الكاتب : تحسين يقين
- هل حق الشعوب في تقرير مصيرها مطلقا أم مقيدا ؟
- مطلقا.
لم تكن الحاجة لقلة الكلمات كما هي اليوم وغدا؛ فقليل منها كثير إن ارتبط القليل بالفعل الذي يصعب الزهد به، لأنه سيكون زهدا بوجودنا.
ضمت الدول القديمة والإمبراطوريات شعوبا كثيرة داخلها، لكن الشعب الذي احتفظ بخصوصيته نجا، ولذلك فإن عصر ظهور القوميات هو من أسس لا للدولة الحديثة، بل للثقافات واللغات أيضا.
على هذه الأرض، نشأت حضارة أهلها الأصلية، وانتقلت الى بلاد بعيدة أيضا، لكن ما يعنينا هنا هو بقاء البلاد وأهلها، فببقائهم ظلت الأرض، "كانت تسمى فلسطين صارت تسمى فلسطين"؛ فمع تفكك آخر امبراطورية هنا، لم نبحث عن أنفسنا، لأننا هنا أصلا، ولنا ما لنا من خصائص شعبنا، ولا يتناقض ذلك بالطبع مع الانتماء للمحيطين العربي، والإسلامي إن شاء من يربط كون الحضارة العربية الإسلامية خلقت خصوصية انتظام القوميات فيها، من الفرس والأتراك والأفارقة والأمازيغ والأكراد وآخرين..
كنا هنا بلغتنا وثقافتنا وفنوننا الشعبية والرسمية، وأزيائنا، وبنظامنا التعليمي، وباقي جوانب منظومة مجتمعنا؛ فلم ننقطع عن أنفسنا، فانتهاء الدولة العثمانية بقينا، وبانسحاب الانجليز بقينا، وبوجود الاحتلال للجزء الأكبر من فلسطين عام 1948 بقينا أيضا، كذلك بقينا بعد الاحتلال عام 1967.
لسنا سكانا لجأنا الى بلادنا، بل شعب مثل باقي الشعوب، فحتى حين تم "الانتداب البريطاني" بعد الحرب العالمية الأولى، اعتبرت فلسطين من الدول التي لها أولوية الاستقلال. ولكن كون فلسطين كانت في مرمى تدخلات الدول الكبرى، خاصة فيما ظهر من اتفاقية سايكس بيكو، وباقي القصة معروفة حلقاتها. والمدهش بعد قرن من الزمان، أن الشعب الفلسطيني ظل شعبا، بالرغم من تشتت جزء كبير منه لاجئين خارج الوطن.
تلك هي العبقرية، ورحم الله أجدادنا وآباءنا حبن ظلوا باقين هنا، يعمرون البلاد بوجودهم، تلك السواعد والعقول التي بنت وما زالت تبني في مجالات الحياة جميعها، في المدن والبلدات والقرى والبوادي والبرية والمخيمات فيما بعد.
منذ أكمل الاحتلال احتلال باقي فلسطين عام 1967، وهو يبحث عن خلاص للمأزق الذي وجد نفسه فيه، فكما أن فلسطين المحتلة عام 1948 لم تكن بدون شعب، وقد تم تهجير غالبيته، فإن الضفة الغربية وقطاع غزة كانتا عامرتين، لذلك فقد سعى لحلول تدور حول الحكم الذاتي، فلم يرد أن يرانا شعبا من قبل ولا من بعد. وهو منذ احتلال 67 وهو يسعى للاحتفاظ بالقدس، وعدم الانسحاب منها، كذلك ما يتعلق بالأغوار والحدود بشكل عام، ولعل خطة ايغال ألون التي ظهرت فور الاحتلال، هي المعبر عن هذا الفهم. كذلك لم يكن في بال الاحتلال عودة اللاجئين، وبالطبع فإن الاستيطان في أماكن معينة من الأرض المحتلة كان موجودا، كون الاحتلال أعلن صراحة أنه لن يفعل ذلك.
ولأن الاحتلال أراد وما زال إطالة عمر الدولة المحتلة، فقد كانت وصفة "فرّق تسد" جاهزة، فقد عمل وما زال يعمل بشكل مباشر أو غير مباشر على تفريقنا، وللأسف وقعنا فيما خطط له، وما زلنا؛ من ذلك على سبيل المثال فكرة "روابط القرى"، حيث كان يدرك الاحتلال أنها لن تنجح لسبب بسيط أنها مفروضة، وأنها تنتقص من فكرة السيادة، بالإضافة الى عدم احترام شعبنا لشخوصها الذين بحثوا عن خلاص فردي لهم، مستغلين حاجة القرويين لبعض الخدمات والتصاريح. وليست روابط القرى وليدة تماما، فقد سعى الاحتلال البريطاني الى فعل ما يشبه ذلك.
لقد لعب الاحتلال على تشجيع الخلاص المنطقي والعائلي، لكن ذلك لم ينجح، وكان ما كان من بروز منظمة التحرير كممثل للشعب الفلسطيني، باختيار شعبنا الذي يؤمن بحق تقرير مصيره. وكان ما كان من مدريد وأوسلو، وحتى لا نجلد أنفسنا كثيرا، فإن الاحتلال لم تصف نواياه يوما باتجاه حقنا في تقرير المصير وإقامة الدولة، لكن للأسف فإن نجاحنا الجزئي منح الاحتلال فرصة لإدامة الاحتلال، والتضييق علينا الى درجة دفع الشعب الى الخلاص الفردي. وهكذا فقد عاد الى طروحات حلوله المتعلقة بنا كسكان لا كشعب، فكان السلام الاقتصادي الذي بشّر به بنيامين نتنياهو هو أقصى ما تنظر له السلطة المحتلة تجاهنا. وقد تسارع ذلك بعد الحرب على غزة وشمال الضفة الغربية، لكن الاحتلال ينسى أو يتناسى بأننا أهل السيد المسيح الذي قال حاسما أمرنا والبشرية: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان".
فلسطينيا، لنا طريق واضح أجمعنا عليه، وهو إننا شعب لنا الحق بدولة ذات سيادة، لكن ذلك سيتحقق بأن يقود الجيل القادم الذي لا يرث عيوبنا بأن يراكم البناء بعيدا عن حلول الخلاص الفردي وشخوصه، وبعيدا عن مغامرات لا طاقة لنا بنتائجها.
والآن، ليكن اهتمامنا بالبقاء، فلسنا في موقع لاتفاقيات سياسية ستنتقص من سيادتنا وحقوقنا، وعليه فالطريق واضح بتقوية البنية الفلسطينية الكاملة، باستعادة الوحدة وتعمير البلاد.
نحن شعب وهذا هو الأصل، وهذه الأرض نقف بقوة عليها، وهذه دولتنا الراسخة، لا شكليات تنقص منا، فكل فلسطيني حرّ ومخلص وجاد ينطلق وفق هذه البوصلة العملية والاستراتيجية هو فلسطيني حقيقي يستحق أن يعبر بنا الرحلة نحو تقرير المصير.
نحن شعب عريق متنوع الجمال في انسجام الفسيفساء الأصيلة، لا خليطا مهجرا، نحن الأديان جميعها، سيصعب القفز عن خصوصيتنا؛ فقد بنينا في الشتات فلسطينيتنا لا لنبقى لاجئين، بل لنعود ونستأنف حياتنا هنا على أرضنا، ونحب من يريد العيش معنا.
استطعنا البقاء، وسنبدع فيه؛ فليس هناك سبب ليثنينا عن الفكرة والوجود، بل هذا هو الأمر الطبيعي، غير الطبيعي هو محاولة تحويل شعب عريق الى مجرد سكان. وهذا هو الأمر غير الممكن.
من الآخر: إن دولة فلسطين شبه الغائبة والتي يحاول ....تغييبها، هي الأكثر حضورا. لذلك فإن تقوية بقاء شعبنا على أرضه هو المفتاح، أما الطريق فهو "أن تكون القلوب ع بعضها"، ونقوي أنفسنا أولا. أما من يتردد في أن يكون عكازة شعبه، فنحن لا نتردد حين نتجاوزه ونمضي.
- الشعب الفلسطيني والحل السياسي؟
- بل هو الحلّ السياسي، بل الحلّ العملي والاستراتيجي و...الحقيقي.



