بقلم : د بسام سعيد
فى ظلّ الوضع الراهن الذي تمرّ به غزة، تقف لجنة التكنوقراط أو اللجنة الوطنية لادارة قطاع غزة أمام تحديات غير مسبوقة فرضتها سنوات من الحصار والتصعيد العسكري، تفاقمت خلال الحرب الأخيرة لتطال كل تفاصيل الحياة اليومية. الدمار الواسع في البنية التحتية، والانهيار الكلي للخدمات الأساسية، والضغط الهائل على النسيج الاجتماعي والاقتصادي، جميعها عوامل تجعل من مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار مرحلة مفصلية تتطلب رؤية واضحة وخطة عمل متماسكة تقودها لجنة إدارة غزة الجديدة، بهدف الانتقال من منطق الاستجابة الطارئة إلى مسار التعافي وإعادة البناء والاستقرار المستدام طبعا لو استمر وقف إطلاق النار ، فعلى صعيد التعليم يمكن القول أن قطاع التعليم والتعليم العالي يعد من أكثر القطاعات تضررًا، حيث خرجت مئات المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية عن الخدمة، وتشتت الطلبة والمعلمون، وتراجعت العملية التعليمية إلى حدها الأدنى وزاد الفاقد التعليمى بين الطلاب ، الأمر الذي يتطلب ان تركز خطة لجنة إدارة غزة على إعادة فتح المدارس والجامعات بشكل تدريجي بعد تأهيل المباني المتضررة، وتوفير بيئة تعليمية آمنة نفسيًا وجسديًا للطلبة. وإيجاد برامج تتضمن برامج لتعويض الفاقد التعليمي، والاهتمام بالدعم النفسي ، والاجتماعي، والاشراف على المدارس الشعبية ، وتحديث المناهج بما يعزز قيم الصمود والتماسك المجتمعي، إلى جانب الاستثمار في التعليم الرقمي كحل مكمل في حالات الطوارئ.
أما على صعيد الصحة والإسكان فالقطاع الصحي عانى ويعانى من استنزاف حاد في الموارد والبنية التحتية، حيث تضررت ودمرت المستشفيات والمراكز الصحية ، ونقصت الأدوية والمستلزمات الطبية. وهذا يتطلب ان تقوم الخطة إلى إعادة تأهيل المرافق الصحية، وضمان تدفق مستقر للأدوية والوقود، ودعم الكوادر الطبية التي عملت في ظروف قاسية.
بالتوازي، يحظى ملف الإسكان بأولوية قصوى في ظل تشريد عشرات الآلاف من الأسر، إذ يتطلب ان تركز اللجنة على توفير مساكن مؤقتة أو كرفانات كمرحلة أولى بدلا من الخيام ، ثم الانتقال إلى إعادة إعمار منظمة تضمن السكن الكريم، وتراعي التخطيط الحضري الآمن والمستدام.
اما بالنسبة للأمن والذى يشكل أساس الاستقرار، يتطلب ان تعمل لجنة إدارة غزة على تعزيز دور المؤسسات المدنية والأطر المحلية لضمان سيادة القانون وحماية المواطنين، بعيدًا عن الفوضى والعشوائية فى التعيينات ، والمحسوبية أو الفراغ الإداري ، وإعداد كادر شرطي جديد بعيدا عن الفئوية الحزبية ، أما فيما يتعلق بالمياه والكهرباء، وهما شريان الحياة اليومي، نرتأي ان تركز الخطة على إصلاح شبكات التوزيع المتضررة، والاستفادة من شركات القطاع الخاص ، وتشغيل محطات التحلية والآبار، وضمان الحد الأدنى من الإمدادات الكهربائية للمنازل والمرافق الحيوية، مع السعي إلى حلول بديلة ومستدامة كالطاقة الشمسية تقلل من هشاشة هذه القطاعات أمام الأزمات المستقبلية.
وفيما يتعلق بالخطة الاقتصادية المستقبلية فيجب ان تسعى الخطة الاقتصادية إلى الانتقال من اقتصاد الإغاثة إلى اقتصاد التعافي، عبر تحفيز عجلة الإنتاج المحلي، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وخلق فرص عمل تنموية خاصة للشباب والخريجين. والعمل علي إعادة تنشيط القطاعات الحيوية مثل الزراعة والصناعة الخفيفة، وتنظيم المساعدات الدولية ضمن إطار تنموي يضمن الشفافية والاستدامة ، وتعزيز قدرة المجتمع على الصمود، وبناء قاعدة اقتصادية قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية وتحقيق قدر من الاستقلالية.
في المحصلة ما نريدة أن تمثل خطة عمل لجنة إدارة غزة والمسماة تكنوقراط العمل علي إعادة ترتيب الأولويات في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، والانطلاق نحو إعادة بناء الإنسان والمكان معًا. ورغم ضخامة التحديات، فإن وضوح الرؤية وتكامل القطاعات، إلى جانب الدعم الشعبى المحلي والدولي، يمكن أن يشكل أساسًا حقيقيًا لمرحلة أكثر استقرارًا وعدالة لسكان قطاع غزة الذين عانوا ومازالوا يعانون .
* أكاديمي وباحث تنموي



