ثقافة

ليس الحب أن تبقى... بل أن تختار البقاء كل مرة....

14 مشاهدة
ليس الحب أن تبقى... بل أن تختار البقاء كل مرة....

الكاتبة : د. تهاني رفعت بشارات

في هذه الحياة المزدحمة بالوجوه، المتسارعة الخطى كقطارٍ لا ينتظر أحداً ، لا يكون الفوز الحقيقي في كثرة من نعرفهم، ولا في عدد من يمرون بمحطات أعمارنا، بل في العثور على ذلك الإنسان الذي يبقى حين يغادر الجميع، ويثبت حين تتهاوى الأشياء، ويتمسك بك حين تفلتك الظروف من بين يديك.

تمسك باليد التي لا تعرف طريق الرحيل، فالناس كثيرون، أما الأوفياء فقليلون كالمطر في موسم الجفاف. هناك أيدٍ تصافحك اليوم وتنسى ملامحك غداً، وأيدٍ تمسك روحك قبل يدك، وتبقى سنداً لك حين تعجز الكلمات عن المواساة. ليست كل الأيدي متشابهة؛ فبعضها كأوراق الخريف، جميلة المنظر لكنها تسقط عند أول ريح، وبعضها كجذور الزيتون، تضرب عميقاً في الأرض، وتزداد ثباتاً كلما اشتدت العواصف.

اختر الروح التي لا تفكر يوماً في استبدالك، تلك التي ترى فيك وطناً لا محطة عبور، وبيتاً لا فندق إقامة مؤقتة. الروح الصادقة لا تبحث عن نسخة أخرى منك، لأنها أدركت أن لكل إنسان فرادته التي لا تتكرر، وأن المحبة الحقيقية ليست بحثاً عن الكمال، بل احتفاءً بالاختلافات والعيوب والتفاصيل الصغيرة التي تصنع الإنسان.

عانق القلب الذي لا يمل منك مهما أثقلته همومك، ومهما تكررت شكواك، ومهما أرهقته أحزانك. فالحب ليس احتفالاً بالأيام الجميلة فقط، بل قدرة نادرة على البقاء في مواسم التعب والانكسار. القلب الصادق لا يهرب عندما تصبح الحياة ثقيلة، بل يقترب أكثر، كشمعةٍ صغيرة تقاوم ظلام غرفة كاملة. إنه القلب الذي يرى دموعك قبل أن تنزل، ويقرأ ارتجاف صوتك قبل أن تبوح، ويشعر بتعبك حتى لو ادعيت القوة.

اختر لنفسك عزيزاً يعز عليه حزنك، لأن قيمة الإنسان لا تظهر في ساعات الفرح، بل في لحظات الانكسار. كثيرون يشاركوننا الضحكات، لكن القليل من يتحمل معنا ثقل الدموع . العزيز الحقيقي هو الذي يتألم لألمك كما تتألم الأم لوجع طفلها، والذي يرى حزنك غيمةً سوداء فوق سمائه هو أيضاً، فيسعى بكل ما يملك ليعيد للشمس مكانها في قلبك.

فالسلام على أولئك الذين لا يطرقون أبواب القلوب ثم يغادرون، بل يقفون عند العتبات بصبر العارفين وقلب المحبين. أولئك الذين إذا وجدوا باباً موصداً لم يستسلموا لليأس، ولم يفسروا الصمت جفاءً، بل منحوا الوقت حقه، وانتظروا كما ينتظر الربيع تفتح أزهاره بعد شتاء طويل. إنهم الذين لا ينصرفون عند أول عثرة، ولا يبتعدون عند أول سوء فهم، بل يبحثون عن نافذة صغيرة للأمل، وعن ثغرة للنور وسط العتمة. فإذا لمحوا نصف انفراجة في باب الروح، دخلوا منها محملين بالدفء والطمأنينة، فآزروا وساندوا، وواسوا واحتووا، حتى يصبح الحزن أقل وطأة، والوحدة أقل قسوة. هؤلاء ليسوا مجرد عابرين في حياتنا، بل هم الأيادي التي تمتد إلينا عندما نتعثر، والقلوب التي تتسع لأوجاعنا عندما تضيق بنا الدنيا، والأرواح التي تجعل من وجودها ملاذاً آمناً حين تعصف بنا رياح الحياة.
اختر من يكون معك في كل حالاتك، لا في الصورة التي يحبها عنك فقط. اختر من يحب عفويتك حين تتصرف بلا تكلف، ويحتمل عصبيتك حين تضيق بك الدنيا، ويصبر على غضبك حين تعجز عن التعبير عن أوجاعك. اختر من يرى في اندفاعك حياة، وفي طفولتك براءة، وفي عنادك شخصية، وفي صمتك لغة أخرى تحتاج إلى من يفهمها.

إن أعظم العلاقات ليست تلك التي تقوم على المثالية الزائفة، بل تلك التي تتسع للنقص البشري. فالبشر ليسوا ملائكة، وكل إنسان يحمل في داخله ضوءاً وظلالاً، قوةً وضعفاً، ابتسامةً ودمعة. ومن يحبك حقاً لا يطلب منك أن تتخلى عن إنسانيتك ليبقى إلى جانبك، بل يمنحك الأمان لتكون كما أنت، دون خوف من الرفض أو التبديل.

هناك أشخاص يشبهون الفصول العابرة؛ يأتون ويذهبون مع تغير الظروف. وهناك أشخاص يشبهون الجبال، لا تغيرهم المواسم ولا تهزهم الرياح. الأولون يحبون ما تمنحهم إياه، أما الآخرون فيحبونك أنت. الأولون يقتربون عندما تكون مزهراً كحديقة ربيعية، ويبتعدون عندما تذبل أوراقك قليلاً، أما الصادقون فيسقون جذورك حتى تعود أكثر اخضراراً.

من أرادك حقاً، أحبك. ومن أحبك حقاً، تقبلك. ومن تقبلك حقاً، قدّرك. هذه معادلة المحبة الصادقة التي لا تخطئ. فالتقدير ليس كلمات جميلة تُقال عند الحاجة، بل مواقف تُبنى عليها الثقة. إنه أن يشعر الإنسان بقيمته في حضورك كما يشعر بها في غيابك، وأن يدرك أن مكانته محفوظة في قلبك مهما تغيرت الظروف.

وما أجمل أن تجد إنساناً يختارك كل مرة، لا لأن الخيارات انعدمت أمامه، بل لأنك كنت خياره الأول رغم كثرة الخيارات. يختارك في الفرح والحزن، في القوة والضعف، في النجاح والتعثر. يختارك لأن وجودك في حياته ليس تفصيلاً عابراً، بل ضرورة تشبه حاجة الأرض إلى المطر، وحاجة الروح إلى الأمل.

وفي نهاية المطاف، لا تبحث عن إنسان كامل، فالكمال لله وحده. ابحث عن إنسان صادق، إذا وعد وفى، وإذا أحب أخلص، وإذا بقي لم يتغير. ابحث عن قلبٍ يكون لك مأوى حين تتعب، وعن روحٍ تشبه الدعاء المستجاب، وعن يدٍ تبقى ممدودة نحوك حتى عندما تدير الحياة ظهرها لك.

ففي زمنٍ أصبحت فيه العلاقات سريعة كوميض البرق، يبقى الإنسان الوفي كنجمٍ ثابتٍ في سماء العمر، لا تنطفئ أنواره مهما طال الليل، ولا يغادر مكانه مهما اشتدت العواصف. ذلك الإنسان هو النعمة التي لا تُشترى، والكنز الذي لا يُعوّض، والأثر الجميل الذي يترك في القلب حديقةً من الطمأنينة لا تذبل أزهارها أبداً.