الكاتب : زياد بركات
أن تُحتجَز في زنزانة تحت الأرض، أن تتعرَّض للضرب المبرّح، أن يُمنع عنك الدواء أو رؤية من تبقّى من أفراد عائلتك، أن تفقد 40 كيلوغراماً من وزنك فتصير مثل الأشباح، ثم أن تُنسى، ذلك يعني أنّكَ حسام أبو صفيّة.
حدثت حربٌ في المنطقة، إسرائيل تقصف وإيران ترد، وهناك أخرى تتواصل في أوكرانيا، وثالثة وقعتْ ثمّ صمتتْ مدافعها بين الهند وباكستان، ثمّ هناك هذا الصيف الحارّ في العالم كلّه، والتصريحات الصحافية التي يقصف بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقيّة العالم وهو يحرّك يديه وحاجبيه، بينما أنت هناك، وحيداً في زنزانة معتمة لا تدخلها الشمس، وأنت لا تتوقّف عن التفكير بأن ثمّة فجراً سيبزغ وأطفالاً سيولدون وربيعاً سيتفجّر.
مائتا يوم وليلة، بل أكثر منذ ذلك المشهد المذهل، حين تقدّمتَ بردائك الطبّي الأبيض باتجاه دبّابة الميركافا في نهاية ديسمبر/ كانون الأول الماضي، ولم يكن ذلك استسلاماً، بل عملاً نادراً من أعمال المقاومة، فعلى آخر الرجال أن يفعلها، أن يتقدّم برأسه إلى المقصلة لينقذ من تبقّى في ذلك المستشفى المهدّد بإحراق كلّ من ظلّ فيه، وبتسوية ما تبقّى من مبانيه وأقسامه بالأرض. وكان على ذلك الرجل الذي كان يتقدّم نحو الدبّابة أن يختتم المشهد بما يليق بصمود شعبه، أن يؤطره ويُعرب جمله المتداخلة، فثمّة نازيون في الجوار، هنا والآن، في قطاع غزّة، جاؤوا من رحلة البكاء الطويلة إليك، وإلى شعبك ليقتلوا ويبيدوا، ويقولون لمن نجا من تلك المحرقة ها نحن ننتقم أخيراً.
كنتَ وأنت تتقدّم نحو الميركافا تعرّي محاولاتهم المتكرّرة لتأبيد ماضٍ كانوا فيه ضحايا، وتكشف حاضرهم الدموي وهم ينقضّون عليك الآن، وقد سقطت أقنعتهم وهم يعيدون تمثيل المشهد، فينقلب المعنى عليهم وضدّهم، فإذا ضحية الأمس هي القاتل اليوم، الذي يحاول بلا أيّ جدوى تأبيد ماضيه، ذلك أنك بردائك الأبيض رسمت الحدود النهائية بين زمنَين، كانوا في أوله ضحايا، وفي ثانيه قطيعاً من الوحوش والقتلة.
ماذا يريدون بعد؟ أن يبيدوا كلّ شعبك، ثمّ أن ينظروا بعينَين باكيتَين إلى العالم، ويقولون له ألا ترى أن هتلر لم يمت بعد؟... هذا بالضبط ما كشفت زيفه يا حسام أبو صفيّة، فبينما كنت تتقدّم نحو الميركافا، قلت لهم إن هتلر لم يمت فعلاً، وإنهم أحفاده اللقطاء، وهم هنا يواصلون ما انقطع بعدما نزعتْ عنهم إبادتهم لشعبك كلّ قناع وضعوه، وفضحتْ كلّ دمع ذرفوه، فليس ثمّة ضحية للهولوكست هنا سواك. لقد انتهت لعبتهم لو كان ثمّة من يُنصف وهو يراقب.
تقول محامية حسام أبو صفيّة، طبيب الأطفال ومدير مسشتفى كمال عدوان، إنه يتعرّض للتعذيب، وإن وزنه انخفض إلى نحو النصف، وإنه هناك في زنزانة تحت الأرض، وحيداً، في حفلات ضرب وتعذيب يقيمونها على جسده النحيل. لكنّه ليس وحده. هل تتذكّرون الطبيب محمّد أبو سلمية؟ هل تتذكّرون الطبيب عدنان البرش؟ هل تتذكّرون عشرات الأطبّاء والعاملين في القطاع الطبّي الذين شكّلوا حائط الصدّ الأخير للدفاع عن أطفال شعبهم، فمنعوا عنهم ما استطاعوا مذبحةً أُريد منها قتلهم في المهد، هل تتذكّرون أطفال الحضّانات؟
قُتل عدنان البرش تحت التعذيب اغتصاباً، كما روت شبكة سكاي نيوز البريطانية، وأُجبر محمد أبو سلمية على المشي على أربع، وها هو أبو صفيّة يُضرَب على رأسه وصدره بلا توقّف نحو نصف ساعة، ومن شأن ذلك إذا تكرّر قتله، في عمليات إعدام غير رحيمة لمن قامت حياتهم كلّها على إنقاذ حيوات الناس.
وليس هؤلاء وحدهم، في أول حرب في التاريخ تتحوّل فيها المستشفيات كلّها أهدافاً، إذ تعرّضت الفرق الطبية للقصف والمنشآت الطبّية للتدمير، وفي حالة أبو صفيّة فقد استُهدف أكثر من مرّة، ومنها حين قصفته طائرة كواد كابتر قبل اعتقاله بنحو شهر، لكنّه نجا، وواصل عمله، رافضاً إخلاء المستشفى، لأن ذلك يعني إعداماً للمرضى والمصابين. وقبل ذلك فقد الرجل نجله في قصف للمستشفى الذي كان محاصراً بمن فيه، فماذا فعل أبو صفيّة بردائه الأبيض؟ دفنه في محيط المستشفى وصلّى عليه ثمّ عاد إلى عمله.
أنقذوا أبو صفيّة، فليس ثمّة أسوأ من أن يُنسى.



