تل ابيب-غزة-ترجمة-مخيم مهجّرين على خلفية بناية قصفتها قوات الجيش الإسرائيلي في مدينة غزة أمس الأول. رضينا بعنف الدولة، بل إن كثيرين منّا قد شجّعوه بعد 7 تشرين الأول 2023. وها قد خرج هذا العنف عن السيطرة، الآن. العنف المنفلت الخارج عن السيطرة يحرق كل شيء .
حياتنا مرهونة بتوقفنا عن قتل الفلسطينيين. هذه المعادلة البسيطة أصبحت أكثر وضوحًا وحدّة في الأسابيع الأخيرة: إذا واصلنا قتل الفلسطينيين، فستكون حياة دافيد كونيو ومتان تسنغاوكر، جالي وزيف بيرمان وألون أهل وجميع المخطوفين الآخرين الموجودين في قطاع غزة، عرضة لخطر كبير، أكبر حتى من الخطر الذي يعيشونه اليوم. هذا ما أكده جميع المخطوفين الذين عادوا إلى بيوتهم حتى الآن. لكنّ هذه المعادلة أعمق من ذلك، وبالأساس: أوسع من ذلك ـ حياتنا هنا مرهونة بتوقّفنا عن قتل الفلسطينيين. بتوقّفنا عن قصفهم من الجوّ والبحر، بالطائرات والصواريخ، وبالأساس: باللامبالاة المتزايدة حيال عدد القتلى، هويتهم، أجيالهم أو مدى براءتهم. إن لم نتوقف عن القتل، حياة أولادنا هنا ستكون في خطر، هي أيضًا. كثيرون منهم سيدفعون حيواتهم ثمنًا لشهوة الانتقام التي لا تعرف الشبع ولا تعرف الحدود، حتى بعد مرور سنة ونصف السنة على مذبحة السابع من تشرين الأول 2023.
كذلك ديمقراطيتنا وحريّتنا في إسرائيل مرهونتان، أيضًا، بتوقفنا عن قتل الفلسطينيين. وإلا، فلن تجدينا نَفعًا لا "محكمة العدل العليا" ولا المستشارة القضائية للحكومة، ولا رئيس "الشاباك" بالتأكيد. الدولة التي تقتل في ليلة واحدة مئات الفلسطينيين انطلاقًا من الاستهتار واللامبالاة التامة بهويتهم ـ إذ لم يعودوا يحاولون حتى أن يشرحوا لنا أن أهداف الحرب عادلة ومُحِقّة ـ لن تتوقف عند ذلك. حتى قبل سنوات قليلة فقط، كان لمثل هذا القتل الجماعي بحق المدنيين أن يوقف الحروب بصورة فورية. لكنّ الدولة التي نعيش فيها الآن هي دولة لم يعد فيها لغتها بَشر، وإنما أعداء بلا وجوه فقط. هذه الدولة هي دولة لا لاجِم ولا رادع لها، لا قانونيّ ولا أخلاقيّ.
في هذه الأثناء، يتركّز القتل في القضاء على أعداء من الخارج، بالآلاف وبدون أي تمييز بين مسلحين وأبرياء. من المرجح أن الأمر لن يستمر على هذا النحو. النظام الذي لا كوابح له، لا أخلاقية ولا قانونية، في حربه ضد قطاع غزة سيكون ـ إن لم قد أصبح فعليًا ـ نظامًا بلا كوابح في أي مكان يمارس فيه سلطته وقوته. الدولة التي جرّدت الملايين في قطاع غزة من إنسانيتهم، ستفعل الأمر نفسه ضد مواطنيها هي أيضًا. لا يمكن معارضة استخدام القوة بدون أية كوابح أو قيود في مكان ما وتقبّلها، بعدم اهتمام ولا مبالاة، عند استخدامها في مكان آخر.
الثمن الأساسي لعملية تجريدِنا الفلسطينيين من إنسانيتهم دفعه، ويدفعه، عشرات آلاف الفلسطينيين الذين قُتلوا منذ بداية الحرب، وكذلك مئات الآلاف الذين أصيبوا بجراح واقُتلعوا وهُجِّروا من بيوتهم ومن حيواتهم. لكن نعم، أصبح واضحًا الآن أيضًا ـ كما حذّرَنا البعض القليل على مرّ السنوات ـ أننا ندفع مقابلها، نحن أيضًا، بحيواتنا. وسوف ندفع أكثر، أثمانًا باهظة. لقد قبِلنا بعنف الدولة، بل إن كثيرين منّا قدّ شجّعوه بعد السابع من تشرين الأول 2023، والآن ـ خرج هذا العنف عن السيطرة. والعنف المنفلت الخارج عن السيطرة يحرق كل شيء.
لكنّ الندم ما زال مُمكنًا، ثم التراجع. أن نحاول وضع حدّ نهائيّ لشَرَه الانتقام الذي يجتاح إسرائيل، حتى ولو بتأخير كبير. الخروج إلى التظاهر لكن في هذه المرة، ليس فقط من أجل الإفراج عن المخطوفين أو للمطالبة بإسقاط حكومة الانتقام والعنف المنفلت، وإنما بكل بساطة ـ لأنه ممنوع الاستمرار في ذبح الفلسطينيين. إن خرَجنا للتظاهر باسم هذا المطلب ـ التوقف عن القتل في غزة، ببساطة وقبل أي شيء آخر ـ فربما يكون بإمكاننا إنقاذ حيوات المخطوفين وإعادتهم إلى بيوتهم، وربما نستطيع أيضًا الاحتفاظ بما تبقى من أمل ضئيل بأن لا تصبح الدولة التي نعيش فيها نظامًا لغته الوحيدة هي العنف ولا يعترف بوجود البشر، بل الأهداف فقط.



