الكاتبة : أسماء ناصر أبو عيّاش
لطالما استمرأنا كأدباء ومثقفين عرب دور "الضحية"؛ ضحية الاستعمار الذي قسم المقسم وضحية الأنظمة التي كممت الأفواه وضحية المنظومة والإطار المجتمعي. لكن، ألم يحن الوقت لنقف أمام أنفسنا ونكف عن الإشارة بأصابع الاتهام إلى الخارج؟ لعل ما تعانيه الثقافة العربية اليوم ليس مجرد إرث استعماري أو نتاج فقر مادي، بل هو في جوهره نابع في معظمه من عامل ذاتي يتعلق بأولئك (المتنورين والمثقفين) المأسورين خلف جدران المقولات الغربية الجاهزة دون تمحيص بعيداً عن الواقع.
*خطيئة التبرير وانفصام الفاعلية
تبدأ المشكلة الحقيقية برأيي عندما يتحول المثقف من فاعل إلى مفسر يبرع في تنظير الأزمات وتشخيص أزمة الثقافة دون اجتراح سبل التحرر من هذه الأزمات ووضع الحلول، بل في أغلب الأحوال يعمل على تصديرها ويعزي المشكلة لعامل خارجي هربًا من المواجهة. *
هل يمتلك المثقف العربي شجاعة الاعتراف بأنه فقد البوصلة؟
في الحقيقة أن غالبية المثقفين يعيشون حالة من التعالي النخبوي؛ مثقفون نخبويون كما وصفهم (غرامشي*)غير عضويين؛ نخبويون يكتبون بلغة لا يفهمها الشارع، ويطرحون قضايا لا تلمس هموم الإنسان البسيط.
*هل تُنتج المعاناة والبيئة المأزومة مثقفاً حقيقياً؟
هذا السؤال هو حجر الزاوية إذ قد يظن البعض أن البيئة المأزومة تُحبط الإبداع، لكن التاريخ يُعلمنا أن أعظم المثقفين والمفكرين وُلدوا من رحم المعاناة فالمثقف العضوي والمنتمي لخط الشعب لم يكن نتاج رفاهية ثقافية، بل هو صرخة احتجاج ضد الواقع. مثقفٌ يمتلك وعياً ثوريًا يرفض القوالب الجاهزة ولا يقبل بدور المثقف النخبوي أو كما اصطلح على تسميته مثقف البلاط. ولكي لا نعمد إلى جلد الذات أرى أن مواجهة المثقف لذاته والاعتراف ببعض المسؤولية الذاتية عن الواقع لهو أول مدماك في بناء وعي وثقافة ثورية ملتزمة وغير مرتهنة لأي أجندة غير خط الشعب.
في هذا السياق نرى أن تأهيل المثقف لنفسه يبدأ
بالمكاشفة الذاتية والوقوف على الإخفاقات أسبابها وعلاجها، والإنجازات وتعزيزها والبناء عليها. ولعل التأثير يبدأ من الرواية التي تعيد صياغة الوعي ومن المقال الصحفي الذي يفكك ويعري الأوهام لا الذي يكرسها. كما أن التحرر من دائرة الطباشير ـ كما وصفها بريخت ـ والاستقلال الفكري والكف عن لعب دور التابع والتحرر من الثقافة الغربية، والبدء بإنتاج معرفة نابعة من موروثنا الحضاري واحتياجات ولسان حال المجتمع هو أهم الادوات للبدء في حركة ثقافية فكرية نهضوية تجابه السرديات الزائفة وتواجه سردية الاحتلال الصهيوني الضلّيلة.
إن مسيرتنا الثقافية ما زالت تدور في حلقة مفرغة من النرجسية الثقافية تحكمها الشللية وتعاني في بعض مفاصلها من التبعية وتخبط وتشظي الخطاب عمومًا والوطني على وجه الخصوص.



