز الأميركيين الأعمى لسياسة بنيامين نتنياهو المغامرة"، وقد "يدفع هذه الدول بلا شك إلى إعادة النظر في مستقبل هذه العلاقة" (10).
وإذا كان من المرجح أن يُضعف الهجوم الإسرائيلي على قطر آمال دونالد ترامب في رؤية دول خليجية أخرى تنضم إلى ما يُسمى بـ "اتفاقيات إبراهيم"، التي أُبرمت خلال فترة ولايته الأولى، فإن "الانفصال بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو يبدو مستبعداً"، وفقًا لمايكل أورين، السفير الإسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة، الذي يُسلّط الضوء على "رغبة قطب العقارات السابق في إبرام الصفقات واستعراض القوة كحلول للحروب"، ويقول: "إذا استطاع بنيامين نتنياهو الاستمرار في تلبية رغبات كلا الجانبين، فلن يواجه أي مشاكل، لست قلقاً بشأن هذه العلاقة".
أما جوناثان بانيكوف، مسؤول الاستخبارات الأميركي السابق في الشرق الأوسط، فيقول: "يمكن للولايات المتحدة مواصلة إقناع إسرائيل ودفعها لاتخاذ قرارات، لكن بنيامين نتنياهو سيواصل التصرف بما يعتقد أنه الأفضل لمصالح إسرائيل فحسب" (11).
خاتمة: هناك بديل للعلاقات المتميزة مع الولايات المتحدة ..
أثبت العدوان الإسرائيلي على قطر أن حكومة بنيامين نتنياهو باتت تشعر بفائض قوة يسمح لها باستباحة سيادة أية دولة عربية، وأن الركون إلى العلاقة المتميزة مع الولايات المتحدة لم يعد مجدياً لوقف هذا الجموح العدواني لهذه الحكومة، الأمر الذي يفرض على الدول العربية، وخصوصاً في الخليج، أن لا ترهن نفسها لهذه العلاقة وأن تستفيد من التحوّلات الجذرية التي يشهدها العالم، والتي تجعله يتحوّل، شيئاً فشيئاً، إلى عالم متعدد الأقطاب، وهو ما دلّ عليه الاجتماع الأخير لدول "مجموعة البريكس" في مدينة ريو دي جانيرو في تموز/يوليو الماضي وما أبدته من نزعات استقلالية على الصعيدين الاقتصادي والدبلوماسي، وكذلك استعراض القوة في بكين في 3 أيلول/ سبتمبر الجاري، الذي بيّن قدرة القادة الصينيين على حشد حلفائهم، مثل الزعيم الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، فضلاً عن الزعيم الهندي ناريندرا مودي، الذي كانت بلاده تاريخياً على علاقات متوترة مع الصين.
* باحث ومؤرخ في مؤسسة الدراسات الفلسطينية – بيروت.
الكاتب : إياد أبو روك
اكتب هذه السطور كمن يعيد تركيب مشهد شاهده من وراء الستار. لا ارى السابع من اكتوبر بوصفه انفجارا عارضا في مسار متوتر اراه نهاية سيناريو بدأ قبل ذلك بعام كامل على الاقل خطط له بدم بارد واستدرجت اليه الاطراف خطوة خطوة حتى بدت اللحظة الفاجعة ساعة وقوعها كأنها الصدفة ذاتها. لكن الصدفة لا تحكم قبضتها بهذه الدقة ولا تهيئ المسرح بهذه العناية ولا تخرج المشهد بهذه الكثافة من الرموز والنتائج.
في تقديري جوهر الحكاية يبدأ من الحدود. تلك الحدود التي لطالما قدمت لنا على انها الاكثر تحصينا في المنطقة. سياج مزدوج اجهزة استشعار حساسة رادارات وكاميرات نهارية وحرارية ابراج مراقبة تتناوب عليها عيون مدربة وطائرات مسيرة لا تكف عن الدوران. في الاحوال العادية لا يقترب طيف من الاسلاك الا وتلتقطه العدسات ولا يختل حجر في بقعة رملية الا وتستجيب غرفة عمليات. فكيف انهارت المنظومة كلها في ساعات الفجر الاولى؟ كيف انفتح الباب الذي قيل انه لا ينفتح؟ كيف عبر الالاف لا افرادا متسللين ولا مجموعات متناثرة بل ارتالا تعرف طريقها وتوقيتها واهدافها؟ هنا تحديدا تتكسر رواية المفاجأة على صخرة الواقع التقني. ويظهر من ثنايا الصمت معنى الترتيب من الداخل.
اعتقد ان الخيط الاول لهذا الترتيب كان عميلا مزدوجا مدرب على يد الموساد الإسرائيلي تم به الدفع ليقدم نفسه لحماس قبل عام من اليوم المشهود بصفته صاحب منصب حساس على الحدود. وهو على خلاف بقادته الذين يتعاملون معه معامله غير لائقة لكونه ليس إسرائيليا خالصا ولم يحظ بالتقدير الكبير او بالترقية التي يستحقها. تحدث بلغة الداخل الامني عرض خرائط وثغرات واعطى اجابات تشبه ما يتوق السامع لسماعه: هنالك نقاط ضعف هنالك فترات شلل هنالك مسارات بديلة لا تراها الرادارات. لم يكن يسرب معلومات وحسب؛ كان يزرع يقينا ويصنع ايقاعا ويدفع نحو قرار يريده خصومه اكثر مما تريده الحركة نفسها. هكذا تنمو الثقة: تلقى التفاصيل الصغيرة بانتظام تختبر في الميدان فتبدو صادقة يتزامن التصديق مع حاجة نفسية الى لحظة نصر تاريخي تتمناها حماس بشغف واستعداد تام لها لطالما ان الأجواء متهيئه فيتماهى الحساب البارد مع الحلم الساخن ويستوي الطريق.. وعلى الجانب الاخر كانت شبكة الموساد تعد الخطة التي سوف توقع بها فريستها لتحقق حلم إسرائيل الكبير والدولة الصهيونية العميقة !!.
وما كان للطريق ان يكتمل من غير مشهد جماهيري يثبت السردية ويمنحها قوة الدليل المرئي. لهذا بدت لي الحفلة الموسيقية قرب الحدود قطعة اساسية في المسرح لا خلفية بريئة. ان يبدأ الاحتفال عند الواحدة ليلا وان يمتد حتى الخامسة صباحا وان يتجمع مئات الشباب والطلاب من جنسيات شتى على مسافة الالف الأمتار من غزة وتحديدا يستمر الحفل الي الساعة الخامسة صباحا وهم في حاله مخمورة ولم يغادروا باكرا. كل ذلك يصعب تسويغه عسكريا في منطقة تعد بالغة الحساسية. اي جهاز أمنى يوافق على مثل هذا التوقيت وذلك المكان؟ واي صدفة تجمع هذا العدد من الاجانب في ليلة ستصبح بعد ساعات عنوانا للدم عبر شاشات العالم؟ حين تحول الحفل الى مائدة موت لم يعد المشهد مجزرة ضد مستوطنين فحسب صار جريمة ضد الانسانية بضحايا من خارطة واسعة. عندها اكتمل الشرط الدعائي: صورة دامية عابرة للحدود واللغات تتيح لإسرائيل ان تلبس حربها رداء الحق الكوني بالدفاع وتستدعي تعاطفا لم تعرفه منذ زمن.
هنا تتضح لي بنية الخطة على مستويين الاول تقني عملي يضمن العبور والثاني رمزي دعائي يضمن الشرعية اللاحقة. على المستوى الأول لا تكفي الثغرة كي تعبر الاقدام يلزم ايهام الخصم بان الثغرة نافذة الى التحول وان الذراع التي تحرسها اصيبت بالخدر. وعلى المستوى الثاني لا تكفي صور الاشتباك العسكري. يلزم حدث يدوي اخلاقيا واعلاميا يرفع سقف الصدمة في العواصم البعيدة. اننا لا نتحدث عن اختراق عسكري منفصل عن المسرح السياسي بل عن خيطين متداخلين: يفتح أحدهما الباب ويؤثث الاخر القاعة.
ثم ان تفاصيل ما بعد السابع من اكتوبر لا تقل دلالة عن مقدماته. كيف ظهرت بهذه السرعة معرفة دقيقة بمواقع قادة بارزين كيحيى السنوار وابو عبيدة وغيرهما من قادة الصف الأول في حماس وصولا الى إسماعيل هنية في اعقد منطقة في العالم وهي ايران وامتدادها الى قطر؟ كيف أمكن رصد بعض الاسرى المحررين؟ كيف سميت اماكن بعينها للاجتماعات السياسية في الخارج وكأن الذهن المراقب حاضرا في الغرفة؟ وكيف ظلت بقع بعينها مثل دير البلح والمناطق الوسطي بمنأى نسبي عن مستويات قصف شهدتها مناطق أخرى في غزة بينما ترددت مقولات عن وجود أسري فيها؟ قد يقال ان التفوق التقني يفسر كل ذلك لكن التفوق التقني الذي لم ير الاستعدادات العامة قبل يوم الانفجار عاد فجأة بصيرا بمواضع الحضور والغياب على حد سواء. تفسير كهذا لا يصمد في المنطق الا بإدخال عنصر ثالث: عين من الداخل لا تسجل ما يجري فحسب بل تشارك في هندسته.
لهذا ارى ان العميل المزدوج لم يكتب دوره للمشهد الاول فقط. لقد صمم كي يعيش داخل السردية الى ما بعدها. جزء من خطته كما اتخيلها ان يؤسر بين الاسرى الاسرائيليين المنقولين الى غزة ليظهر في وعي الطرف المقابل بصفته ضحية وبطلا في آن واحد. الاسر هنا ليس نهاية الوظيفة بل امتدادها: شهادة ثقة تمنح لمن عاش التجربة ذاتها ومقام نصح يستمع اليه من موقع المشاركة. ان اشد اشكال التخفي فعالية ان تكون حاضرا في قلب الحدث على هيئة ضحية. الضحية في اللحظات القلقة تعامل كمصدر اصيل والعارف الذي ذاق لا كصوت خارجي يحسن التنظير. من هذا الموقع تحديدا يمكن دفع القرارات نحو مخارج مسدودة او انتصارات ناقصة او رهانات تتكرر حتى الاستنزاف.
اعود الى الحدود التي بدأت منها. لا اظن منظومة بهذه الصرامة تقع كلها دفعة واحدة بغير تدبير يسبقها. ليس في تاريخ السيطرة الامنية مثال واحد على انهيار شامل دون اشارات حمراء مسبقة ودون سجلات الكترونية او بشرية تحذر ودون تحركات موازية ترسل رائحة الخطر. فإذا انعدمت الاشارات في السرد الرسمي او انزاحت الى خانة سوء التقدير الجمعي فان ذلك في أحسن الاحوال اعتراف بان منظومة كاملة قررت ان لا ترى. ومنظومة تقرر ان لا ترى انما تفعل ذلك لأنها تريد ان ترى لاحقا ما هو أعظم: مبررا كاسحا يبيح لها ما لا يبيحه الروتين السياسي في الايام العادية.
وما كان للمبرر ان يبلغ ذروة تأثيره لولا اكتمال صورة المأساة العابرة للحدود. وجود اجانب في قلب المشهد فتح الباب لخطاب يحيل الى 11 سبتمبر والى مفردات الكارثة العالمية. صار الانقضاض على غزة محمولا على لغة اخلاقية كثيفة الدفاع عن الانسان لا عن الدولة حماية نظام العالم لا حدود اسرائيل وحدها. هكذا تصنع الشرعية في زمن الصورة تلتقط اللحظة الاكثر ايذاء للحس العام وترفع الى مقام الحجة التي تخرس الاعتراضات ثم يترك للألة العسكرية ان تكمل بقية الجملة.
قد يقول قائل: لكن كيف تسلحت حماس بهذا العدد الهائل من المقاتلين خمسة الاف او سبعة الاف وكيف ادارت خطة محكمة دون ان تسمع اسرائيل همسا؟ اجابتي ان الصمت لم يكن صمتا بل احلالا مقصودا لطمأنينة مصنوعة. حين تدفع قيادة ما الى الاعتقاد بان خصمها غافل او مشلول تصبح اشارات التحضير جزءا من صوت الخلفية لا من اجراس الانذار. وما دامت عين الداخل تضمن ان الاندفاع يتجه الى الموضع المراد فان بضع علامات لوجستية لن تغير شيئا في المآل. لقد صيغت اللعبة بحيث يثور الغبار في الاتجاه المطلوب ثم تفتح نقاط العبور في اللحظة المناسبة ثم ترفع الكاميرا الى اعلى لتلتقط المذبحة المساندة للحكاية ثم ينغلق الباب.
كل تفصيلة لاحقة تعزز هذا المعنى. المعرفة الدقيقة بمكان اجتماع القيادة في الخارج. التتبع اللصيق لأسماء بعينها. الخرائط التي بدت كأن احدا يحدثها من داخلها. المناطق التي ضربت حتى الحطام واخرى تركت اقل تدميرا في مراحل بعينها كان وظيفة ما لم تنته بعد. حين تقرأ هذه الشواهد معا لا تبدو لي كخرز مبعثر في عقد الصدفة تبدو كنقاط مضيئة على مسار جرى رسمه مسبقا.
لا انفي بالطبع ان في الحروب زوايا عمياء وفجوات حقيقية واخفاقات صادقة. لكن الفارق بين الفوضى الطبيعية والتصميم المحكم ان الاولى تترك اثرها الفوري على قرار الفاعلين بينما الثانية تتجلى في تكرار الصدف المناسبة في اللحظات الحرجة. في السابع من اكتوبر وما تلاه تكررت الصدف المناسبة اكثر مما يطيقه العقل. من انفتاح الحدود بهذا الاتساع الى توقيت الحفل ومكانه الى طبيعة الضحايا الى سرعة تبلور المبرر الى خرائط المعرفة اللاحقة. كل ذلك يحيلني الى فرضية واحدة: ان الخطة لم تبدأ يوم الهجوم بل قبل عام منه وان العميل المزدوج ليس عارضا في النص بل لازمة الايقاع التي تمسك باللحن من اوله الى اخره.
اكتب هذا وانا اعلم ان كثيرين سيطلبون الدليل المكتوب الذي يفضل على قراءة تحليلية من هذا النوع. لكن فن الخطة المحكمة ان لا تترك وراءها ورقا يدين صانعها وان تجزأ ادوارها بحيث يبدو كل جزء مفهوما بمعزل عن الكل. الدليل في هذه الحالات ليس ورقة وحيدة تحمل الاعتراف بل توافق القرائن حين توضع جنبا الى جنب واتساق النتائج مع مقدماتها حين تقرأ بعين لا تنخدع بالواجهة. وما الواجهة في هذه الحكاية الا كلمة المفاجأة التي اريد لها ان تسكت السؤال.
لهذا امسك بالخيط الذي بدأت منه ولا افلته: هنالك عميل مزدوج في تقديري ما يزال حاضرا يجلس مع من يظنونه منهم يقدم المشورة يلون الخرائط ويهمس بالرأي حين تحتدم النقاشات. قوته لا تأتي من موهبته في التخفي فقط بل من مكانه الجديد الضحية التي نجت الاسير الذي عاد الرفيق الذي اقتسم الخطر. من هذه المواقع تبنى الثقة بلا مساءلة وتمرر الافكار الثقيلة على انها خبرة ناج لا مكيدة خصم. واذا كان من خاتمة تكتب لصورة بهذا التركيب فهي ان التاريخ الذي يتأخر احيانا لا يتخلف دائما: سيسمي الاسماء يوما ما وسيضع كل حجر في مكانه وسنعرف على برد اليقين ان ما بدا انهيارا استخباريا كان في جوهره مسرحا محكما اريد له ان يمنح اسرائيل المبرر الذي طال انتظاره للانقضاض على غزة ومابعد غزة لتحقيق الحلم الكبير مع المبرر الذي تتغني به إسرائيل مرارا وتكرارا انها تعيش وسط دول تريد سحقها وتدميرها !! .
حتى ذلك اليوم سيبقى هذا النص شهادة رأي وتحليل وتأمل في مشهد لم تكتب فصوله كلها بعد. لكنني مهما تبدلت العناوين لن اتخلى عن الفكرة التي صاغت لي هذا الفهم: ان السابع من اكتوبر لم يقع لان الابواب أخطأت. وقع لان احدا قبل عام قرر اي باب سيفتح ولمن ترفع الستارة وكيف سيجلس الجمهور في القاعة واين سترتفع الصيحات حين تنقلب المأساة الى حجة والحجة الى حرب لا تريد ان تنتهي وسوف تمتد وتمتد وتمتد .