آراء

نيتشة يسقط في غزة

8 مشاهدة
نيتشة يسقط في غزة

الكاتب : عيسى قراقع

كتب الفيلسوف فريدريش نيتشه يومًا كتابه الشهير "هكذا تكلم زرادشت"، وجعل من زرادشت نبيًا فلسفيًا ينزل من الجبل ليحدث البشر عن الإنسان الأعلى، وعن إرادة القوة، وعن تجاوز الإنسان لذاته.

لكن بعد أكثر من قرن، ومن مكان لم يكن حاضرًا في خرائط الفلاسفة الأوروبيين، خرج صوت آخر ليس من الجبال، بل من بين الركام، ليس من عزلة الحكيم، بل من قلب المأساة، ليس صوت فرد يتأمل العالم، بل صوت شعب يواجه الموت والحصار والاقتلاع، فسقط نيتشة، وسكت زرادشت وتكلمت غزة.

لم تسقط غزة تحت القنابل الصهيونية الأمريكية الأوروبية وحدها، إنما أسقطت معها كثيرا من المسلمات التي بنيت عليها الحضارة الحديثة صورتها عن نفسها، غزة لم تقل ان الإنسان الأعلى هو الأقوى، بل قالت إن الإنسان هو الذي يبقى إنسانًا رغم كل محاولات سحقه، لم تتحدث عن إرادة القوة، بل عن إرادة البقاء، لم تسأل كيف ينتصر القوي، بل كيف يحافظ الضعيف على كرامته حين تتكالب عليه قوى الأرض؟ كيف تنتج الحياة نفسها من قلب الموت؟ كيف تتحول الذاكرة إلى شكل من أشكال المقاومة؟كيف يعيد المقهور تعريف العالم من موقع التجربة لا من موقع القوة؟

إن ما يتكشف بين أنقاض غزة وفي معسكرات الاحتلال من وحشية وهمجية، ليس فقط مأساة بشرية، بل أزمة فلسفية ايضا، فالصهيونية ترعرعت في ظل الفلسفة الأوروبية، والهولوكست والإبادة في غزة شكلت الفلسفة الأوروبية مرجعية مادية وروحية لها، وربما هي دعوة إلى إعادة بناء مفهوم الإنسان الجديد، انسان لا يقاس بقربه من المركز اوبعده عنه، ولا بلونه وقوميته أو دينه، بل بإنسانيته وحدها.

زرادشت نيتشه كان يخاطب الإنسان الذي يريد أن يتجاوز نفسه، أما غزة فتخاطب العالم الذي فشل في أن يكون إنسانًا بالحد الأدنى من المعنى الأخلاقي، انهيار النظام الدولي والخطابات السائدة.

في "هكذا تكلم زرادشت" كان السؤال: ماذا ينبغي أن يصبح الإنسان؟ أما في "هكذا تكلمت غزة" فالسؤال أكثر قسوة: كيف فقد الإنسان إنسانيته أصلًا وتحول إلى مجرد جثة؟

لقد جاءت غزة لا لتكتب فلسفة جديدة بالمعنى الأكاديمي، بل لتكشف حدود الفلسفات القديمة، كشفت أن التقدم العلمي والتكنولوجي لا يعني التقدم الأخلاقي، وأن الحداثة لا تمنع الوحشية، وأن حقوق الإنسان قد تتحول إلى لغة انتقائية استعمارية إذا لم تستند إلى قيمة إنسانية حقيقية تتجاوز المصالح والقوة.

في غزة بدا أن الفلسفة الأوروبية بكل ادعاءاتها الكونية، تقف أمام امتحان لم تنجح في اجتيازه، هنا بين المقابر والحصار والتجويع والموت الجماعي لم يعد احدا يستمع لما قاله نيتشة، أو ماذا كتب كانط، أو كيف فسر هيجل حركة التاريخ، أو ما كتبه مارتن هايدغر عن الوجود والقلق، أو ما كتبه جان بول سارتر عن الحرية في مواجهة العبث، أو ما كتبه ميشيل فوكو عن الاحتواء في السجن والجسد الخاضع، هناك تنبثق فلسفة اخرى، فلسفة الخراب التي لا تبدأ من الفرد القلق ولا الذات المتأملة، بل من مجتمع كامل  يعيش تحت جريمة التهديم والاقتلاع والقتل اليومي والمحو الوجودي الذي لا يوقظ ضمير الإنسان.

هكذا سقط نيتشة وتكلمت غزة: 
إن الطفل أهم من النظريات، وان الأم التي تبحث عن ابنها تحت الأنقاض وفي الزنازين تعرف عن معنى الحياة أكثر مما تعرفه آلاف الصفحات الفلسفية، وإن الجائع الذي يتقاسم كسرة خبز مع جاره ويبني خيمته فوق بيته المدمر، يقدم تعريفًا للأخلاق أعمق من كثير من الكتب، وان آلاف المشردين تحت النار والقصف اصدق من كل النظريات والبلاغة.

سقط نيتشة في غزة، حرقت كتبه بالقنابل والصواريخ، لم يجد قلما ولا قطرة ماء، لاحقته الطائرات، لم يجد جامعة أو مدرسة، كل التلاميذ قتلوا، اعتقل زرادشت في معسكر سدي تيمان الجهنمي وسكت عن الكلام، أدرك أن شعار العقل والإنسانية تهرسها دبابات اسرائيل التي اختبأت طويلا تحت حماية الامبراطوريات الاوروبية، غزة تسخر باوجاعها من مفاهيم الحرية التي تحدث عنها معظم الفلاسفة الاوروبيين، التاريخ هنا لا يتحرك نحو الحرية بل نحو المقابر، والعقل الذي بشر به عصر التنوير يظهر عاجزا أمام آلة الإبادة.
 
 سقط نيتشة في غزة، وأدرك أنها مصدرا لمفاهيم جديدة، فبدل إرادة القوة يظهر مفهوم إرادة البقاء والتحدي، وبدل فلسفة التقدم يظهر مفهوم الصمود، وبدل كيف نصنع الحضارة، يصبح السؤال كيف نحمي الإنسان والوطن عندما تنهار الحضارة؟ 

نيتشة يسقط في غزة، تسقط معه فكرة المركز نفسه الذي يعتبر أن التاريخ يكتب من العواصم الكبرى ومن الاقوياء فقط، وان المعرفة تنبع من المراكز الاوروبية، وان الشعوب المقهورة ستبقى في الهامش غير حاضرة في المخيلة الغربية، وستبقى تحت المراقبة والتصنيف داخل حدود القوة.

سقط نيتشة في غزة، وسقط معه علماء وأكاديميون وفلاسفة، شعراء وكتاب وفنانون ومفكرون، سقطت مفاهيم العدالة والحرية والكرامة وحقوق الانسان، وبين الغبار والدموع تهاوت يقينيات قديمة، لتضيف غزة إلى المعجم الأخلاقي والمعرفي هوية فكرية وسياسية جديدة.

قد يكون عنوان المرحلة القادمة ليس "هكذا تكلم زرادشت"، بل:
"هكذا تكلمت غزة: حين صار الضحايا فلاسفة العالم الجدد، فمن بين الدمار خرج خطاب لا يبحث عن الهيمنة، بل عن معنى الانسانية، لا يمجد القوة، بل يطالب بإنقاذ الإنسان، لا يعلن موت الإله كما فعل نيتشه، بل يعلن موت الأوهام التي ادعت أنها تمثل الضمير الإنساني كله.

وهناك لا زال نيتشة يبحث عن ملجأ، وهناك سمعناه يصرخ في وجه زرادشت: توقف ايها المشعوذ، ايها الزائف، ايها الكذاب، يا إلهي المجهول، ايها الجلاد، وهناك ما زالت غزة تتكلم... والعالم ما زال مطالبًا بأن يصغي.