الكاتب : يونس العموري
في اللحظة التي تتهاوى فيها خرائط القوة القديمة، وتُعاد صياغة موازين النفوذ الإقليمي والدولي على وقع الحروب الكبرى، تقف الحركة الوطنية الفلسطينية أمام واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً والتباساً منذ نشأتها الأولى .... فالمأساة الفلسطينية لم تعد مجرد قضية شعب يرزح تحت الاحتلال، بل تحولت إلى مرآة كاشفة لانهيار النظام العربي التقليدي، وتبدل أولويات الإقليم، وصعود منظومات جديدة من المصالح والتحالفات تتجاوز فلسطين، بل وتسعى أحياناً إلى إعادة تعريفها ضمن قوالب سياسية وأمنية واقتصادية جديدة...
لقد كشفت حرب الإبادة على غزة، بما حملته من وحشية غير مسبوقة، حجم العجز البنيوي الذي تعانيه الحركة الوطنية الفلسطينية بمختلف تياراتها الفكرية والسياسية. فمنذ عقود، تراكمت الأزمات داخل البنية الوطنية الفلسطينية .. أزمة البرنامج، وأزمة القيادة، وأزمة التمثيل، وأزمة العلاقة بين الوطني والتحرري، وبين السياسي والعسكري، وبين السلطة والمقاومة. حتى بات المشهد الفلسطيني موزعاً بين سلطات متنازعة، وفصائل مثقلة بإرث الانقسام، وخطابات متعارضة حول شكل المشروع الوطني وحدود الممكن السياسي...
ولم تعد الأزمة الفلسطينية محصورة في الانقسام الجغرافي بين غزة والضفة، بل أصبحت أزمة رؤية تاريخية شاملة. فالحركة الوطنية التي تشكلت على قاعدة التحرر الوطني الكامل، وجدت نفسها مع مرور الزمن أسيرة لتوازنات إقليمية متقلبة، ومشاريع دولية هدفت إلى احتواء القضية لا حلها، وإعادة إنتاج الفلسطيني بوصفه ( ملفاً أمنياً وإنسانياً ) لا شعباً يسعى إلى الحرية والسيادة....
وفي ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، من الحرب الروسية الأوكرانية، إلى الصعود الصيني، إلى إعادة تشكل النظام الدولي، تبدو القضية الفلسطينية وكأنها تُدفع تدريجياً إلى هامش الاهتمام العالمي، ليس بسبب تراجع عدالتها الأخلاقية، بل نتيجة تغير أولويات القوى الدولية والإقليمية... فالعالم الذي تحكمه المصالح الصلبة، والطاقة ، والممرات التجارية، والتحالفات الأمنية، لم يعد ينظر إلى فلسطين باعتبارها مركز الصراع في الشرق الأوسط، بل كأحد الملفات القابلة للإدارة والتطويع ضمن ترتيبات إقليمية أوسع...
كما أن العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، والحرب المفتوحة على لبنان، لا يمكن فصلهما عن مشروع إعادة هندسة المنطقة سياسياً وأمنياً... فهذه الحروب لا تستهدف الجغرافيا العسكرية فقط، بل تسعى أيضاً إلى إعادة تشكيل الوعي السياسي العربي، وإنتاج شرق أوسط جديد تُعاد فيه صياغة الأولويات والهويات والتحالفات.... وفي قلب هذا المشروع، يجري العمل بصمت داخل الكواليس السياسية والإعلامية والثقافية على تفكيك المنظومة العروبية المرتبطة بفلسطين، وإعادة تعريف القضية الفلسطينية باعتبارها عبئاً على الاستقرار الإقليمي لا قضية تحرر عربية مركزية.
إن أخطر ما تواجهه فلسطين اليوم ليس فقط آلة الحرب الإسرائيلية، بل محاولات ترسيخ مفاهيم جديدة تقوم على تحويل الصراع من صراع وجود وحقوق تاريخية إلى مجرد نزاع حدودي أو أزمة إنسانية قابلة للإدارة الاقتصادية...كما يجري الدفع باتجاه إعادة تعريف مفهوم ( العدو) و( الحليف) داخل الوعي العربي، بحيث تصبح إسرائيل شريكاً أمنياً واقتصادياً في مواجهة ( الأخطار الكبرى) ، بينما تُختزل فلسطين في بعدها الإغاثي والإنساني.
وفي المقابل، تبدو الحركة الوطنية الفلسطينية عاجزة حتى الآن عن إنتاج مراجعة تاريخية عميقة تعيد بناء المشروع الوطني على أسس جديدة تتجاوز الانقسام، والإيديولوجيا المغلقة، والتبعية للمحاور. فالتحدي الحقيقي لم يعد فقط في مواجهة الاحتلال، بل في استعادة المعنى السياسي والأخلاقي للقضية الفلسطينية داخل الوعي العربي والعالمي، وإعادة إنتاج خطاب تحرري حديث قادرعلى مخاطبة العالم بلغة العدالة والحرية والكرامة الإنسانية.
إن فلسطين اليوم تقف عند مفترق تاريخي حاسم ... إما أن تتحول إلى قضية معزولة تُدار ضمن ترتيبات إقليمية ودولية لا تعترف بجوهر حقوق شعبها، أو أن تنجح القوى الوطنية الفلسطينية، ومعها القوى الحية في الأمة، في إعادة بناء مشروع تحرري جامع يستعيد مركزية فلسطين بوصفها قضية حرية وإنسان وعدالة، لا مجرد ملف سياسي قابل للمساومة... وفي زمن التحولات الكبرى، لا تنجو القضايا العادلة بقوة عاطفتها وحدها، بل بقدرتها على تجديد ذاتها، وإنتاج أدواتها، وامتلاك وعي تاريخي جديد يفهم العالم كما هو، لا كما نرغب أن يكون...
وفي محاولة لتشريح الواقع الفلسطيني الراهن، لا يمكن مقاربة أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية بوصفها أزمة عابرة أو مرتبطة فقط بنتائج الحرب الأخيرة، بل باعتبارها أزمة بنيوية عميقة تضرب مكونات المشروع الوطني كافة، وتكشف حدود الأطر السياسية والفكرية التي حكمت التجربة الفلسطينية منذ عقود. فكل مكون من مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية يعيش اليوم مأزقه الخاص، وفي الوقت ذاته يساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تعميق المأزق الوطني العام.
وفي هذا السياق وكرؤية واقعية نرى التحولات الجذرية لحركة فتح، التي شكلت تاريخياً العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني المعاصر، من حركة تحرر وطني ذات طابع كفاحي وشعبي إلى بنية سلطوية بيروقراطية مثقلة بأعباء السلطة والتنسيق والارتهان للمعادلات الدولية والإقليمية. فالمعضلة الكبرى التي تواجه ( فتح) اليوم ليست فقط أزمة القيادة أو الشيخوخة التنظيمية، بل فقدان القدرة على إنتاج رواية سياسية مقنعة لجيل فلسطيني يعيش تحت الاحتلال والحصار والانهيار الاقتصادي...لقد دخلت الحركة في تناقض بنيوي بين وظيفتها كحركة تحرر وبين تموضعها داخل بنية سلطة محدودة السيادة، مرتبطة عضوياً بمنظومة اتفاقات فقدت شرعيتها السياسية والشعبية مع مرور الزمن... وما يزيد من تعقيد أزمة ( فتح) أنها لم تعد قادرة على استعادة دورها التاريخي كإطار وطني جامع، وفي الوقت ذاته لم تنجح في التحول إلى نموذج دولة أو سلطة مستقرة قادرة على بناء مشروع سياسي قابل للحياة. وبذلك أصبحت الحركة عالقة في منطقة رمادية بين الثورة والسلطة، وبين الخطاب الوطني التقليدي ومتطلبات البقاء داخل النظام الإقليمي والدولي القائم...
وفي هذا السياق المضطرب، لا يبدو الحديث عن مؤتمر حركة فتح الثامن مجرد محطة تنظيمية داخلية تخص الحركة وحدها، بل حدثاً سياسياً يتجاوز البعد الفصائلي ليطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية بأكملها...فـحركة فتح بما تمثله من ثقل تاريخي ورمزي داخل النظام السياسي الفلسطيني، لم تعد مجرد تنظيم سياسي بين تنظيمات أخرى، بل أصبحت مرآة تعكس أزمة المشروع الوطني الفلسطيني بكل تناقضاته وتحولاته وانسدادات أفقه...
إن أهمية المؤتمر الثامن لا تنبع فقط من كونه استحقاقاً تنظيمياً تأخر طويلاً، بل لأنه يأتي في لحظة تاريخية استثنائية تتقاطع فيها حرب الإبادة على غزة، والتحولات الإقليمية العنيفة، ومحاولات إعادة تشكيل الشرق الأوسط، مع حالة الانهيار البنيوي التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني.... ولهذا فإن السؤال الحقيقي المطروح ليس من سيصعد داخل اللجنة المركزية، أو من سيرث مواقع النفوذ التقليدية ، بل هل تمتلك فتح القدرة على إعادة تعريف ذاتها ووظيفتها التاريخية في هذه المرحلة المفصلية .. ؟
لقد تأسست حركة فتح تاريخياً بوصفها إطاراً تحررياً عابراً للأيديولوجيات المغلقة، يحمل فكرة وطنية جامعة قادرة على استيعاب التناقضات الفلسطينية والعربية داخل مشروع تحرر شامل. غير أن الحركة، مع الزمن، انتقلت تدريجياً من منطق الثورة إلى منطق السلطة، ومن مشروع التحرير إلى إدارة الواقع القائم.
ومع كل محطة سياسية كبرى، كانت تتعمق الهوة بين البنية التنظيمية التقليدية للحركة وبين التحولات الاجتماعية والسياسية الفلسطينية... واليوم يأتي المؤتمر الثامن بينما تواجه فتح أخطر أزماتها التاريخية .. أزمة الشرعية السياسية، وأزمة التجديد القيادي، وأزمة العلاقة مع الشارع الفلسطيني، وأزمة المشروع الوطني ذاته... فالحركة التي قادت الفلسطينيين لعقود تبدو عاجزة عن إنتاج خطاب جديد يتناسب مع جيل فلسطيني وُلد في ظل الانقسام، والحصار، وفشل التسوية، والانهيار الاقتصادي، وصعود أنماط جديدة من الوعي السياسي والاجتماعي...
وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية، تصبح هذه الأزمة أكثر تعقيداً. فثمة محاولات حثيثة تُدار في الكواليس لإعادة تشكيل البيئة السياسية العربية تجاه فلسطين، ليس فقط عبر التطبيع السياسي والأمني، بل من خلال إعادة صياغة المفاهيم ذاتها .. مفهوم العروبة، ومفهوم العدو، ومفهوم الأمن القومي، وحتى مفهوم القضية الفلسطينية نفسها.
وفي هذا المناخ، تُدفع فتح بوصفها العمود الفقري للنظام السياسي الفلسطيني الرسمي نحو مزيد من التكيف مع معادلات إقليمية ودولية جديدة تسعى إلى إنتاج ( فلسطيني وظيفي ) مندمج ضمن ترتيبات الاستقرار الإقليمي، لا حركة تحرر وطني تحمل مشروعاً سيادياً وتاريخياً.
ومن هنا، فإن المؤتمر الثامن يواجه معضلة وجودية لا تنظيمية فقط .. وهل ستبقى فتح أسيرة بنيتها السلطوية الحالية، أم ستذهب نحو مراجعة تاريخية عميقة تعيد وصل الحركة بجذورها التحررية والشعبية .. ؟ وهل تستطيع إعادة بناء نفسها كحركة وطنية جامعة في زمن التشظي الفلسطيني، أم أنها ستتحول تدريجياً إلى إطار إداري يحافظ على بقاء السلطة أكثر مما يقود مشروع التحرر.. ؟
إن ما يجعل هذا المؤتمر بالغ الحساسية أن نتائجه لن تؤثر على فتح وحدها، بل على مجمل المشهد الفلسطيني. فضعف فتح لا يعني صعود مشروع وطني بديل بالضرورة، بل قد يعني مزيداً من التفكك داخل النظام السياسي الفلسطيني، واتساع الفجوة بين الضفة وغزة، وبين السلطة والمجتمع، وبين الفلسطيني وقضيته ....
أما حركة حماس، فقد استطاعت خلال العقود الماضية أن تفرض نفسها بوصفها القوة الأكثر حضوراً في معادلة المقاومة العسكرية والشعبية، مستفيدة من تآكل شرعية المشروع السياسي التقليدي، ومن فشل مسار التسوية. غير أن المأزق الذي تعيشه حماس اليوم لا يقل تعقيداً عن مأزق فتح ، وإن اختلفت أدواته وخلفياته... فالحركة التي بنت مشروعها على ثنائية المقاومة والهوية الإسلامية، وجدت نفسها مع مرور الوقت أمام استحقاقات السلطة والإدارة والحصار والعلاقات الإقليمية المتشابكة... ولقد كشفت الحرب الأخيرة على غزة أن حماس، رغم قدرتها على الصمود العسكري وإعادة إنتاج أدوات الاشتباك، ما تزال تفتقر إلى رؤية سياسية شاملة لإدارة اليوم التالي للحرب، أو لإعادة تعريف العلاقة بين المقاومة والمشروع الوطني الجامع... كما أن ارتباط الحركة بمحاور إقليمية، وإن كان مفهوماً ضمن شروط الصراع، جعلها أحياناً جزءاً من توازنات تتجاوز البعد الوطني الفلسطيني، الأمر الذي خلق فجوة متزايدة بينها وبين قطاعات فلسطينية وعربية ترى أن القضية الفلسطينية يجب أن تبقى فوق الاصطفافات الإقليمية المغلقة.
وفي العمق، تعاني حماس من الإشكالية ذاتها التي واجهتها حركات التحرر العقائدية عبر التاريخ .. والتي تتمثل بكيفية الانتقال من شرعية المقاومة إلى شرعية المشروع الوطني الشامل... ؟ وكيف يمكن الجمع بين البنية العقائدية والتنظيمية المغلقة وبين ضرورات التعددية الوطنية والسياسية الفلسطينية .. ؟
أما قوى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، إلى جانب بقية تيارات اليسار الفلسطيني التقليدي ، فتعيش أزمة أكثر قسوة وتعقيداً، لأنها أزمة وجود ودور ومعنى سياسي... فاليسار الفلسطيني، الذي مثل تاريخياً البعد الفكري والنقدي والطبقي داخل الحركة الوطنية، فشل في تطوير مشروعه النظري والتنظيمي بما يتناسب مع التحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى التي شهدها العالم والمنطقة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وصعود الهويات الدينية والطائفية والليبرالية السياسية الجديدة .. لقد تراجع اليسار الفلسطيني من موقع الفاعل المؤثر إلى موقع الشاهد الرمزي على الأحداث، وفقد تدريجياً قدرته على تمثيل الفئات الشعبية والطبقات المهمشة، لصالح قوى أكثر قدرة على التعبئة العقائدية أو السلطوية... كما أن الخطاب اليساري الفلسطيني بقي أسير اللغة التقليدية والشعارات التاريخية، دون أن ينجح في إنتاج مقاربة حديثة تربط بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي والديمقراطي في السياق الفلسطيني الجديد... والأخطر من ذلك أن معظم قوى الحركة الوطنية الفلسطينية، على اختلافها، باتت تتحرك ضمن منطق ( إدارة الأزمة) لا ( إنتاج المشروع) ... فبدلاً من بناء رؤية وطنية تاريخية موحدة، أصبح كل طرف منشغلاً بحماية بنيته التنظيمية ومجاله السلطوي وخطابه الخاص... وهكذا تآكلت فكرة ( الحركة الوطنية الجامعة ) لصالح جزر سياسية وتنظيمية منفصلة، لكل منها سرديتها وتحالفاتها وحساباتها....
إن المعضلة الفلسطينية الراهنة ليست فقط غياب الوحدة، بل غياب الفكرة الوطنية الجديدة القادرة على إعادة تعريف المشروع الفلسطيني في عصر التحولات الكبرى... فالأزمة الحقيقية تكمن في عجز النخب السياسية كافة عن الانتقال من منطق الفصيل إلى منطق التاريخ، ومن إدارة الانقسام إلى إنتاج مشروع تحرري ديمقراطي حديث، يعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني بوصفه مركز القضية وغايتها النهائية.



