نابلس- واثق نيوز ـ تقرير : سهير سلامة-مع فجر يوم السادس عشر من الشهر الماضي كانت قرية مادما، جنوب مدينة نابلس، على موعد مع المزيد من الاخطارات والقرارات الجائرة والتي تكاد تكون اوسع من سابقتها، ففي كل مرة المزيد من النهب والمصادرة، والتي ينجم عنها المزيد من البؤر والمستوطنات، واعتداءات متواصلة يوميا، على حساب اصحاب الاراضي وقوت يومهم.
بلدة مادما، وفي كل صباح تستيقظ على أمل جديد، رغم ما يحيط بها من صعوبات وتحديات. فالحقول التي كانت عنوانا للخير والعطاء أصبحت شاهدة على معاناة المزارعين، الذين يقصدون أراضيهم، حاملين معهم الأمل، ويعودون أحيانًا وقد أثقلت قلوبهم الخسائر. ومع ذلك، لا تنكسر إرادتهم، لأنهم يدركون أن الأرض لا تحفظها إلا الأيدي التي تزرعها والقلوب التي تحبها.
تقع قرية مادما جنوب غربي مدينة نابلس، والبالغ عدد سكانها نحو 2500 نسمة، ويعتمد معظم أهاليها على الزراعة، ولا سيما زراعة أشجار الزيتون، التي تُعد مصدر دخل رئيسا للعديد من العائلات، فيما تواجه القرية منذ سنوات تحديات كبيرة أثرت في حياة سكانها اليومية.
تتمثل أبرز معاناة أهالي مادما في الاعتداءات المتكررة على الأراضي الزراعية، والتي تشمل الحرق، و اقتلاع أشجار الزيتون، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وحسب الادعاءات المتكررة من قبل جيش الاحتلال فانها مناطق عسكرية ومحظور على الاهالي الوصول اليها، إضافة إلى الأضرار التي تلحق بالممتلكات الزراعية. كما وعانت القرية من قيود على الحركة وإغلاق بعض المداخل، الأمر الذي انعكس على تنقل السكان ووصولهم إلى أماكن العمل والخدمات.
ويقول رئيس المجلس القروي، رامي نصار، ان بلدة مادما شهدت خلال السنوات الأخيرة حوادث اعتداءات قام بها مستوطنو البؤر الاستيطانية المحيطة بالبلدة، وبخاصة مستوطنة بتسهار الجاثمة بمحاذاة البلدة، والتي تعرض حياة اهالي القرى المحيطة بها الى اعتداءات متكررة، أسفرت عن وقوع إصابات بين السكان وأضرار في المنازل والممتلكات، إلى جانب آثار نفسية واجتماعية على الأطفال والعائلات نتيجة تكرار التوترات.
ويؤكد رئيس مجلس قروي مادما، ان المجلس القروي تسلم في السادس عشر من الشهر الحالي، قراراً باقتلاع الأشجار بمحاذاة الشارع الالتفافي الاستيطاني المسمى 60، لتقتلع لاحقاً قرابة 1000 شجرة، معظمها من أشجار الزيتون المعمر.
ويضيف نصار، ان ذلك لم يكن كافياً، فعند ظهيرة يوم الجمعة الماضي، وبعد ساعات من مجزرة بلدة تل المجاورة، والتي ذهب ضحيتها أربعة فلسطينيين، بدأ مستوطن يسكن بؤرة حديثة نسبياً شمال غرب القرية، باقتلاع المزيد من الأشجار، باستخدام آلية صغيرة، وسرعان ما انضمت اليه جرافات وآليات كبيرة عدة، لعملية الاقتلاع هذه، والتي استمرت من الساعة الواحدة ظهراً وحتى الثانية فجراً، لتقتلع آلاف الأشجار من مساحة تقارب حوالي ال 350 دونماً.
ويكشف نصار ان المستوطنين يقومون بتلك الاعمال، بدون وجود أي قرار مسبق، أو أية قرارات عسكرية، وكانت المفاجأة بقرار عسكري، وصل إلى المجلس القروي، صباح الأحد الماضي، لاقتلاع المزيد من الأشجار، ومصادرة العديد من الاراضي، والتي تعود ملكيتها لمواطنين في البلدة.
وفي سياق الموضوع طالب اهالي البلدة والذين طالت جرافات الاحتلال اشجارهم، وصادرت اراضيهم، بايجاد حل لما يجري من انتهاك صارخ لحقهم في ملكية اراضيهم المصادرة لأهداف حسب تعبيرهم " لا تجدي نفعا، لانهم اصحاب الأرض الأصليين"، ويضيف الاهالي ان هذه الأعمال لن تثنيهم عن التوجه الى أراضيهم، وقطف ثمار زيتونهم الذي اعتادوا وفي كل عام على قطاف محصوله والعيش من جني أرباحه.
فيما يقف ذاك الرجل السبعيني وقد ذهب ببصره بعيدا وهو يقول، " كان عمري ٧ سنوات ووالدي يأتي بي الى هذه الارض وكبرت واصبحت اصطحب ابنائي ايضا معي اليها ويوجد بيني وبينها حياة باكملها، تشهد ضحكنا وحزننا وتعاني مثلنا وتشعر بنا، ولن نتركها.. فهي رمز صمودنا ووجودنا".
لم تكن مادما البلدة الأولى ولن تكون الأخيرة، فمصادرة الأراضي واقتلاع أشجار الزيتون والتين، تبقى شاهده على عدوان فاق كل التصورات وستبقى مادما قريةً تنبض بالصمود رغم ما أثقل كاهلها من معاناة، وتبقى أرضها شاهدةً على تمسّك أهلها بجذورهم وحقهم في الحياة الكريمة. وبين زيتونها العتيق وبيوتها المتواضعة، تُروى حكايات الصبر والعزيمة جيلاً بعد جيل، لتؤكد أن الإنسان الفلسطيني قادر على تحويل الألم إلى أمل، والمعاناة إلى قوة.

