آراء

النظام الانتخابي للمجلس الوطني الفلسطيني ...  أسئلة التمثيل والمشاركة والشرعية

23 مشاهدة
النظام الانتخابي للمجلس الوطني الفلسطيني ...  أسئلة التمثيل والمشاركة والشرعية

الكاتب : يونس العموري 

في سياق قراءتي لما تم تداوله ونشره بصورة غير رسمية حول نظام انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، وما أثاره هذا التسريب من سجال سياسي ونقاشات متعددة المستويات، تتقدم هذه الأطروحة بوصفها محاولة لفحص الأبعاد الكامنة وراء النص المقترح، بعيداً عن القراءات الانطباعية أو المواقف المسبقة. فالنقاش الدائر لا يتعلق فقط بالتفاصيل الإجرائية أو التقنية للنظام الانتخابي، وإنما يمتد إلى أسئلة أكثر عمقاً تتصل بطبيعة التمثيل السياسي الفلسطيني، وحدود المشاركة، وآليات إعادة إنتاج الشرعية الوطنية في ظل التحولات السياسية والمؤسسية التي شهدتها القضية الفلسطينية خلال العقود الماضية... 

ومن هذه الزاوية، فإن أي مقاربة جادة للنظام المقترح تستوجب النظر إليه باعتباره جزءاً من تصور أوسع لإعادة تشكيل العلاقة بين مكونات الشعب الفلسطيني ومؤسساته التمثيلية، وليس مجرد أداة لتنظيم عملية انتخابية. وعليه، فإن الملاحظات الواردة هنا تنطلق من محاولة فهم الفلسفة السياسية التي يستند إليها النظام، واستكشاف مدى قدرته على تحقيق التوازن بين مقتضيات التمثيل الشامل، ومتطلبات الفاعلية المؤسسية، وضرورات الحفاظ على وحدة الإطار الوطني الجامع. كما تسعى إلى تقييم انعكاسات بعض مواده وآلياته على مستقبل المشاركة السياسية، وعلى فرص تجديد الشرعيات الوطنية بصورة ديمقراطية تعكس التنوع الفلسطيني وتستجيب للتحديات الراهنة... 

لا تكمن المشكلة الأساسية في النظام الانتخابي الجديد للمجلس الوطني الفلسطيني في تفاصيله الإجرائية أو الفنية، بل في الفلسفة السياسية التي يقوم عليها. فالنظام المطروح لا يبدو وكأنه ينظم انتخابات الهيئة التشريعية العليا لحركة تحرر وطني ما زالت تخوض صراعا مفتوحا مع الاحتلال، بقدر ما يبدو وكأنه قانون انتخابي لدولة مستقرة ذات سيادة كاملة على أرضها وسكانها ومؤسساتها. وهنا تكمن المفارقة الكبرى ...

منظمة التحرير الفلسطينية ليست دولة... لم تنشأ كدولة، ولم يمنحها الشعب الفلسطيني شرعيتها باعتبارها دولة، بل باعتبارها إطارا وطنيا جامعا وحركة تحرر تمثل الفلسطينيين كافة أينما وجدوا. المجلس الوطني الفلسطيني لم يكن يوما برلمانا لدولة قائمة، وإنما كان برلمان الشعب الفلسطيني الموزع بين الاحتلال واللجوء والشتات والمنافي. لذلك فإن أي نظام انتخابي للمجلس الوطني يجب أن ينطلق من هذه الحقيقة الجوهرية، لا أن يقفز فوقها ويستعير نماذج قانونية مستنسخة من تجارب الدول المستقرة...

إن القراءة المتأنية للنظام تكشف محاولة واضحة لإسقاط نموذج الدولة على واقع لا يزال محكوما بشروط الاحتلال والاستعمار الاستيطاني والتشتيت الوطني ، وهذا الخلل لا يظهر في مادة أو اثنتين، بل يكاد يكون حاضرا في مجمل البنية الفكرية التي تحكم القانون.

أول مظاهر هذا الخلل يتمثل في اعتبار الضفة الغربية وقطاع غزة دائرة انتخابية واحدة... قد يبدو هذا النص منطقيا على الورق، لكنه ينهار أمام أول اختبار للواقع. فالضفة الغربية وقطاع غزة لا يشكلان اليوم وحدة جغرافية أو سياسية أو إدارية واحدة... منذ أكثر من عقد ونصف يعيش الفلسطينيون حالة انقسام سياسي ومؤسساتي عميق، كما أن الاحتلال الإسرائيلي نفسه فرض وقائع تجعل التواصل بين الضفة وغزة خاضعا لإرادته المطلقة...  الأخطر من ذلك أن اتفاقيات أوسلو نفسها قسمت الضفة الغربية إلى مناطق مختلفة الصلاحيات والسيطرة. فهناك مناطق تخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة، وأخرى لسيطرة أمنية إسرائيلية وإدارية فلسطينية، وثالثة لسيطرة فلسطينية محدودة. أما قطاع غزة فقد تحول بعد الحروب المتتالية إلى منطقة مدمرة على نحو غير مسبوق، حيث تعرضت المدن والبنية التحتية والمؤسسات المدنية والاقتصادية لتدمير واسع النطاق. فكيف يمكن الحديث عن دائرة انتخابية موحدة بينما الواقع الفعلي يقول إن هذه المناطق لا تخضع لنظام سياسي واحد ولا لسلطة إدارية واحدة ولا حتى لظروف معيشية متقاربة ؟  إن النص هنا لا يعبر عن الواقع السياسي بقدر ما يعبر عن رغبة في تجاهله... وهو ما يجعل القانون أقرب إلى بناء قانوني افتراضي منه إلى إطار عملي قابل للتطبيق ... وتتجلى الأزمة بصورة أكثر وضوحا عندما يتعلق الأمر بالقدس. فالقدس التي يتحدث عنها القانون باعتبارها جزءا من الأراضي الفلسطينية الخاضعة للعملية الانتخابية، تخضع فعليا للسيطرة الإسرائيلية الكاملة. إسرائيل ترفض أي مظهر من مظاهر السيادة الفلسطينية في المدينة، وقد سبق أن عرقلت مرارا عمليات انتخابية ونشاطات سياسية فلسطينية فيها. ومع ذلك لا يقدم النظام أي تصور عملي لكيفية ضمان مشاركة الفلسطينيين المقدسيين بصورة حقيقية وفاعلة...  إن القانون هنا يتعامل مع القدس بوصفها جزءا من المجال السيادي الفلسطيني، بينما الواقع يقول إن الاحتلال هو صاحب القرار الفعلي فيها. وهذه الفجوة بين النص والواقع ليست تفصيلا قانونيا، بل تعكس أزمة أعمق في فهم طبيعة المرحلة الوطنية التي يعيشها الشعب الفلسطيني.

لكن الإشكالية الأكبر لا تتعلق بالضفة أو غزة أو القدس، وإنما تتعلق بالشعب الفلسطيني نفسه. فمنظمة التحرير الفلسطينية لم تحصل على شرعيتها التاريخية لأنها مثلت سكان الأراضي المحتلة عام 1967 فقط، بل لأنها مثلت الشعب الفلسطيني كله. الفلسطيني في حيفا والناصرة، كما الفلسطيني في مخيم اليرموك، وفي عمان، وفي تشيلي، وفي برلين، وفي غزة، وفي القدس، جميعهم كانوا جزءا من الجماعة الوطنية التي ادعت المنظمة تمثيلها...  وهنا يبرز السؤال الذي يتهرب منه النظام الانتخابي: أين موقع الفلسطينيين في أراضي عام 1948؟  الفلسطينيون داخل الخط الأخضر ليسوا جالية فلسطينية في الخارج، وليسوا حالة هامشية يمكن تجاوزها، بل هم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني. هؤلاء حافظوا على هويتهم الوطنية رغم عقود الأسرلة والتمييز والسياسات الإسرائيلية المختلفة. ومع ذلك لا يقدم النظام رؤية واضحة لتمثيلهم، ولا يحدد آليات مشاركتهم، ولا يوضح كيفية انتخاب ممثليهم داخل المجلس الوطني... إن تجاهل هذه المسألة يطرح سؤالا خطيرا حول طبيعة التمثيل الذي يسعى القانون إلى بنائه. فإذا كانت منظمة التحرير تدعي تمثيل الشعب الفلسطيني كله، فإن غياب تصور واضح لفلسطينيي الداخل يعني أن جزءا مركزيا من الشعب الفلسطيني يجري التعامل معه باعتباره تفصيلا ثانويا في معادلة التمثيل الوطني...

وإذا انتقلنا إلى الأردن فإن الأسئلة تصبح أكثر تعقيدا. فالأردن يضم أكبر تجمع فلسطيني خارج فلسطين التاريخية. ملايين الفلسطينيين هناك يحملون الجنسية الأردنية ويتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة. لكن حمل الجنسية الأردنية لم يلغ تاريخيا انتمائهم للشعب الفلسطيني ولا ارتباطهم بالقضية الوطنية الفلسطينية... 

فهل يتعامل النظام الانتخابي معهم باعتبارهم جزءا من الجسم الانتخابي الفلسطيني؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الآليات التي تضمن تمثيلهم الحقيقي؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فهل يعني هذا شطب أحد أكبر التجمعات الفلسطينية من معادلة التمثيل الوطني؟

الأمر ذاته ينطبق على الفلسطينيين الذين حصلوا على جنسيات أمريكية أو كندية أو أوروبية أو لاتينية أو غيرها. فالقانون يتحدث عن الفلسطينيين بصورة عامة، لكنه لا يجيب عن السؤال السياسي الجوهري: هل الجنسية الجديدة تلغي الحق في التمثيل داخل مؤسسات منظمة التحرير أم لا؟

هذه ليست أسئلة تقنية، بل أسئلة تمس جوهر المشروع الوطني الفلسطيني. لأن منظمة التحرير وجدت أصلا لمعالجة حالة شعب مشتت يحمل وثائق وجنسيات متعددة لكنه يحتفظ بهوية وطنية واحدة. أما القانون الحالي فيبدو وكأنه يفترض وجود جسم سياسي متجانس يشبه مواطني الدول التقليدية، وهو افتراض لا ينسجم مع التجربة الفلسطينية التاريخية... 

ومن زاوية أخرى، فإن القانون يعكس انتقالا غير معلن من مفهوم التحرر الوطني إلى مفهوم إدارة السلطة. فحركات التحرر الوطني لا تبني مؤسساتها على أساس إدارة دولة قائمة، بل على أساس إدارة معركة وطنية مفتوحة ضد الاحتلال. لذلك كانت منظمة التحرير تاريخيا إطارا ائتلافيا واسعا يستوعب مختلف التيارات السياسية والاجتماعية والوطنية... 

أما النظام الجديد فيتعامل مع العملية السياسية بمنطق انتخابي تقليدي يشبه الانتخابات البرلمانية في الدول المستقلة. وهذا التحول ليس مسألة إجرائية، بل يعكس تحولا في فهم وظيفة المجلس الوطني نفسه. هل هو قيادة سياسية لحركة تحرر وطني أم برلمان لدولة تحت التأسيس؟

المفارقة أن القانون يتحدث عن انتخابات عامة بينما الشعب الفلسطيني نفسه لا يعيش في فضاء سياسي واحد. جزء منه تحت الاحتلال، وجزء تحت الحصار، وجزء يحمل جنسيات أخرى، وجزء يعيش في مخيمات اللجوء، وجزء يخضع لقوانين دول متعددة ومتناقضة. لذلك فإن استنساخ نموذج انتخابي كلاسيكي لا يؤدي بالضرورة إلى تعزيز التمثيل الوطني، بل قد يؤدي إلى إنتاج تمثيل مشوه لا يعكس حقيقة الشعب الفلسطيني ولا ظروف وجوده.

أما من الناحية السياسية، فإن اشتراط التزام القوائم بمنظمة التحرير وبرنامجها السياسي يثير إشكالية إضافية. فإذا كان المجلس الوطني هو السلطة العليا للمنظمة، فمن المفترض أن يكون قادرا على مراجعة سياساتها وتعديلها ومحاسبة قيادتها. لكن اشتراط الالتزام المسبق بالبرنامج السياسي القائم يعني عمليا أن المجلس قد يتحول إلى مؤسسة تعيد إنتاج السياسات نفسها بدلا من أن تكون فضاء لتجديد الشرعية الوطنية ومراجعة الخيارات السياسية.

غير أن أخطر ما في هذا القانون ليس مضمونه، بل مصدره. فمن الذي يملك أصلا حق إقرار نظام انتخاب المجلس الوطني؟

المجلس الوطني هو أعلى سلطة في منظمة التحرير. وهو الذي يمنح الشرعية للجنة التنفيذية وليس العكس. ومنطق المؤسسات يقتضي أن السلطة الأدنى لا تنشئ قواعد انتخاب السلطة الأعلى. ولذلك فإن السؤال المشروع هو: كيف يمكن للجنة التنفيذية أن تضع النظام الذي سيحدد شكل المجلس الوطني المقبل وتركيبته وآليات انتخابه، ثم تصادق عليه الجهة نفسها التي تستمد شرعيتها من المجلس الوطني؟

إن هذه المسألة ليست شكلية. ففي النظم الديمقراطية الراسخة تعتبر قوانين الانتخابات من أكثر القوانين حساسية لأنها تحدد قواعد المنافسة السياسية ذاتها. ولذلك تخضع عادة لحوارات وطنية واسعة وتوافقات شاملة. أما أن تقوم سلطة قائمة بوضع قواعد إعادة إنتاج الشرعية التي ستحكم مستقبل المؤسسة الأعلى، فذلك يثير تساؤلات جدية حول مدى توافر التوافق الوطني والشرعية السياسية المطلوبة.

إن القضية ليست رفض الانتخابات، ولا الاعتراض على تجديد المجلس الوطني، بل العكس تماما. فالحاجة إلى إعادة بناء المؤسسات الوطنية الفلسطينية أصبحت أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. لكن إعادة البناء لا يمكن أن تتم من خلال قوانين تتجاهل واقع الاحتلال، أو تتجاوز تعقيدات التمثيل الوطني، أو تخلط بين منطق الدولة ومنطق حركة التحرر الوطني.

إن المطلوب قبل أي انتخابات هو حوار وطني شامل يجيب عن الأسئلة الكبرى: من هو الشعب الفلسطيني الذي تمثله منظمة التحرير اليوم؟ وما هي آليات تمثيله؟ وما هو موقع فلسطينيي الداخل؟ وما هو موقع الفلسطينيين الحاصلين على جنسيات أخرى؟ وهل ما زالت المنظمة حركة تحرر وطني أم أنها تتحول تدريجيا إلى إطار شبيه بمؤسسات الدولة؟

بدون الإجابة عن هذه الأسئلة سيبقى أي نظام انتخابي مجرد معالجة تقنية لمشكلة سياسية أعمق. فالأزمة الحقيقية ليست أزمة صناديق اقتراع، بل أزمة تعريف للتمثيل الوطني نفسه. ولذلك فإن المعركة ليست حول كيفية انتخاب المجلس الوطني فقط، بل حول هوية المجلس، وهوية المنظمة، وهوية المشروع الوطني الفلسطيني في مرحلة هي الأخطر منذ عقود طويلة...