الكاتبة : الدكتورة سناء محمد حسين شحادة
لم يكن الحياء يومًا مجرد سلوك، ولا عادة تُربّى عليها الأجيال. كان الحياء ظلًّا يرافق الروح، يلين الطباع، ويضع بين الإنسان وخطأه مسافة تحفظ له إنسانيته. كان الحياء يعلّمنا أن الكلمات تُختار، وأن الخطوات تُوزن، وأن القلب الجميل لا يعرّي نفسه أمام العالم، بل يحميه بما استطاع من سترٍ ووقار.
لكن شيئًا ما تغيّر…
كأن الريح هبّت على قيمنا فبعثرت أوراقها، وكأن الزمن ركض أسرع من قدرتنا على لملمة ما تساقط منه.
صار الخجل بعيدًا، والحياء خافتًا، كشمعة تحاول النجاة في عاصفة.
اليوم، لا شيء يمنع أحدًا من شيء.
شاشة واحدة تكسر المسافة، وتفتح بابًا لا نعرف من يدخل منه.
صوتٌ غريب يصبح مألوفًا، ومشهد لا يليق يصير “عاديًا”، وضحكة زائدة تمحو خطوط الاحترام التي كانت يومًا واضحة كوضوح الصبح.
ترى الفتاة تجري خلف صور لا تشبه قلبها، تُجمّل ملامحها للعالم وتنسى أن أجمل زينة هي تلك التي لا تراها إلا روحها.
وترى الشاب يظن أن الرجولة في التجرؤ، وفي كسر السقوف، بينما الرجولة التي نعرفها نحن… كانت دائمًا في الانضباط، وفي الحياء الذي يُهذّب القوة ويجعلها أجمل.
لم نعد نخجل كما كنا.
لم نعد نحسب للكلمة حسابًا، ولا للنظر حدًّا، ولا للخطوة وزنًا.
كأن الحياء تساقط من بين أيدينا ونحن نطارد عالمًا واسعًا، لا نعرف ما الذي سيبقى منا عند نهايته.
ومع ذلك، ورغم كل هذا الضجيج، يبقى الحياء جميلًا حين يعود…
يعود خفيفًا كنسمة، عميقًا كحكمة،
يعود ليعيد للقلوب نعومتها، وللأخلاق معناها، وللإنسان شكله الحقيقي قبل أن تجرّده الحياة من فطرته.
ليس الحياء انغلاقًا ولا خوفًا…
هو رقيٌّ يليق بنا.
هو حدٌّ نضعه لأنفسنا، لا لأن الناس يروننا.
هو مرآة داخلية تقول لنا إن الجمال الحقيقي يبدأ من الداخل، وإن الإنسان بلا حياء يشبه نافذة بلا ستار… يراه كل عابر، ولا يعرف أحدٌ ما إذا كان في داخله شيء يستحق النظر.
فلنستعيد هذا الجمال الضائع…
لا لنتخلّف، بل لنرتقي.
لا لنغلق أبواب الحياة، بل لنفتحها بوقار.
ولنعلّم أبناءنا أن الحياء ليس ثِقلاً يحبسهم، بل جناحًا يحفظهم من السقوط.
فالحيـاء… هو آخر ما يبقى حين يذهب كل شيء.
*باحثة في سلك الدكتوراه
*أخصائية ومرشدة نفسية وتربوية
*جامعة القدس المفتوحة



