الكاتبة : سهى زيدان
تمثّل رواية دلشاد بجزأيها أحد أهم المشاريع السردية الحديثة في الرواية الخليجية، إذ لا تكتب بشرى خلفان حكاية فرد، بل حكاية مجتمع يُعاد تشكيله عبر الذاكرة والوجع ومقاومة الهامش. هي رواية تُصغي للطبقات التي لا يُسمع صوتها، وتعيد قراءة تاريخ عُمان الاجتماعي والسياسي من قلب الأزقّة، ومن حياة البشر الذين لا تُكتب سيرهم عادةً في الكتب الرسمية.
يبدأ المشروع من الجوع والضحك، لكنه لا يتوقف عندهما؛ ففي الجزء الثاني تتسع الأسئلة، ويغدو الإنسان محطّ قراءة عميقة تُلامس معنى الاستمرار، ومعنى أن يخوض الفرد حياته اليومية بوصفها معركة مفتوحة لا تهدأ.
الرواية الأولى تبني عالم مسقط بين حارات ثلاث : لوغان، ولجات، والشمال. أمكنة يكتبها السرد بوصفها ذاكرة حيّة، لا جغرافيا صامتة. يتقاطع فيها البلوش واللوغان والزدجال والعرب، في زمن تتنازعه السلطة والجوع، العبودية والتحرّر، الفقر والتفاوت الاجتماعي. لكن بشرى خلفان لا تتعامل مع التاريخ كغاية جاهزة، بل كنسيج بشري يفيض بالحكايات الصغيرة التي تكشف هشاشة الزمن وقسوته. إنها تضع القارئ أمام مدينة تتحرك في يقظة مستمرة، مدينة يسمع فيها رائحة البحر قبل أن يشمه، ويستشعر ثقل الفقر قبل أن يراه.
في هذا السياق يظهر دلشاد بضحكته التي تسبق جوعه. طفل يولد في ظروف قاسية، لكن ضحكته ليست خفة، بل غريزة بقاء. هو يضحك لأنه لا يملك رفاهية البكاء، ويقاوم واقعه بفعل غريزي يشبه الاحتجاج الصامت ضد قدرٍ يلاحقه. ومع كل فصل يتضح أن الضحك ليس نبرة طريفة، بل هو فعل وجودي يردّ به دلشاد على العوز والحرمان.
يمتدّ أثر الضحك إلى ابنته مريم التي تولد على حافة الجوع؛ طفلة تنجو بأعجوبة لكنه يظل يسكنها، يتشكّل في ملامحها ويُرسم في نشأتها مع كل خطوة. مريم ليست امتدادًا لوالدها فحسب، بل هي إعادة بناء لمعنى الجوع: جوع إلى الكرامة، جوع إلى الانتماء، جوع إلى علاقة مستقرة مع العالم. ومعها يتّضح أن الجوع في الرواية ليس مجرّد نقص في الطعام؛ إنه نقص في الحب، والأمان، واليقين.
غير أن الجزء الثاني يمنح هذه الشخصيات ملامح جديدة. فمريم التي نتابعها طفلة في الجزء الأول، نراها امرأة في الجزء الثاني تخوض اختبارًا شديد القسوة مع نفسها قبل العالم. لم يعد الصراع خارجيًا فقط؛ بل صار داخليًا، بين خوفها ورغبتها في النجاة، بين حاجتها للتماسك ووعيها بأنها هشّة أكثر مما تصرح به. وهنا يتحقق العمق الفني للمشروع الروائي: أن تتحوّل القوة من ظاهر خارجي إلى حالة اضطرارية تُفرض على إنسان لا خيار له سوى المواصلة.
يقدّم الجزء الثاني قراءة أكثر نضجًا لمريم؛ فهي لا تحمل بطولة متخيّلة، بل واقعية مريرة لشخص عاش طول حياته في خط تماس. تتحرك بين الأمن المفقود والجوع المتجدد، وتتعلم أن النجاة ليست انتصارًا، بل استمرارًا رغم الانكسار. وفي هذه المساحة، تتقاطع مريم مع شخصيات أخرى يزداد حضورها وضوحًا في الجزء الثاني، مثل نظام أحمد رسلان الهارب من دم عالق في الذاكرة، وناصر بن صالح الباحث عن أمّ ضائعة وطمأنينة لم يعرف الطريق إليها، وصالح بن سيف الذي يطلب الحق في طريق يقوده إلى الضياع.
يظلّ “شنّون السرسري” من أكثر الشخصيات مأساوية، رجل يقف على حافة حياة لا تشبهه، يدفع ثمن ما فعله وما لم يفعله، ليصبح مثالًا للإنسان الذي يأكله الفقر والوصم قبل أن يُصنّف مذنبًا أو بريئًا. وفي الجهة المقابلة تظهر “فاطمة لولاه”، المرأة التي تتمسك بحب عبد اللطيف حتى بعد غيابه، وكأنّ الحب في الرواية كتلة مقاومة تتحدى الجوع والفقد والموت.
يمتاز الجزء الثاني بجرأة أكبر في كشف الخسائر الإنسانية، ويستثمر لغة أكثر نضجًا وأكثر هدوءًا في الوقت نفسه. اللغة نفسها التي أعادت بناء مسقط في الجزء الأول، تعود الآن لتعيد بناء الداخل الإنساني: التردد، الخوف، المكابرة، والبحث عن معنى لا يمنح نفسه بسهولة. توسّع بشرى خلفان أفق الحكاية، فتدخل إلى صراع الهوية والانتماء، وتضع الشخصيات في مواجهة تاريخها الشخصي، لا التاريخ العام فقط.
وتزداد أهمية الجزء الثاني حين نقرأه امتدادًا للأول؛ فالرواية لا تنفصل بين جزأيها، بل تتكامل كمسار يمتد من الجوع والضحك، إلى البحث عن معنى النجاة، إلى محاولة صون الذات في عالم لا يرحم. الأصوات المتعددة التي تتناوب على الحكاية تعزّز هذا البناء، إذ تسمح بظهور الواقع من زوايا مختلفة، وتعيد تشكيل الوعي الجمعي دون أن تتحول إلى سرد وثائقي. كل صوت يضيف نغمة جديدة إلى السيمفونية الكبرى للحياة التي تُكتب على صفحات الرواية.
ويُحسب لبشرى خلفان أنها كتبت تاريخًا اجتماعيًا دون أن تجعله عبئًا على السرد، بل جعلته خلفية حية تتنفس داخل الشخصيات. إذ يظهر أثر المرض، الجوع، الحرب، التفاوت الطبقي، واستمرار النفوذ البريطاني في المنطقة، لكن دون أن يفقد النص إيقاعه الإنساني .
تقدّم رواية دلشاد في جزأيها قراءة حية للإنسان في لحظات عريه القصوى؛ للذين وُضعوا على هامش التاريخ، فاضطروا إلى مواجهة العالم بضحكة تُخفي خوفًا، وصمتٍ ينطوي على جوع طويل لم تنصفه العدالة يومًا. تكشف بشرى خلفان هذا العالم بعمق يردّ للوجع لغته، وللضحك جذوره، وللإنسان حضوره الكامل داخل سرد يفيض بالنبض الإنساني. وفي ختام الجزء الثاني تُبقي الأبواب مواربة كما تحب، نهاية مفتوحة لا تمنح إجابة جاهزة، لأن الحكايات – كما تقول في حواراتها – لا تُختتم بقدر ما تُترك لتواصل حياتها خارج الورق؛ تترك القارئ في مساحة بين الرجاء والخوف، بين الاحتمال والشك، وكأنها تعلن أن مصائر هذه الشخصيات لا تُحسم، بل تستمر كما يستمر الناس في الواقع: بخطى غير مكتملة، وبأسئلة لا تنتهي.



