اقتصاد

الدمار البيئي في غزة… فاتورة اقتصادية تمتد لأجيال

9 مشاهدة
الدمار البيئي في غزة… فاتورة اقتصادية تمتد لأجيال

الكاتب: أ.د سمير مصطفي ابومدلله 

لم يقتصر العدوان على غزة على تدمير المنازل والطرق والمنشآت، بل خلّف كارثة بيئية غير مسبوقة ستظل آثارها ماثلة لسنوات، وربما لعقود فالبيئة ليست مجرد إطار طبيعي للحياة، بل تُعد أحد أهم مقومات الاقتصاد، إذ تعتمد عليها الزراعة، والمياه، والصحة العامة، والإنتاج. وعندما تتعرض هذه المقومات للتدمير، فإن كلفة التعافي الاقتصادي تصبح أكبر وأكثر تعقيدًا.ويؤكد التقييم المشترك الصادر عن البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي أن احتياجات إعادة الإعمار والتعافي في غزة تُقدَّر بنحو 73 مليار دولار، من الأضرار المباشرة في المباني والبنية التحتية إضافة إلى خسائر اقتصادية نتيجة توقف الأنشطة الإنتاجية، وتعطل الخدمات، وانخفاض الدخل. وتعكس هذه الأرقام أن الخسائر لا تقتصر على ما دُمِّر، بل تمتد إلى ما فقده الاقتصاد من فرص للإنتاج والنمو.
ويُعد القطاع البيئي من أكثر القطاعات تضررًا، رغم أنه يشكل قاعدة أساسية لأي نشاط اقتصادي. فقد أدى تدمير آبار المياه وشبكات المياه والصرف الصحي إلى تفاقم أزمة المياه، وزيادة مخاطر تلوث الخزان الجوفي، بما يهدد الأمن المائي والغذائي في آن واحد ، فالمياه الملوثة لا تؤثر في صحة الإنسان فحسب، بل تقلص الإنتاج الزراعي، وترفع تكاليف الري، وتزيد من كلفة الإنتاج، وتفاقم الاعتماد على المساعدات والاستيراد.
كما خلّفت الحرب ما بين 50-55 مليون طن من الركام المنتشر في مختلف أنحاء القطاع ،ولا يمثل هذا الركام مجرد أنقاض، بل يحتوي في أجزاء منه على مخلفات متفجرات ومواد خطرة قد تتسرب إلى التربة والمياه والهواء، مسببة آثارًا بيئية طويلة الأمد.
 وتشير التقديرات الدولية إلى أن إدارة هذا الركام وحده قد تكلف نحو 2.38 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، إضافة إلى ما يقارب 541 مليون دولار لإزالة الذخائر غير المنفجرة، وهو ما يبرز حجم العبء الاقتصادي الناجم عن الدمار البيئي.
ولا تقتصر الخسائر على إزالة الأنقاض، إذ تشير التقييمات الدولية إلى أن الأضرار البيئية المباشرة ارتفعت إلى نحو 151.5 مليون دولار، فيما بلغت الخسائر البيئية المقدرة 218.5 مليون دولار ،وتمثل هذه الأرقام جزءًا من الكلفة الاقتصادية لتدهور الموارد الطبيعية، في حين أن آثارها الفعلية قد تمتد لسنوات طويلة وتتجاوز ما يمكن قياسه ماليًا.
وفي القطاع الزراعي، تعرضت مساحات واسعة من الأراضي لتلوث ناتج عن مخلفات الحرب، الأمر الذي يهدد خصوبة التربة ويؤخر استعادة النشاط الزراعي. ويترتب على ذلك انخفاض الإنتاج المحلي، وارتفاع أسعار الغذاء، وتراجع دخول المزارعين، وزيادة الاعتماد على الواردات، بما يفاقم الضغوط على الاقتصاد ويقوض الأمن الغذائي .أما الهواء، فقد تعرض لتلوث واسع نتيجة القصف، واحتراق المباني، وانتشار الغبار والجسيمات الدقيقة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الصحة العامة. 
وتشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى أن 48% من الأمراض الخاضعة للترصد الوبائي ترتبط بالمياه والبيئة، فيما تمثل الأمراض المنقولة عبر المياه 25%، وتشكل الأمراض الجلدية 23% من إجمالي الحالات المسجلة، كما تسجل المرافق الصحية آلاف الإصابات أسبوعيًا بالأمراض الجلدية والمعوية، إلى جانب تزايد حالات الحمى الشوكية، وهو ما يرفع الإنفاق الصحي، ويقلل إنتاجية القوى العاملة، ويستنزف دخول الأسر.
وتشير التقديرات الدولية كذلك إلى أن 83% من المنطقة الساحلية في غزة تعرضت لتدمير كلي أو جزئي، مع تلوث واسع للتربة والمياه والسواحل نتيجة انهيار البنية التحتية للمياه والصرف الصحي وتراكم الركام ، ولا يقتصر أثر ذلك على البيئة البحرية، بل يمتد إلى الثروة السمكية، ومصادر رزق آلاف الأسر التي تعتمد على هذا القطاع ، إن الاقتصاد لا ينهض بإعادة بناء المباني وحدها، بل بإعادة تأهيل رأس المال الطبيعي الذي يقوم عليه.
فالمياه النظيفة، والتربةالخصبة، والهواء النقي ليست قضايا بيئية فحسب، بل هي أصول اقتصادية واستثمارات في صحة الإنسان والإنتاج والتنمية المستدامة.ومن هنا، فإن إعادة إعمار غزة يجب ألا تقتصر على إعادة بناء الحجر، بل ينبغي أن تشمل إعادة تأهيل البيئة من خلال استصلاح الأراضي الزراعية، وتنقية المياه، وإزالة مخلفات الحرب، ومعالجة التلوث، واستعادة النظم البيئية ، فالاستثمار في البيئة ليس ترفًا، بل هو استثمار في مستقبل الاقتصاد الفلسطيني، وفي قدرة المجتمع على التعافي وتحقيق تنمية مستدامة.لقد خلّف العدوان دمارًا هائلًا في البنية التحتية، لكن أخطر ما خلفه هو تدمير الموارد الطبيعية التي تقوم عليها الحياه والاقتصاد. 
وإذا لم تحظَ البيئة بالأولوية في خطط التعافي وإعادة الإعمار، فإن فاتورة الحرب لن تتوقف عند حدود الدمار الحالي، بل ستظل تتراكم اقتصاديًا وصحيًا واجتماعيًا، لتدفعها الأجيال القادمة لسنوات طويلة.

*جامعة الأزهر-غزة
*عضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين