آراء

صراع العدميين في ظل تنافس الأقطاب

59 مشاهدة
صراع العدميين في ظل تنافس الأقطاب

الكاتب :  أسامة ناصر / شيكاغو


هل كل صراع بين الأقطاب ظاهرة سلبية ام قد تكون  أحد أهم مظاهر الديمقراطية داخل المؤسسات والحركات الوطنية. فالتنافس على الأفكار والبرامج والرؤى والاحتكام إلى اللوائح والمؤسسات وقبول نتائج الانتخابات واحترام الرأي المخالف كلها تعكس حيوية التنظيم وقدرته على التجدد . فالمؤسسة  التي تخلو من التنافس غالبا ما تنتهي إلى الجمود واحتكار القرار.
 أن صراع الأقطاب يفقد قيمته الديمقراطية عندما يتحول من تنافس على خدمة المشروع الوطني إلى صراع على النفوذ والمواقع ومن اختلاف في الرؤية إلى استقطاب شخصي ومن الاحتكام للمؤسسة إلى محاولة السيطرة عليها. عندها يصبح الخاسر الحقيقي هو المؤسسة نفسها.
وفي مثل هذه الأجواء لا يقتصر المشهد على الأقطاب المتنافسة بل يظهر تيار ثالث يجد في الانقسام فرصة للتمدد والظهور. إنهم العدميون الذين يتغذون على الأزمات وذلك لاضعاف الثقة بالمؤسسات.
هؤلاء لا ينتمون إلى مشروع إصلاحي ولا يقدمون رؤية بديلة ولا يتحملون مسؤولية القرار لكنهم يجيدون استثمار أخطاء الجميع . فإذا نجح طرف قللوا من قيمة نجاحه وإذا أخفق وجدوا في ذلك دليلا على صحة تشاؤمهم. فهم لا يبحثون عن إصلاح المؤسسة بقدر ما يسعون إلى ترسيخ القناعة بأن الجميع فشل وأن لا أمل في أي محاولة للتغيير.
ومع مرور الوقت يتحول خطابهم إلى دعوة مباشرة أو غير مباشرة لانهيار المعبد على من فيه. فهم لا يفرقون بين إصلاح المؤسسة وهدمها ويعتبرون أن سقوطها شرط لولادة واقع جديد متناسين أن المؤسسات الوطنية ليست مباني يمكن إعادة تشييدها متى شئنا بل هي تاريخ وتضحيات وذاكرة وتراكم نضالي.
والفرق بين الإصلاحي والعدمي واضح. فالإصلاحي ينتقد لأنه يريد البناء ويكشف الخلل لأنه يمتلك رؤية وبدائل ويختلف مع القيادات دون أن يفقد إيمانه بالمؤسسة. أما العدمي فلا يقدم سوى الرفض ولا يمتلك سوى التشكيك ولا يرى في كل أزمة إلا فرصة لتوسيع دائرة الإحباط.
ويحاول بعض هؤلاء إضفاء صفة الحياد على مواقفهم فيصورون أنفسهم وكأنهم فوق جميع الأقطاب بينما هم في الحقيقة يقفون خارج كل مشروع إصلاحي. إنهم يهاجمون الجميع بالقدر نفسه ليس لأنهم أكثر موضوعية بل لأنهم لا يريدون تحمل مسؤولية الانحياز إلى أي مشروع أو المشاركة في أي عملية إصلاح . وهكذا يتحول الحياد من استقلال فكري إلى عزلة سياسية ومن موقف نقدي إلى فراغ فكري.
إن النقد الحقيقي لا يعني رفض الجميع كما أن الديمقراطية لا تعني إلغاء التنافس. فالمؤسسة القوية هي التي تسمح بتعدد الأقطاب في إطار القانون واللوائح وتفتح المجال للنقد المسؤول وتمنع في الوقت نفسه تحول الاختلاف إلى انقسام أو تحول النقد إلى دعوة للهدم.
فالمشكلة ليست في وجود الأقطاب وإنما في غياب الثقافة الديمقراطية التي تنظم خلافاتها. وعندما تفشل الأقطاب في إدارة تنافسها داخل الأطر المؤسسية تفتح الأبواب أمام الخطابات العدمية التي تعيش على الأزمات وتقتات على الإحباط.
نعم قد تتغير الأقطاب وتتبدل القيادات لكن المؤسسة تبقى أكبر من الجميع. ومن يؤمن بها يسعى إلى إصلاحها وتطويرها أما من يراهن على انهيارها فلن يحصد بعد سقوطها إلا الفراغ الذي ساهم بنفسه في صناعته.
 

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية