الكاتبة : د.ايمان هريدي
في أعمال الفنان التشكيلي الفلسطيني نبيل العناني، لا يكون الرسم مجرّد تشكيل بصري، بل أرشيفًا وطنيًا ملوّنًا، يعيد كتابة التاريخ الفلسطيني بلغة اللون والفقد.
وفي لوحته التي بين أيدينا، تأخذ المرأة الفلسطينية موقع القلب لا على الهامش، كأنها جدار الذاكرة، ومرآة الأرض، ووصيّة الحياة.
تقف المرأة في المنتصف، منتصبةً كالشجرة، ترتدي ثوبًا فلسطينيًا تقليديًا مطرّزًا، ترتدي حكاية شعب ووطن. تحمل بيدها زهرة صغيرة، وكأنها تقول إنّ هناك حياة برائحة الأمل والخبز والميرمية.
تتصدر المرأة المشهد، ووجهها ساكن كتمثال، شقّه الصمت والحزن، وسكّنه الصبر. هل قصد الفنان "الأم"؟ نعم، إنها الأم الفلسطينية – الأرض التي لا تنام.
عيناها مفتوحتان على التاريخ، وفمها المغلق يحمل كل القصائد المؤجَّلة. على ثوبها تنمو مشاهد مصغّرة لحياة النساء الفلسطينيات: نساء يحملن أطفالًا، يرضعن، يزرعن، يحتضنّ بعضهن…
الثوب للمرأة هو أرض، رحم، سردية منسوجة بالخيط والصبر. كأنّ كل غرزة في التطريز تحفظ ذاكرة عائلة، قرية، أو شهيد، أو صدى قرية اقتُلعت من جذورها، أو ضوء حلم لم يكتمل.
الخلفية تنقسم إلى فضاءين معماريين يرمزان لمدن فلسطين المتنوّعة:
قبب، كنائس، مساجد، ساحات، قناطر، أشجار زيتون وسرو.
لكن اللافت أن هذه المدن لا تقف خلف المرأة، بل تنبثق منها وتلتف حولها،
كأنّ الفنان يقول:
من رحم النساء الفلسطينيّات وُلدت هذه الأرض، ومن صبرهنّ بُنيت.
لوحة لا تُزيّن الجدران… بل تضيء الذاكرة بلون الفقد، والشهادة، والخصب الأحمر، الذي يعكسه اللون الأخضر.
الأخضر هو الخصوبة والأمل في زقاق تلك المدن، ليأتي بعدها بظلال.
الأبيض والأسود في لباسها وثوبها يعكسان ثنائية فلسطين: النقاء والحداد، الحياة والموت، الحضور والغياب.
نبيل العناني، كعادته، يرسم ليوقظ القلب ويذكّر الذاكرة.
هذه اللوحة رسمٌ لفلسطين بوجه أنثوي، تختصر الوطن بأكمله،
بثوبٍ واحد تتسع لكل القصص،
وبامرأة واحدة… يحيا التاريخ في صمت الألوان .



