شعر : علي البتيري
ما عدتُ في جباليا
نزحتُ مع عائلتي إلى الجنوب
ودفتري معي
رحنا نسيرُ حائرينَ تائهين
في شارع الرشيد
إن لم ألاقِ مصرعي
سألتقيكم من جديد
وهمّيَ الوحيد
تسجيلُ ما أراهُ ماثلاً أمامي
وها أنا
في كل مشهدٍ مؤثرٍ يفيض بالإجرامِ
أرى الشيوخ والأطفال والنساء
وقد تحوَّلوا إلى أشلاء
وقبلَ أن أنهي كتابتي
في يوميَ الأولِ من تسجيل يوميّاتي
تفجَّر الصاروخُ حاصداً أرواحَ من أتوا
إلى بيتِ العزاء
فقلتُ هذه لنا تعزيةُ منَ الأعداء..!
****
صباحَ هذا اليوم قد وصلنا منطقةَ المواصي
وعندَها اعتقدنا
بأننا ابتعدنا
عن القذائفِ السوداء..
ولعنةِ الرصاصِِ
وبندقيةِ القناصِِ
بقربِ البحرِ قد نصبنا
على الرمال خيمةَ النزوح
وبعدَها..
رأيتُ والدي الحبيبَ حاملاً
في الكيس بعضَ الأرغفة
ورزمةً من المعلبات
وكانَ الجوعُ من أمعائِنا يقتات
رأيتُ فرحةًعلى وجوه إخوتي
رغمَ النزوحِ والجروح ِوالشتات .
*****
جمعيةٌ خيريةٌ أقامت
في مخيَّم النزوحِ مدرسة
وأحضرت معلّمة
تعهدت تعليمَ من تشردوا
من الصغار
مع أنّها نازحةٌ فقيرة
وهكذا أقيمت خيمةٌ كبيرة
فيها تجمَّعَ الأطفال
وصارَ في أيديهم الأقلامُ والدفاتر
كأنهم بعد الدمار والمجازر
عادوا إلى المدارس ..!
وكلُّ واحدٍ منهم على الرمالِ جالس
لكنّهم لم يفرحوا سوى أيام
وثمَّ جاءتنا قذائفُ الفسفور
وأحرقت خيمتهم
ولم يعد لها وجود
وهكذا ما عاد لانقضاضهم
على وجودنا حدود .
هنا اختتمتُ ما كتبتُ هذا اليوم
لا تعجبوا يا قوم ..
من جرم فعلِهم فهكذا هم اليهود.
ومَن تصهينوا وقد تشرَّبوا أحقادهم
منَ التلمود...
****
جاءت رسالةٌ على جوّالي
من خاليَ المقيمِ في ألمانيا
يقولُ فيها خالي:
*فداءُ يا فداء..
يا بنتَ أختيَ الأبية
سمعتُ أنَّكِ في دفترٍ حزين
تُسجلينَ كلَّ ما تشاهدين
من غارةٍ لغارةٍ على قطاعنا الحبيب
تشنُّها أيدي الغزاةِ المعتدين
يا بنتَ أختي سجّلي ما أنتِ ترصدين
جميعَ ما ترينَ من فظائع الحقد اللعين
على قطاعنا المنكوب بالإبادة
ولا تجاملي تحدَّثي
عن صمتِ أمةٍ مسلوبةِ الإرادة
إياكِ أن تستسلمي لدمعةِ القلم
تفوَّقي على الألم..
ولتفضحي من حولِنا تخاذلَ الأمم.
******
أجبتُ خاليَ المهاجر
ما همَّنا القذائفُ التي
تُخلّفُ المجازر..
ما همَّنا تنهُّدُ الحروف والسطورِ
في الدفاتر
ما همَّنا تكدُّسُ الأجسادِ في المقابر
لكنَّ ما أغاظَنا
غيابُ أمةٍ بحالِها ما بينَ غائبٍ يُديرُ ظهرَهُ
وحاضرٍ بَل شبهِ حاضر
******
رسمتُ من جراحِنا ملامحَ الفجر الجديد
وقلتُ للنجومِ في السماء
بريقُكِ الليليُّ فيه ألفُ بسمةٍ
من الرجاء..
في عين كل طفلٍ حالم في الليل بالرغيف
أو ظامئٍ لشربةٍ في البالِ من ماءٍ نظيف
******
من ساحةٍ أمام مستشفى الشفاء
قد عادَ والدي معَ المساء
سمعتُهُ يقولُ وهو ينفضُ اليدين
رأيتُ بالعينين..
دبابةً تدكُّ غرفةَ العنايةِ المُركَّزة
وخلفَها جرافةٌ بحقدِ مَن يقودُها مُعزَّزة
قد راحَ يجرفُ الأجسادَ والأشلاء
لدفنِها في حفرةِ معدَّةٍ كبيرةٍ
كأنَّها لموتِنا سوقُ المزاد
وحقدُهم على وجودِنا يزداد.



