الكاتب: سمير الجندي
في مدينة سوسة الساحلية، حيث يلتقي زرقة البحر ببياض القلوب، تواصل دار الجندي رحلتها مع الكتاب والحلم والمعنى... هنا، في معرض الكتاب الدولي بسوسة، لا تشعر أنك داخل معرض عابر، بل داخل وطن صغير للروح، وطن تصان فيه الكلمة ويحتفى فيه بالثقافة كما يحتفى بالخبز والماء والضوء.
المعرض في غاية الروعة تنظيما وترتيبا وأناقة إنسانية، يقف خلفه رجال أوفياء يحملون الثقافة بمحبة صادقة، وفي مقدمتهم الدكتور أيمن المدير الفني للمعرض وطاقمه الطيب المعطاء، الذين جعلوا من التفاصيل الصغيرة جسورا من الراحة والجمال والاحترام.
لكن الأجمل من الأروقة والديكورات والرفوف... هم الناس. هم أولئك الشباب والبنات من الطلبة والأكاديميين الذين يدخلون المعرض بعيون متلهفة للمعرفة، والنساء الفاضلات اللواتي يصطحبن أبناءهن كي يتعرفوا على العالم من بوابة الكتاب، لا من ضجيج الشاشات العابرة. هنا ترى الطفل يمد يده نحو قصة، وترى الطالب يفتش عن فكرة، وترى القارئ كأنه يعثر على جزء ضائع من روحه بين العناوين.
ولا يسعني إلا أن أذكر إخوتي الناشرين الذين قطعوا البحار والمسافات الطويلة، قادمين من أقطار عربية مختلفة، حاملين كتبهم كما يحمل العاشق رسائله القديمة. كل جناح هنا يشبه نافذة على مدينة عربية، وكل كتاب يشبه مصافحة دافئة بين الشعوب.
في مثل هذه الأماكن يسكن السلام الحقيقي. بين رفوف الكتب تنمو السكينة والمحبة، ويلتقي الأدباء بالأدباء، والمبدعون بالمبدعين، والحالمون بأحلامهم التي تصبح أكثر قربا من التحقق مع نغم القصيدة وإيقاع القلب.
وكان من أجمل ما حمله هذا اليوم لقائي بالأستاذ عبد العزيز الدهماني، مدير عام معرض الكتاب الدولي بسوسة، تلك الشخصية المثقفة المتواضعة والكريمة. تبادلنا الكلمات الطيبة، وكان حديثه عن فلسطين والقدس صادقا وعميقا ومفعما بالمحبة النبيلة، حتى بدا اللقاء القصير أكبر من مجرد لقاء عابر... كان لقاء روحين تؤمنان أن الثقافة ما زالت قادرة على حماية المعنى الإنساني وسط هذا العالم المتعب.
من سوسة... من مدينة البحر والكتاب والمحبة... نؤمن مرة أخرى أن الأمة التي تقرأ، لا يمكن أن تنكسر.



