محليات

تقرير تحليلي : الاستيطان يدهم الذاكرة المكانية في الاراضي الفلسطينية 

91 مشاهدة قراءة 10 دقيقة

رام الله- واثق نيوز-خلص تقرير تحليلي اجرته الحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والأبارتهايد الإسرائيلي، إلى أن الحواجز العسكرية والبوابات والإغلاقات والطرق في الضفة الغربية لم تعد مجرد قيود منفصلة على حركة الفلسطينيين، وإنما أصبحت جزءا من منظومة مكانية تؤثر في الوصول إلى الأرض والعمل والتعليم والرعاية الصحية والخدمات، وتعيد تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، في حدود ما تبقى لها من مكان وزمان.

واكدت الحملة، في تقريرها الذي جاء تحت عنوان “إعادة تشكيل المجال الفلسطيني تحت منظومة الأبارتهايد الإسرائيلية: دراسة الحواجز والطرق في الضفة الغربية"، أن القيود المفروضة على الحركة تحولت من إجراءات متفرقة إلى منظومة مكانية وإدارية تؤثر في تفاصيل الحياة اليومية، للمواطن الفلسطيني. مستندا إلى بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، إلى جانب مراجع قانونية وحقوقية وأكاديمية.

ووفق أحدث بيانات المكتب التي يغطيها التقرير، والتي تعود إلى كانون الأول/ ديسمبر 2025، جرى توثيق 925 عائقا دائما أو متقطعا للحركة في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تؤثر في حركة نحو 3.4 مليون فلسطيني، بزيادة نسبتها 43% على المتوسط السنوي المسجل خلال العقدين السابقين، والبالغ 647 عائقا.

وتشمل هذه العوائق 89 حاجزا مأهولا على مدار الساعة، و218 حاجزا جزئيا، و232 بوابة طرق، و114 إغلاقا خطيا، و167 كتلة ترابية، و105 حواجز طرق. وتشكل الحواجز والبوابات نحو 60% من مجموع عوائق الحركة، في مؤشر، على ترسخ القيود المفروضة على الحركة.

ويشير التقرير الى  أن هذه العوائق تحولت إلى عناصر ثابتة في المجال الفلسطيني، اخذت في التاثير في حياة الفلسطيني بشكل كبير وكامل،  واصبحت منظومة تتجاوز تقييد الحركة والوصول إلى أماكن العمل والمؤسسات التعليمية، والمرافق الصحية، والأراضي الزراعية، فضلا عن حركة البضائع والخدمات.

ويصف التقرير هذه المنظومة بأنها “بنية تحتية مرنة للسيطرة”، موضحا أن العائق لا يحتاج إلى أن يكون مغلقا بصورة دائمة حتى يؤدي وظيفة تقييدية، إذ يكفي أن يكون فتحه غير مضمون، أو أن يتطلب تنسيقا مسبقا، أو أن يخضع لإجراءات وتعليمات متغيرة.

ويركز التقرير على ما يسميه “اقتصاد عدم اليقين”، الناجم عن صعوبة التنبؤ بمدة الوقت وإمكانية المرور،  ام لا، وما يترتب على ذلك من زيادة استهلاك الوقود، وخسارة ساعات العمل، وارتفاع تكاليف النقل، وتأجيل المواعيد الطبية، وتأخر وصول المنتجات الزراعية والغذائية إلى الأسواق.

ويتناول التقرير عددا من المناطق كنماذج على تداخل الحواجز والطرق والجدار والاستيطان ونظام التصاريح، من بينها "القدس وقلنديا ورام الله وحزما وجبع ومنطقة E1 وبيت لحم والخليل"، ففي منطقة حزما-جبع وE1، يوضح التقرير أن تداخل مشاريع الطرق والاستيطان والحواجز وتنظيم استخدام الأراضي يؤثر في طبيعة الاتصال الجغرافي بين مناطق مختلفة من الضفة الغربية.

فيما يوضح التقرير مثالا، الطريق 60، أحد الطرق الرئيسة التي تربط شمال الضفة الغربية بجنوبها، مشيرا إلى أن عوائق الحركة تدفع الفلسطينيين في بعض المناطق إلى استخدام طرق أطول وأكثر كلفة.

وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن ما لا يقل عن نصف عوائق الحركة الموثقة، وعددها 459 عائقا، تعرقل الوصول بين البلدات والقرى الفلسطينية، والطرق الرئيسية، بما يؤثر في الوصول إلى أماكن العمل والخدمات.

وفي بيان مُشترك صادر عن بلديات، "رام الله، البيرة، بيتونيا، ومجلس سردا أبو قش". حول اعتداءات واقتحامات المستوطنين المتكررة، اعرب البيان عن رفضه محاولات فرض واقع جديد يمس بالتواصل الجغرافي وحرية الحركة، في كل من هذه المناطق الحفرافية والتي اصبحت اكثر استهدافا بالنسبة لاطماع المستوطنين الذين يريدون ربط البؤر الاستيطانية الجديدة بالمستوطنات القائمة، والتأكيد على شرعية وقانونية المدن الفلسطينية والحق الثابت للمواطن في التوسع والنمو.

وطالب البيان المشترك بتحرك عاجل من المؤسسات الدولية والحقوقية للضغط على حكومة الاحتلال لوقف الانتهاكات وتوفير الحماية للمواطنين، مؤكدين مواصلة التحرك والتنسيق مع الجهات الحكومية والمختصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الأراضي والحقوق.

ولا تقتصر القيود على الطرق والمناطق الحضرية، بل تمتد إلى الأراضي الزراعية. ووفق التقرير، فإن ما لا يقل عن 20% من عوائق الحركة الموثقة تعرقل الوصول إلى الأراضي الزراعية، فيما يتطلب الوصول إلى بعض الأراضي الواقعة بين الجدار والخط الأخضر تصاريح أو تنسيقا مسبقا عبر بوابات زراعية، والتي تؤثر في قدرة المزارعين على تنظيم عملهم وفق احتياجات الأرض والموسم الزراعي، وتجعل الوصول إلى بعض الأراضي امرا غاية في الصعوبة، ومرتبطا بمواعيد فتح البوابات وإجراءات التصريح. عوضا عن صعوبات الوصول إلى المرافق الصحية والتعليمية، وبالتأثير في حركة البضائع والأسواق والعلاقات بين القرى والبلدات.

فيما يؤكد رئيس مجلس قرية أم صفا شمال مدينة رام الله، مروان صبّاح، ان المستوطنون يجرون عمليات تجريف واسعة، تهدف الى توسيع بؤرة أقاموها منذ شهرين، وهذه التجريفات قيمت البلدة و أدت لمنع المواطنين من الوصول إلى مقبرة القرية، من اجل دفن موتاهم. اضافة الى انهم يواصلون لليوم السابع على التوالي محاصرة منزل المواطن "محمد العبيات" في القرية، عبر إقامة بوابة مغلقة بمحيط منزله، تمنعه وعائلته من الخروج او الدخول، وهذا يسبب حالة من الهلع والخوف من اقتحام المنزل عليهم ليلا، رغم ان عمر المنزل عشرات السنوات، ومقام منذ عام 1973م، ويضم 15 فردا معظمهم أطفال، يُحرمون من الذهاب لمدارسهم بسبب إغلاق البوابة، كما تُحرم زوجته المريضة من الوصول إلى المشفى. 
من جهته يقول العبيات، صاحب المنزل المحاصر، ان المستوطنين يحاولون تهجير العائلة من منزلها، الذي بات يقع بين مستوطنة، وبؤرة استيطانية، ويعيق توسعهما .

وبالاستناد إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 تموز/ يوليو 2024 بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، فقد خلصت المحكمة، ضمن ما تناولته، إلى أن القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة تنطوي على تمييز محظور، كما تناولت آثار السياسات والممارسات الإسرائيلية على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

ويركز التقرير كذلك على البعد البصري والمكاني، مشيرا إلى أن الحواجز والبوابات والجدران والكتل الترابية أصبحت عناصر ثابتة في المشهد اليومي، تؤثر في علاقة الفلسطيني بالمكان والطرق والقرى والمدن والأرض.

ويخلص تقرير الامم المتحده، إلى أن الحواجز العسكرية لا تقتصر آثارها على تقييد حركة الفلسطينيين، وإنما تمتد إلى علاقتهم بالأرض والخدمات والعمل والتعليم والرعاية الصحية، وإلى النشاط الزراعي والاقتصادي وشكل المدن والقرى.