آراء

الأقصى والقيامة أمانة في أعناق العالمين الإسلامي والمسيحي

8 مشاهدة
الأقصى والقيامة أمانة في أعناق العالمين الإسلامي والمسيحي

الكاتب : اللواء بلال النتشة

لم تعد مدينة القدس اليوم تواجه مجرد احتلال عسكري تقليدي، بل تعيش تحت وطأة مشروع متكامل يستهدف هويتها الحضارية والدينية والإنسانية، ويسعى إلى إعادة تشكيل واقعها التاريخي من خلال فرض وقائع جديدة على الأرض تمس أقدس مقدسات المسلمين والمسيحيين على حد سواء. وفي قلب هذه المواجهة يقف المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة باعتبارهما رمزين عالميين للإيمان والتاريخ، وأمانة في أعناق أكثر من ملياري مسلم ومئات الملايين من المسيحيين في مختلف أنحاء العالم، وليس مسؤولية الفلسطينيين وحدهم.

إن القدس لم تكن يوماً مدينة لفئة أو دين واحد، بل كانت عبر التاريخ نموذجاً فريداً للتعايش الإنساني واحترام المقدسات، غير أن السياسات الإسرائيلية القائمة على فرض الأمر الواقع تحاول اليوم تقويض هذا الإرث التاريخي، من خلال استهداف الوجود الفلسطيني، الإسلامي والمسيحي، وإفراغ المدينة من أصحابها الأصليين، تمهيداً لفرض رواية أحادية تتناقض مع القانون الدولي والقرارات الأممية التي تؤكد أن القدس الشرقية أرض فلسطينية محتلة.

ويعيش الفلسطينيون اليوم، وخصوصاً أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة، تحت حصار غير مسبوق يمنعهم من ممارسة أبسط حقوقهم الدينية. فالمسلمون يُحرمون من الوصول إلى المسجد الأقصى إلا بتصاريح معقدة وإجراءات أمنية مشددة، فيما يُمنع عشرات الآلاف منهم من أداء صلاة الجمعة أو إحياء المناسبات الدينية داخل المسجد، وتتحول الحواجز العسكرية إلى أدوات لعزل المؤمنين عن قبلتهم الأولى وثالث الحرمين الشريفين. ولم يعد الوصول إلى الأقصى حقاً طبيعياً، بل امتياز تمنحه سلطات الاحتلال لمن تشاء وتسلبه ممن تشاء، في مخالفة صريحة لكل المواثيق الدولية التي تكفل حرية العبادة.

ولا يقتصر الأمر على المسلمين وحدهم، بل يمتد إلى المسيحيين الفلسطينيين الذين يواجهون القيود ذاتها عند محاولتهم الوصول إلى كنيسة القيامة، وخاصة خلال المناسبات الدينية الكبرى كعيد الفصح وسبت النور، حيث تُفرض القيود على أعداد المصلين، وتُغلق الطرق المؤدية إلى البلدة القديمة، ويُمنع كثيرون من أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة من الوصول إلى أقدس كنائس المسيحية، الأمر الذي يشكل اعتداءً مباشراً على حرية العبادة وعلى الوجود المسيحي الفلسطيني الذي يشكل جزءاً أصيلاً من هوية القدس وتاريخها.

وفي الوقت الذي يُمنع فيه أصحاب الأرض من الوصول إلى مقدساتهم، تتواصل الاقتحامات اليومية للمسجد الأقصى من قبل جماعات المستوطنين المتطرفين، بحماية كاملة من قوات الاحتلال، في محاولة لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم داخل المسجد. وقد أصبحت هذه الاقتحامات مشهداً يومياً يستفز مشاعر المسلمين في أنحاء العالم، ويترافق مع أداء طقوس دينية ومحاولات متكررة لفرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، في انتهاك واضح للقانون الدولي وللقدسية الدينية للمكان.

إن هذه الممارسات لا تستهدف الحجر فحسب، وإنما تستهدف الإنسان المقدسي، وتسعى إلى كسر إرادته ودفعه إلى الرحيل عن مدينته. فإلى جانب الاقتحامات، تتصاعد سياسات الاعتقال والإبعاد عن المسجد الأقصى، وتُفرض الغرامات والعقوبات بحق المرابطين والمرابطات، وتُستهدف المؤسسات الدينية والتعليمية والأوقاف الإسلامية، في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى إضعاف الحضور العربي والإسلامي في المدينة المقدسة.

ولم يسلم رجال الدين من هذه السياسات، إذ يتعرضون باستمرار للملاحقة والتضييق والاستدعاءات والقيود على الحركة. ويبرز في هذا السياق فضيلة الشيخ محمد حسين، مفتي القدس والديار الفلسطينية، الذي يمثل نموذجاً واضحاً لما يتعرض له المرجع الديني الفلسطيني من استهداف بسبب مواقفه الوطنية وتمسكه بالدفاع عن المسجد الأقصى والثوابت الدينية والوطنية. فقد تعرض الشيخ محمد حسين في أكثر من مناسبة للمضايقات والاستدعاءات والاعتقال، في محاولة لإسكات الصوت الديني المعتدل الذي يدافع عن هوية القدس وحقوق أهلها، ويؤكد أن حماية المقدسات مسؤولية دينية ووطنية وإنسانية.

إن استهداف القيادات الدينية الإسلامية والمسيحية يعكس إدراك الاحتلال للدور المحوري الذي يقوم به رجال الدين في حماية الهوية الوطنية والحفاظ على النسيج الاجتماعي للقدس، ولذلك فإن التضييق عليهم لا يستهدف أشخاصهم بقدر ما يستهدف رسالتهم ودورهم في تعزيز صمود أبناء المدينة والحفاظ على طابعها التاريخي.

ومن هنا فإن المسؤولية لا تقع على الفلسطينيين وحدهم، بل تمتد إلى العالمين الإسلامي والمسيحي، وإلى جميع الدول والمنظمات الدولية التي تؤمن بحرية العبادة وحماية التراث الإنساني. فالمسجد الأقصى ليس قضية فلسطينية فحسب، بل هو جزء من عقيدة الأمة الإسلامية، وكنيسة القيامة ليست قضية تخص المسيحيين الفلسطينيين وحدهم، بل تمثل أحد أهم الرموز الدينية للمسيحية في العالم. إن الصمت أمام ما يجري يشجع على استمرار الانتهاكات ويمنح الاحتلال شعوراً بالإفلات من المساءلة.

إن المطلوب اليوم موقف عربي وإسلامي ومسيحي أكثر فاعلية، ينتقل من دائرة البيانات والإدانات إلى دائرة العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني، من خلال حماية الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات، ودعم صمود المقدسيين، وتعزيز وجود المؤسسات الدينية والتعليمية والخيرية في القدس، وتكثيف الجهود الدولية لمحاسبة الاحتلال على انتهاكاته المتكررة لحرية العبادة وللقانون الدولي الإنساني.

كما أن الكنائس العالمية، والمؤسسات الإسلامية الكبرى، مطالبة بتوحيد خطابها في الدفاع عن القدس باعتبارها مدينة للسلام والرسالات السماوية، ورفض كل أشكال التمييز الديني التي تمارس بحق المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين. فالقدس لا تحتاج إلى بيانات موسمية، بل إلى شراكة حقيقية في الدفاع عن مقدساتها وعن أهلها الذين يدفعون يومياً ثمن تمسكهم بأرضهم وإيمانهم.

وفي سياق الدفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، تبرز الوصاية الهاشمية على المقدسات باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لحماية الهوية العربية والإسلامية والمسيحية للمدينة المقدسة. فقد اضطلعت المملكة الأردنية الهاشمية، بقيادة ملوكها المتعاقبين، بمسؤولية تاريخية في رعاية المسجد الأقصى المبارك وسائر المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وهي وصاية تحظى باعتراف فلسطيني رسمي، وتشكل صمام أمان في مواجهة محاولات تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المدينة المقدسة.

إن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى، والتضييق على دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، والتدخل في صلاحياتها، يتعارض مع الالتزامات القانونية المترتبة على إسرائيل بوصفها قوة احتلال، كما يقوض الجهود الرامية إلى الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في الحرم القدسي الشريف. ومن هنا، فإن احترام الوصاية الهاشمية ليس مجرد استحقاق سياسي أو بروتوكولي، بل هو ضرورة للحفاظ على الاستقرار الديني، ومنع المزيد من التوتر والصراع، وصون حقوق المسلمين والمسيحيين في إدارة مقدساتهم بحرية واستقلالية.

وفي الوقت ذاته، فإن المجتمع الدولي مطالب بتطبيق قرارات الأمم المتحدة التي تؤكد عدم شرعية الإجراءات الإسرائيلية في القدس الشرقية، وضرورة احترام الوضع التاريخي والقانوني القائم في الأماكن المقدسة، وضمان وصول المؤمنين إليها دون قيود أو تمييز. كما ينبغي إرسال بعثات دولية لتوثيق الانتهاكات التي يتعرض لها المصلون ورجال الدين، والعمل على توفير حماية دولية للمقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة.

إن القدس كانت وستبقى عنواناً للوحدة بين المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين، الذين أثبتوا عبر العقود أن الدفاع عن الأقصى والقيامة هو دفاع عن هوية المدينة بأكملها، وليس عن طائفة أو دين بعينه. وهذه الوحدة الوطنية تشكل الرد الحقيقي على كل محاولات التقسيم والتفريق التي يسعى الاحتلال إلى تكريسها.

وفي الختام، فإن الأقصى والقيامة ليسا مجرد معلمين دينيين، بل هما ضمير الإنسانية وذاكرتها الروحية، وأمانة في أعناق العالمين الإسلامي والمسيحي. وإن حماية هذه الأمانة تقتضي تحركاً جاداً ومسؤولاً يضمن حرية العبادة، ويصون قدسية الأماكن المقدسة، ويحفظ للقدس هويتها العربية والإسلامية والمسيحية، ويؤكد أن المدينة المقدسة ستبقى مدينةً للسلام والتعددية والعدالة، مهما اشتدت سياسات الاحتلال ومهما بلغت محاولات طمس تاريخها وتغيير معالمها. فالدفاع عن الأقصى والقيامة هو دفاع عن القيم الإنسانية المشتركة، وعن حق الشعوب في صون مقدساتها، وعن رسالة القدس التي ستظل، رغم كل التحديات، منارةً للإيمان والحرية والتعايش.

*الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس