الكاتب: عمر رمضان صبره
الكاتب: عمر رمضان صبره
الكاتبة : آمال العرفي الرطروط
تتجه أنظار العالم إلى مدينة شرم الشيخ المصرية، حيث ستُعقد اليوم الاثنين ، قمة دولية بمشاركة نحو 25 قائداً و زعيماً عالمياً، لتوقيع الاتفاق على خطة لوقف الحرب ووضع آلية لإدارة قطاع غزة ما بعد الحرب .
القمة، التي يُشارك في رئاستها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأميركي دونالد ترامب، تُطرح كفرصة لإنهاء الحرب المستمرة منذ عامين، لكنها تُثير في الوقت ذاته أسئلة جوهرية حول غياب الصوت الفلسطيني، ومغزى أن يقرر العالم مصير غزة دون مشاركة فلسطينية فعالة وغياب أصحاب القضية.
وفق بيانات رسمية وتقارير من وكالات الأنباء الدولية، تضم القمة قادة من الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، تركيا، إيطاليا، إسبانيا، البحرين، إلى جانب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وممثلين عن البنك الدولي والأمم المتحدة. لكن اللافت أن إسرائيل وحركة "حماس" الطرفين الرئيسيين لن يحضرا الجلسات العلنية.
إسرائيل اكتفت بإرسال وفد فني يشارك في المشاورات الجانبية، بينما أعلنت "حماس" أنها ليست طرفاً في مراسم التوقيع، معتبرة أن "القرارات تُتخذ بعيداً عن الميدان".
هذا الغياب يُعمّق التساؤلات حول شرعية أي إتفاق يتمخض عن القمة، ويجعل منها مجرد قمة لإدارة الأزمة أكثر من كونها قمة لحلها.
التسريبات التي تم نشرها في وكالات صحفية عالمية تشير إلى أن القمة ستعلن وقفاً شاملاً لإطلاق النار خلال أيام، يتضمن إنسحاباً جزئياً للقوات الإسرائيلية من شمال القطاع وفتح المعابر الخمسة تحت رقابة مصرية دولية مشتركة ثم إطلاق برنامج عاجل لإعادة الإعمار بإشراف البنك الدولي والأمم المتحدة بالإضافة إلى تشكيل آلية مراقبة دولية لضمان الإلتزام بالإتفاق.
لكن هذه الخطوات، تُترجم عملياً إلى وصاية دولية على غزة، حيث تُدار ملفات الأمن والإعمار والمعابر من قبل لجان دولية، فيما يظل الدور الفلسطيني محدوداً في التنفيذ لا في القرار.
البيانات الرسمية للقمة تتحدث عن "إغاثة عاجلة ووقف المأساة الإنسانية"، وهذه الشعارات ليست سوى محاولة لتفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها السياسي.
ففي الوقت الذي يُقدم فيه الصراع على أنه أزمة إنسانية تتطلب مساعدات واقتراح خطط إنعاش اقتصادي تحت رقابة المانحين، فإنه يُهمش جذورها الحقيقية، وهي الإحتلال والإستيطان واللاجئين وحق تقرير المصير. أن تحويل القضية الفلسطينية إلى ملف إغاثي يعني إلغاء البعد الوطني والسيادي للقضية وإختصارها في صندوق مساعدات.
أن هذه القمة تُجسد تحولاً في فلسفة التعامل الدولي مع الصراع، من منطق الحل السياسي الشامل إلى منطق إدارة الأزمات. فبينما تتحدث العواصم الغربية عن وقف المعاناة، تتجاهل أن جذور المعاناة ذاتها هي الاحتلال المستمر وحرمان الفلسطينيين من السيادة والقرار. ليبدو الاتفاق وكأنه هدنة هشة قابلة للإنهيار مع أول خرق.
أما في الشارعين العربي والفلسطيني، تتزايد الانتقادات للقمة بوصفها ذروة لمسار التطبيع العربي الإسرائيلي وطمسا للبعد العربي للصراع الفلسطيني الاسرائيلي. إذ أن غياب الحكومة والفصائل الفلسطينية عن التمثيل الفعلي يعكس إرادة عربية ودولية في إعادة صياغة المشهد الفلسطيني دون الفلسطينيين أنفسهم. فهذه القمة ربما ستوقف الحرب ولكن لن توقف سياسات إسرائيل وانتهاكاتها ضد الفلسطينيين سواء في غزة او الضفة الغربية.
قد يُعلن في شرم الشيخ نهاية حرب الإبادة، لكن الحرب السياسية على هوية غزة ومستقبلها ما تزال مفتوحة.
ووسط قاعات الفنادق الفخمة وخطب الزعماء، تبقى غزة بكل ما فيها من رماد ودمار رمزاً للثبات في وجه عالم أصغر منها.
فما أصغر هذا العالم المزيف، وما أكبرك يا غزة.
الكاتب : عبد الله توفيق كنعان
وتبقى القدس هي الرمز الديني والتاريخي والسياسي والانساني للقضية الفلسطينية ولقدسية وعدالة هذه القضية المركزية ، فعلى الرغم من التطورات الاقليمية والدولية الراهنة وما تتضمنه من صراعات وتداعيات متسارعة ، الإ أن القدس هي معنى التحرير والصمود والنضال والحق بالنسبة للشعب الفلسطيني والعربي والاسلامي وكافة أحرار العالم، وهي المدينة المقدسة التي تستهدفها مزاعم واساطير ومخططات الصهيونية ونهج حكومة اليمين الاسرائيلي المتطرف .
وفي هذا السياق المركزي المتأصلة جذوره بالحق الاصيل بالعدالة وتقرير المصير للشعب الفلسطيني ، يأتي قرار المجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) بالإجماع، و المتعلق بمدينة القدس القديمة وأسوارها، والمتضمن التأكيد والاجماع الدولي على ضرورة التزام اسرائيل ( السلطة القائمة بالاحتلال) بالحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني في القدس ، وبطلان ما تقوم به من اجراءات احادية تسعى للتهويد والاسرلة والعبرنة ، وهذا القرار الذي يؤكده عشرات القرارات الصادرة عن اليونسكو خاصة ، وقرارات أخرى تناصر القضية الفلسطينية وجوهرتها القدس والصادرة عن الجمعية العامة ومجلس الامن، تؤكد جميعها على عروبة القدس وخطورة ما تقوم به حكومة اليمين الاسرائيلية والمستوطنين المتطرفين ومنظمات الهيكل المزعوم على السلام في المنطقة والعالم .
ان اللجنة الملكية الأردنية لشؤون القدس تمثل للرأي العام الدولي أن هذا القرار وما سبقه من قرارات دولية وأممية ذات صلة ، تأييداً عالمياً لحق الشعب الفلسطيني وعدالة وقداسة مطالبه المشروعة تاريخياً وقانونياً ، خاصة ان هذا القرار يتزامن مع اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية وحالة طوفان أممية رسمية وشعبية ضد حرب الابادة في غزة ، وضد سياسة ومخططات الضم في الضفة الغربية بما فيها القدس، يدلل على ذلك العزلة السياسية والاخلاقية التي تعيشها حكومة اليمين الاسرائيلية ، في عالم حر بات رافضاً لما يجري من جرائم في غزة وفلسطين المحتلة من البحر الى النهر .
وتؤكد اللجنة الملكية لشؤون القدس على مركزية وأهمية الجهود السياسية والدبلوماسية والاغاثية الاردنية بقيادة الملك عبد الله الثاني بن الحسين صاحب الوصاية على المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس وولي عهده صاحب السمو الملكي الامير الحسين بن عبد الله ، المدعومة بمواقف العائلة الهاشمية والاسرة الاردنية الواحدة ، في الدفاع عن القدس وفلسطين ومساندة شعبها مهما كان الثمن وبلغت التضحيات .
وترى اللجنة الملكية في المناخ الدولي المناصر لفلسطين وشعبها ضد وحشية الاحتلال الاسرائيلي، والمترجم اليوم بالقرارات الدولية وموجة الاحتجاجات الشعبية الدولية المتذمرة من اسرائيل ومجازرها ضد الشعب الفلسطيني ، وانتخاب رئيس جديد لليونسكو ينتمي بعروبته لقضية القدس ، فرصة لفضح ومواجهة الرواية التلمودية الزائفة والرواية الاستيطانية الاسرائيلية المحرفة نحو تبني رواية القدس العربية الاسلامية الوحيدة الحقيقية، وحل الدولتين واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية وتفعيل جميع القرارات الدولية المنصفة للحق الفلسطيني بارضه ومقدساته في سبيل الحق والعدل والانسانية التي ينادي بها الملك عبد الله الثاني بن الحسين.
*أمين عام اللجنة الملكية الأردنية لشؤون القدس
الكاتبة : كريستين حنا نصر
منذ انطلاق حرب غزة أي طوفان الاقصى التي نفذتها حركة حماس في السابع من اكتوبر عام 2023م ، والى اليوم نلاحظ تداعيات وتطورات سياسية وعسكرية أثرت على المنطقة جراء الصراع في غزة بين حركة حماس واسرائيل . وبالاخص ما حققته خلالها اسرائيل من نتائج غيرت من شكل وطبيعة الصراع في المنطقة العربية ، وأول هذه التداعيات كان كبح نفوذ حزب الله الأمني والعسكري ، من خلال عملياتها ضد معقل الحزب ومقر قيادته الأمنية والحزبية ، حيث أنه وجراء الحرب بين حزب الله واسرائيل فيما سُمي حرب الاسناد لغزة ، فقد مُني الحزب انذاك بهزيمة بشعة ومدوية ، اذ استهدف الكثير من قادته بمن فيهم أمين عام الحزب السيد حسن نصر الله وخليفته هاشم صفي الدين وهذه النتيجة جاءت بعد عدة ضربات اسرائيلية على منطقة الضاحية المنكوبة ، ومنها الضربة التي عُرفت بعملية أو حادثة البيجر حيث استهدفت عناصر الحزب ، وهو الذي بعد هزيمته بسبب الضربات الاسرائيلية بات أي الحزب أضعف مما كان عليه سابقاً ، ولم يبق لحزب الله الآن أي تهديد وتدخل في الصراع بين اسرائيل وحركة حماس خاصة بعد خسارته ونكباته المتتالية ، أي عدم التعدي أو المساس في السيادة اللبنانية في قرار السلم والحرب بدلا عن الدولة والجيش .
وهنا يمكن القول أن حرب السابع من اكتوبر وتداعياتها أثرت على الجبهة اللبنانية وعملت على تقليص قوة الحزب ، وبالأخص ليس سياسياً فحسب ولكن أيضاً عسكرياً ، وهذه الخطوة هي التي فتحت أبواب الوصول الى انتخاب الرئيس الجديد جوزيف عون للجمهورية اللبنانية ، والتي جاءت بعد انقطاع للإنتخابات الرئاسية في لبنان حيث بقيت بدون رئيس لمدة طويلة من الزمن ، والان لبنان في سباق تجاه لملمة الأمور وتنظيم شؤونها ، وأهمها السعي نحو أولوية حصر السلاح بيد الدولة وبالاخص السلاح الخارج عن الدولة لسلاح حزب الله اللبناني.
أما التغيير الثاني الذي طرأ خلال حرب السابع من أكتوبر وتدعياتها ، هو سقوط النظام السوري البائد والتوقيت كان بالطبع بعد تقليص قوة حزب الله في لبنان ، حيث انه تمّ حينها تلاشي وجود مظاهر نفوذ حزب الله في الاراضي السورية واضمحلال واضح لعناصره في سوريا ، وقد دخلت سوريا مرحلة جديدة من تاريخها أي بعد القضاء على قوة ونفوذ حزب البعث السوري وإلغاء معظم القرارات التي كان الحزب يدعمها ويتبناها ، وأهم الاجراءات كان اغلاق كامل مقار حزب البعث وبصورة كلية، وبالتالي دخلت سوريا مرحلة جديدة انتقالية من تاريخها ، تمّ فيها اصدار قرار من قبل السيد أحمد الشرع ، وهو بأن يكون اليوم الثامن من ديسمبر هو عطلة رسمية للثورة السورية . والآن تدخل سوريا مرحلة انتقالية برئاسة السيد احمد الشرع الرئيس المؤقت ، لاعادة بناء الدولة السورية الجديدة مع كل التطورات السياسية والعسكرية المختلفة التي شهدتها هذه المرحلة الانتقالية لبناء سوريا الجديدة ، ودون وجود حزب البعث السوري فيها أو وجود نفوذ لحزب الله أيضاً والمدعوم ايرانياً ، وقد دخلت سوريا اليوم في علاقة مع دول الجوار خاصة بعد زيارة وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني مؤخراً الى لبنان واعادة تجديد العلاقات السورية اللبنانية بعد قطيعة طويلة مع نظام الاسد البائد .
وبالطبع المرحلة الصعبة التي تمر فيها سوريا الان وبالاخص ملف المناوشات الطائفية والعرقية التي اثرت على استقرار الوضع الحالي في سوريا ، وتحديداً ما يتصل بالانتهاكات بحق الاقليات السورية وأحداث الساحل السوري ومدينة السويداء المحاصرة حتى الان ، الى جانب الانتهاكات في وادي النصارى مؤخراً .
وبعدها ندخل للحديث وتحليل عن المرحلة الثالثة لتداعيات حرب غزة على الخرائط الجيوسياسية في المنطقة ، وأهمها كان حرب الاثنا عشر يوماً مع ايران ، حيث شنت اسرائيل حرباً ضد ايران وتمّ خلالها تبادل رشق الصواريخ بينهما فوق المجال الجوي لبعض الدول العربية ، والتي تأثرت من الصورايخ الايرانية ، وابرزها المملكة الاردنية الهاشمية والتي صدت بعض الصواريخ لحماية أمنها القومي ضد أي اعتداء على اراضيها ولأجل سلامة الشعب الاردني، واثناء هذه الحرب تكبدت إيران خسائر كبيرة من قوتها الصاروخية العسكرية تحديداً ، ونجحت اسرائيل في تدمير وتعطيل البرنامج والقوى الايرانية النووية ، حيث استباحت اسرائيل سماء ايران مستهدفة عدة مواقع عسكرية ونووية على اراضيها. وبعدها تمّ تجميد القوى الايرانية خاصة دورها في حرب وحدة الساحات ، حيث خمدت الساحة الايرانية والساحة اللبنانية ممثلة بحزب الله اللبناني فيها ، ولكن بقي نفوذ حزب الله والميليشيات الايرانية في الساحة العراقية واليمنية ، ومن الممكن أن تفتح هذه الجبهات في المستقبل في كل من العراق واليمن فقط لتقليص النفوذ الايراني فيها . وهناك كانت عدة ضربات اسرائيلية على اليمن للقضاء على جماعة الحوثيين .
وهنا ندخل العنصر الرابع من تداعيات حرب غزة وتحديداً في عمق الصراع الاسرائيلي مع حركة حماس وتداعيات الحرب بينهم على نفوذ حركة حماس في غزة ، قبل الحرب وأثناء الحرب وكذلك بعدها أيضاً ، حيث استهدفت اسرائيل مؤخراً مكتب حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة ، وهو أمر دق ناقوس الخطر في دول الخليج ، اذ تخطت هذه الخطوة الخطوط الحمراء في استهداف دولة خليجية ، وقبلها استهدفت اسرائيل قيادات بارزة في حركة حماس واستمرت الحرب حتى اليوم ، وتغيرت ملامح النفوذ الجيوسياسية في المنطقة ، وفرضت امريكا برئاسة ترامب ومن خلال اقناعه لرؤساء بعض الدول العربية والاسلامية الاتجاه نحو التوقيع على السلام في غزة و وقف الحرب . وأهمها قطر وتركيا اللتان تدعمان حركة حماس وقد وافقت ودعمتا معاً الخطة التي طرحها ترامب للسلام و وقف الحرب في غزة .
وهنا ندخل في تغيير واضح لخرائط النفوذ وبالتحديد في مدينة غزة ، اذ وافقت الحركة على خطة السلام المقترحة بما فيها تبادل الاسرى ، والان هم في مرحلة المفاوضات من أجل تنفيذ بنود خطة السلام ، ومنها ما يتعلق بمستقبل غزة وهي أن تكون منطقة منزوعة السلاح ، وبدون حركة حماس وادارة غزة من حكومة تكنوقراط فلسطينية ، وفي هذه المرحلة نلاحظ أن قوى وحدة الساحات قد تم تقليصها مع قوى الاسناد والنفوذ الايراني في المنطقة ، لكن يبقى النفوذ الايراني موجود في العراق ، خصوصاً الحكومة الحالية وعلاقتها مع الميليشيات الايرانية والتي يمكن ان نشهد خلال الوقت القادم تغييرات جذرية مستقبلية في الساحة العراقية ، الى جانب ما يمكن تسميته تغييرات في لعبة خرائط النفوذ ، ويمكن ان يكون هناك تسوية سياسية لتقليص نفوذ ايران في العراق أو السعي لكبح عسكري للميليشيات الايرانية الموجودة في العراق .
غزة تغيرت بعد حرب السابع من اكتوبر للأسف جراء هذا الصراع ، فهي شبه مدمرة وقتل الكثير من طرفي الصراع والاكثر المتضرر هم من مواطني وأهل غزة التي شرد أهلها ودمر بُنيانها ، كذلك تعرضت سياسيا وعسكريا للدمار ، وفي المحصلة لوقف الحرب بنود ترامب إتجاه حركة حماس سوف تكون خارج اللعبة في غزة ، وأيضاً محور وحدة الساحات والاسناد في المنطقة أيضاً خارج اللعبة ، خاصة في لبنان وسوريا . وبعد حرب غزة سوف تدخل منطقة الشرق الاوسط مرحلة جديدة سمتها لا جيش خارج إطار الدولة ، ولا أحزاب وقوى مدعومة من الخارج أيضاً ، وبالمحصلة بشكل لا يمس سيادة بعض الدول في الشرق العربي خاصة لبنان وسوريا والعراق الذين تاثروا من تدخل الأحزاب في سيادة دولهم .
واليوم فإنني أتمنى أن تدخل المنطقة مرحلة جديدة من البناء والنماء والسلام ، تتحسن فيها اقتصاديات هذه الدول ، وتحديداً سُبل لحل مشكلة الفقر والبطالة وبالأخص لفئة الشباب الذي يعاني اجتماعياً ومالياً في المنطقة ويجب الالتفات الى فئة الشباب وانقاذهم والسعي الى تعزيز مشاركتهم في جميع مفاصل الدولة ، ليصبحوا عملياً مواطنين فاعلين في مجتمعاتهم في الدول العربية . ويبدو أن المستقبل مليء بالتطورات الجيوسياسية في منطقة الشرق العربي .
الكاتب : رائد عبد الفتاح مهنا
مثلت الدعوة العلنية التي وجهها الرئيس عبد الفتاح السيسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحضور توقيع اتفاق إنهاء الحرب في غزة ، نتاج ذروة مسار دبلوماسي طويل، وكشفت عن تفاؤل مصري غير مسبوق بإمكانية تحقيق اختراق في الأزمة. وقد أكدت هذه الخطوة، التي تُعد سابقة في العلاقات المصرية الأمريكية، على عمق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في التعامل مع هذه الأزمة، كما عكست الثقة المصرية الكاملة في قدرتها على إدارة الملفات الإقليمية بنجاح، منذ اندلاع الحرب على غزةوأظهرت مصر بقيادة الرئيس السيسي توازناً دبلوماسياً يجمع بين الحسم الإنساني والقيادة السياسية الحكيمة. فقد عملت القاهرة بشكل مكثف على الحد من المعاناة الإنسانية للشعب الفلسطيني، بينما كانت تدفع في نفس الوقت باتجاه مسار التفاوض، حيث استضافت مدينة شرم الشيخ مفاوضات مكثفة بمشاركة وفود رفيعة المستوى من عدة أطراف.
تمارس مصر دور الوسيط القوي لا التابع، حيث تمكنت من فرض رؤيتها الإنسانية والسياسية داخل مسار التسوية. ويُعد إدراج بند "منع التهجير" ضمن بنود اتفاق غزة مثالاً على النجاح الدبلوماسي المصري، الذي أعاد التوازن إلى طاولة التفاوض، وأثبت أن الأمن الإنساني للفلسطينيين هو أساس أي تسوية عادلة.
في المحصلة، يقود الرئيس السيسي دبلوماسية المبادرة والحسم، ويعيد لمصر دورها التاريخي كقلب المنطقة النابض ومركز القرار العربي، مما يؤكد مكانتها كضامن رئيس للاستقرار في المنطقة بأكملها بما فيها الحفاظ على الأمن القومي والسيادة (الخط الأحمر) الحصانة الإقليمية ، لاسيما أن مصر تتمتع بسيادة وهيبة دولة لا يمكن تجاوزها ويُعتبر أي مساس بأمنها القومي خطًا أحمر مطلقًا، وتستخدم القاهرة هذا الثقل السياسي والاستراتيجي لردع أي مخططات، مثل رفضها القاطع لتهجير الفلسطينيين من غزة.توفير مظلة الحماية: قدرة مصر على استضافة الوفود الفلسطينية (بمن فيهم قيادات حماس) في أماكن علنية مثل شرم الشيخ، هي دليل سياسي على أن القرار المصري المستقل هو الضامن الوحيد لسلامة ضيوفها وأمنهم من أي اعتداءات خارجية، مما يؤكد قوتها ومكانتها كدولة ذات سيادة باختصار.
لقد حولت مصر مسارها من المواجهة العسكرية المباشرة إلى الخيار السياسي المستند إلى معاهدة سلام، مما مكنها من استعادة أرضها وخلق مساحة من القدرة على المناورة والضغط الدبلوماسي لدعم القضية الفلسطينية والحفاظ على استقرارها الإقليمي، بفضل ثقلها التاريخي والجغرافي وقرارها السيادي.
ختاماً لابد من ان نشكر مصر قيادة وحكومة وشعبا على وقف حرب الابادة وانقاذ شعبنا من التهجير وهذا يعكس الدور السياسي المحوري متعدد الأوجه في ملفات السلام الإقليمية، وخاصة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.
الكاتب : تحسين يقين
سيكون لوقف الحرب معنى إن بدأت خطوات السلام، وهي منظومة معا، فكما ينجح العالم اليوم بوقف المجزرة هناك في غزة، فهو مدعو إلى النجاح في وقف مجزرة الأرض هنا في الضفة الغربية، فأهم شوكة هنا ألا تستمر الخطوات الى النهاية المأمولة: دولة فلسطين المستقلة والقدس عاصمة.
ضمان ذلك هو الاستمرار، وما اجتماع باريس إلا تأكيدا على ذلك، ولكن حتى نكون أكثر جدية، فإن ضمان التوازن الاستراتيجي العربي (الإسرائيلي) عسكريا واقتصاديا وسياسيا، هو من سيضمن الاستمرار . فهل سيفعل العرب أخيرا ذلك؟ لا يمكن أن يكون هنا سلام مستقر يصنعه ضعفاء؛ ففي الوقت الذي نتهيأ فيه للسلام، ينبغي دوما ضمانه بأن نكون مستعدين كأمة لسيناريوهات مفاجئة. إن إعادة بناء الجيوش العربية على أسس علمية حديثة، والاستفادة من التجربة العربية في مصر، هو ما سيضمن تجنب العثرات.
"أليس من الصعب أن يسير الإنسان في الفضاء نحو القمر ولا يسير على الأرض نحو السلام " صفحة 79.
بعد خمس صفحات أقرأ هذا الحوار:
- هل يمكن إزالة هذه الأشواك؟
- ليس الأمر سهلا!
- لكن ممكن"
ويكون المفتاح "السر" من وجهة نظر الكاتب هو القلب.
يتنقل بنا الكاتب من الحياة الاجتماعية بين أسرتين من محافظتي الغربية والشرقية الى أروقة الأمم المتحدة في جنيف، فقد كانت بداية المسرحية مشروع زواج بين دبلوماسي وشابة، لكن ما ان يتم الحديث في الموضوع، حتى تتعقد الأمور بسبب حذر الوالدين، وما يعرفان من معلومات غير دقيقة. ثم لينتقل الشاب (العريس) الى جنيف ليشارك في نقاشات دولية، ما إن تقترب من الحل حتى تتعقد.
يصيح الصحفي الأول بعد سماعه عن الاتفاق "في المنظر الثاني، الفصل الثاني:
- الصحفي الأول: انتصار!
- الثاني: السلام يفوز.
- الثالث: أخيرا سيعمّ السلام الأرض.
- الرابع: إجماع ساحق."
ويخفف أحدهما، ولعله يفسّر سرّ سرعة الاتفاق: "الشعوب تريد ذلك".
لكن نفاجأ بحوث التعقيد، فلم يحصل الاتفاق بانتظار مذكرة من وزيريّ خارجية المعسكرين الكبيرين". وتبدأ الاتهامات "كل من المعسكرين يتهم الآخر بالاستعداد لإثارة الحرب".
وهنا، يفسّر الكاتب على لسان شخصية في المسرحية، لعله يتقمصها "القادة يفكرون ويدبرون، والتفكير عندهم يؤدي الى الحذر واتخاذ التدابير والتدابير تورط في أخطاء، والأخطاء تفسد جو الصفاء .." صفحة 85.
تأمل وإحساس، وتكرار عودتي لمسرحية "أشواك السلام" لتوفيق الحكيم، التي صدرت عام 1957، وها أنذا هذا الصباح أعيد قراءتها. كانت المرة الأولى أثناء الدراسة في مصر 1991، حيث كنت قد اقتنيت تقريبا كتب الحكيم، الذي جذبني من طفولتي بنصوصه، وكذلك فتى شابا، في رواياته ومسرحياته وكتبه الفكرية. لكن أما وقد مصر، إذن لألتقط هذه الفرصة، الى تمددت الكتب في مكتبتي الصغيرة هناك، وهي الآن تحتل رفا كبيرا كاملا.
لم يتغير الكثير في فهمي للمضمون؛ فعلى مدار 34 عاما من القراءة الأولى، فإن الذي يجدّ هو التعمق بالشعور، لذلك فإن الإنسان ليس فكرا بل مشاعر. تعمق لديّ ان السلام منظومة نفسية واجتماعية ودولية. كما تعمق لدي أم المسؤولية تقع علينا جميعا حكاما ومحكومين، وليس كما أوحى الحكيم مركزا على مسؤولية الكبار اجتماعيا ودوليا، لعله قال ما قاله ربما من تأثير الأدوار.
قبل الحديث، فإننا في هذه الصراع بحاجة لقراءة تاريخنا هنا، ولا يكفي ان نقرأ ما كتبناه نحن، قديما وحديثا، بل ما كتبه الآخرون ومنهم الأعداء الذين دخلوا معنا في صراع لم ينته بعد، ما اتفقنا وما اختلفنا، ثم ليبحث الناس هنا، كل الناس أشقاء وأعداء، ما كتبه منصفون، حتى ولو كان عددهم قليلا.
وعندما نقول نحن، فإنني كلنا، بما اختلفنا في الجماعة الواحدة والجماعتين، خلال الاشتباك مع الاحتلال، وضرورة مهمة أن نعرف لم وصلنا الى هنا، عربا وعالما. وخلال ذلك، ربما نتفهم أحداث التاريخ، وموازين القوى، خاصة أن ما بعد مرحلة الاستقلال، لم تكن كذلك سوى في بعض الاستثناءات، وإن لم تكن مطلقة تماما، فوجدنا أنفسنا وقد تم اختراقنا وتخويفنا، ونهبنا أيضا، فلم يتحقق الاستلال ولا ما يحزنون، وبدلا من تقوية الذات العربية، قضينا الوقت وما زلنا ونحن نتنازع على الوهم، وصولا لتعميق ما قالته أم أبو عبد الله الصغير آخر حكام غرناطة: "حسد الذليل على الهوان الصاغر". فهم المكتوب وفهم ما عشناه ضرورة لتأمل صريح، لعله يقودا أشقاء وأصدقاء وأعداء الى فتح الصفحة الأولى نحو حل الصراعات.
لنتحمل مرة المسؤولية، حتى نهدي العدو مبررات قتلنا، لنكن على قدر المسؤولية فلا نستمر بالاتهام والتخوين واللف والدوران الذي لا يفيد، حتى نمنح ما هو ممكن عربيا اليوم، بقيادة الشقيقة مصر مدعومة ومسنودة من الدول الشقيقة المؤثرة، بالقيادة العقلانية، مدعومة بقوة الجيش والثقافة والعراقة والصدق في التوجه نحو سلام دائم.
مصر تحتاج نفسها أولا، وحدة وطنية مصرية، بقوة الشعب الواعي، وانضمام الكل المصريّ نحو الطريق الحقيقيّ، ولعل تجوال لأيام في أي مكان بمصر الآن يرينا بموضوعية ماذا تفعل مصر لنفسها. لذلك محرّم العبث في النسيج المصري من قبل أي أحد: مواطنا أو شقيقا أو صديقا أو حتى عدوا، والسبب أن هذه البلد يمكنها أن تحقق أمرين معا السلام في المنطقة وتطوير اقتصادها، والذي تخطو فيه خطوات. السلام مصلحة الجميع، بالإمكان تحقيق عقد دولي تتحقق فيه مصالح الشعوب.
وحتى تنجح مصر، والعرب معا، لا بد من تقوية الثقة، فلا يمكن أن يكون نجاح ما دما الى الأجنبي أقرب من الشقيق، وحفاظ على الثروات، ومعروف طمع الأجنبي بها، فإنه يمكن بطرق سياسية قطع الطريق على المستعمرين، قد يبدو صعبا لكنه ممكنا.
لا يمكن عمل اختراق في السلام هنا وضمان استمراره، إلا بضمان توازن عسكريّ واقتصادي، يسانده تقوية استعادة روابطنا بما يحتاج المستقبل من عمل وحدوي تعليمي وثقافي وتكنولوجي.
هناك ثقة في مصر من قبل العدو والصديق، رغم عدم المحبة، فليس الحب هو الشرط بقدر الوعي، وهنا لعلي أختم بما أراه:
- في ظل الإجماع العالمي شعبيا وسياسيا، فإن العودة الى الوراء محرمة منا جميعا.
- باتت الفرصة أولا أمام دولة غير قلقة وخائفة، بعد أن خاضت جرائم حرب، لم تكن نتيجتها هزيمة فلسطين. ولعل الخطوة الأولى تبدأ بالتغيير الفكري، وهي إن فعلت تخلص، وطريق ذلك آنيا استقالة المتورطين في المشهد الدموي، أو إقصاؤهم، فلا يمكن استئناف طريق التسوية مع قادة أيدهم ملطخة بالدم.
- ان ترتقي السياسة الغربية والأمريكية للبدء في فتح صفحة جديدة مع العالم ونحن منه، فيصبح التعاون بديلا للتخويف، فالأمان الحقيقيّ والاستقلال الذي يضمن الكرامة، هو ما يحقق مصالح الشعوب.
- عربيا وفلسطينيا، معروف ما صار لازما لنفعله، فلسنا بحاجة للتذكير بما أصبح واجبنا جميعا، أما لا يسره ذلك، فليعتزلنا.
- احترام الكرامة لا الأمر ولا التخويف ولا الغدر، هو من سيضمن الاستمرار بالطريق. وليكن العالم شاهدا.
- لعل ما هو استراتيجيّ اليوم هو استغلالنا جميعا موقع مصر العالمي، الذي تستطيع إنجازه، وهي الآن في موقف تاريخي قومي ودولي تجعلها الأكثر نضجا وتفهما من أجل إنهاء الصراع. وإن دعم الدول العربية المؤثرة لمصر هو دعم لها. وعندما نقول مصر فإننا نقصد في العمق أمتنا العربية. ربما هي آخر فرصة للبدء بسلام حقيقيّ.
الكاتب : أحمد دخيل
في الذكرى الرابعة والأربعين لرحيل ماجد أبو شرار، لا يكفي أن نقول: "كان قائدًا". الكلمات الباردة لا تُنصف رجلًا عاش كجرحٍ ندي في جسد فلسطين. كان يشبه عود العنب الذي يشقّ طريقه بين الصخور: يبدو هشًّا، لكنه يعرف كيف يقاوم العطش، كما يعرف الفلاح سرّ الأرض وصبرها.
ماجد لم يهبط من سماء أسطورة؛ خرج من "دورا" جنوب الخليل، من بيتٍ يعرف معنى الشقاء. بين أبٍ قاتل في صفوف جيش الجهاد ثم حمل القانون بدل البندقية، وبين أمٍّ صلبةٍ تشبه انتظار فلسطين الذي لا ينتهي. هناك، في طفولته الأولى، اكتشف أن القوانين تفقد صوتها حين تقف أمام دبابة، وأن المحاكم لا تعيد رغيفًا مسروقًا من يد طفل. عندها فهم أن القلم أصدق من أي حكم قضائي، فكتب كما يقاتل الآخرون.
كتب في الدمام، كتب في "فتح"، كتب عن المخيمات للجرائد والبيانات. لم يكن يكتب ليملأ صفحات، إنما كتب كمن يصرخ من عمق الجرح: لا حياة حيادية في زمن الاحتلال. وحين قرأ الناس "الخبز المر"، لم يقرأوا قصصًا عابرة، لقد قرأوا فلسطين نفسها: رجلٌ يتهاوى بالسعال، أطفال جياع، وامرأة تمسح دمعة لا تجف. كان الخبز مُرًّا لأن الحياة كلّها كانت أكثر مرارة.
وفي روما، حين دسّوا قنبلة صغيرة تحت سريره في الفندق، ظنّوا أن الحكاية انتهت. لكن القنابل، مهما كانت محكمة، لا تفجّر فكرة. رحل الجسد، وبقي الصوت: بقي في المؤتمرات، في المخيمات، في ذاكرة الناس الذين ردّدوا جملته البسيطة: "الفلسطيني لا يستسلم".
وليس من الوفاء أن نُحوّل الشهداء إلى تماثيل صامتة. ماجد لم يكن تمثالًا، كان إنسانًا بكل تناقضاته: يضحك، يغضب، يسخر، يكتب مقالات لاذعة عن "واحد غزاوي جدًا" و"شخصية وقحة جدًا". كان يعرف أن الثورة تحتاج إلى شيء من السخرية كي تظل حيّة، وأن الغضب وحده يشيخ بسرعة.
بعد أربعة وأربعين عامًا، يبقى الدرس حاضرًا: أن الثورة بلا إنسان تتحوّل إلى آلة عمياء، وأن الحراك بلا قلب يستحال، وأن فلسطين لا تحتاج إلى أوصياء، بقدر ما تحتاج إلى عشّاق. وماجد، في النهاية، لم يكن سوى عاشقٍ كبير، كتب دمه على جسد وطنه، ومضى.
لروحك المجد يا ماجد.
الكاتب : مروان إميل طوباسي
تم الإعلان عن التوصل إلى اتفاق على المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ، على أن تبدأ المفاوضات فورا حول المرحلة الثانية، مع استمرار وقف إطلاق النار طالما التزم الطرفان بخطة ترامب .
ورغم أهمية وقف الإبادة في غزة وهو ما يشكل ضرورة عاجلة ومصلحة وطنية وانسانية ، إلا أن ما يتشكل أمامنا ليس “يوما فلسطينيا جديدا”، بل يوما هندسته واشنطن بواقع استعماري جديد ، يهدف إلى إدارة غزة لا إلى تحريرها .
الهندسة الأميركية التي تُرسم لغزة اليوم ليست عملاً عشوائياً ، بل امتداد لمشروع أوسع بدأ مع ما يسمى بـ"صفقة القرن" وربما ما قبل ذلك بما سُمي "الربيع العربي" بالتعاون مع جهات ساهمت بأسقاط المشروع والدولة الوطنية بالعالم العربي ، وتطور لاحقاً عبر خطة ترامب الاقتصادية الأولى عام ٢٠١٩ التي قدمها جاريد كوشنر انذاك ، والتي ربطت الازدهار الاقتصادي بالشرق الأوسط الجديد بقبول الشروط السياسية الإسرائيلية في محاولة لضمان استمرار المشروع الصهيوني الكولنيالي بكل فلسطي وخاصة مع التوسع الاستيطاني والتهويد الجاري بالضفة بما فيها القدس وشن الحروب بكل المنطقة .
ومن اللافت أن خطة ترامب لغزة اليوم، والتي تأتي كبديل لمخرجات مؤتمر نيويورك وتسارع الاعترافات بالدولة ، تتحدث عن مشاريع وفرص وممرات استثمارية ، لكنها تتجاهل تماما الأساس السياسي ، أي حق تقرير المصير لشعبنا والسيادة الوطنية الفلسطينية والتمثيل السياسي المكتسب عبر الشرعية الدولية ، وهذا يجعلها خطة بلا أرض ودون عنوان وطني ، واقتصاد بلا دولة مستقلة ذات سيادة ومتواصلة جغرافيا .
الجديد في النسخة الحالية من خطة ترامب أن المشروع يُقدم بغطاء “إغاثي”، مستفيداً من ارهاق العالم من مشاهد عدوان الإبادة والتطهير العرقي والتجويع والدمار الذي لم يعد العالم يقبل استمراره بما عبر عنه من مظاهر التضامن الواسعة مع شعبنا بالشوارع والبحار ، ليبدو كحل إنساني ، فيما هو في جوهره صفقة سياسية واقتصادية لنزع القرار من أيدينا نحن الفلسطينيين وإعادة تشكيل غزة بما يتناسب مع مصالح واشنطن وتل أبيب بالأساس .
لكن ما دفع الأمور إلى هذا الاتفاق ليس فقط الضغط الأميركي أو التفاهمات الخفية التي ما زالت غامضة ومفخخة ، بل أيضا الأزمة البنيوية العميقة داخل إسرائيل ، حيث يواجه النظام السياسي هناك انقسامات حادة واحتجاجات متواصلة على القيادة اليمينية والدينية المتطرفة ، إلى جانب اهمية تعاظم التضامن الدولي الشعبي بل والرسمي في بعض منه ايضا ، وصمود شعبنا الأسطوري في غزة ، الذي غيّر قواعد المعادلة وأجبر القوى الكبرى على البحث عن مخرج سياسي مؤقت .
ومع ذلك ، فإن “المخرج” الأميركي لا يعني نهاية الصراع ، بل بداية مرحلة جديدة من التحكم غير المباشر من خلال تطويع الكثير من الانظمة المحيطة . فالإدارة الأميركية تسعى لإعادة بناء ما دُمر عبر شركاتها الإستثمارية وشركائها الإقليميين ، كما فعلت في العراق وسوريا وليبيا وأفغانستان . الهدف ليس “الإعمار”، بل إعادة هندسة المكان والسلطة والوعي الفلسطيني في إطار جديد يجعل من غزة مختبراً لمشروع “السلام الاقتصادي” القائم على السيطرة من دون سيادة .
ما يُخطط له اليوم هو تغيير جوهر الصراع ، تحويل القضية من صراع له علاقة بفكر استعماري تجاه حقوقنا الوطنية بالأرض والحرية والكرامة والسيادة ، إلى صراع على إدارة المعابر والمساعدات والمشروعات الإستثمارية من الغاز والمياه والمعابر المائية والطرق التجارية والموانئ وغيرها من مشاريع اعادة الإعمار التي ستبقى في يد صانع الخطة وبلير ومن اهمها قناة بن غوريون . أي أن الفلسطيني يُعاد تعريفه في خطة ترامب وبلير كمستفيد من خطة إنسانية ، لا كصاحب حقوق وطنية وكيان سياسي مستقل . وهكذا تتحقق الغاية التي عجزت باستمرار عنها مظاهر الاضطهاد الإستعماري الاسرائيلية ، اي تفكيك الوعي الوطني وترويضه اقتصادياً .
بأعتقادي فإن أي خطة لا تُعالِج بنية الأحتلال الاستيطاني نفسها محكوم عليها بالفشل ، لأنها لا تغير شروط اللعبة بل تكرسها .
الآن ، إن ما يجري ليس “نهاية الحرب” بل بداية مرحلة استعمارية جديدة بأدوات ناعمة رغم انتظار شعبنا هذه الساعة من توقف الإبادة والتدمير وبالإفراج عن عدد من أسرانا الابطال من السجون الاسرائيلية كما وبدء انسحاب جزئي من غزة لقوات الأحتلال وادخال الدواء والطعام . فمن خلال هذه الخطة ، تسعى واشنطن إلى رفع العزلة عن دولة الاحتلال ، والى ترميم صورتها المهزوزة بعد عامين من الشراكة معها بالإبادة الجماعية ، وتعمل في الوقت ذاته على إعادة تأهيل إسرائيل سياسيا بما ربما يحتاج الى تغيير حكومتها واستبدال نتنباهو ، وربط المنطقة كلها بمسارات اقتصادية وأمنية تصب في مصلحة التحالف الأميركي – الإسرائيلي ، وهو ما يتفق بما يجري من الضغط الأمريكي لتغير واقع السلطة الوطنية ايضاً من جهة اخرى ، رغم حاجتها للأصلاح لكن بقرار وطني مستقل بعيدا عن الأملاءات الجارية والمتسارعة .
ومع أننا والعالم يُرحب بالتأكيد بوقف القتل اليومي ومحرقة القرن ٢١ بحق شعبنا ، علينا أن نحذر من وهم “اليوم التالي” كما يرسمونه لنا . فإعمار غزة لا يمكن أن يكون على حساب الحق الوطني ، ولا يمكن أن يكون ثمنه قبول الوصاية أو التخلي عن السيادة الوطنية .
فمن دون موقف عربي واعي لما يجري من استهداف للقرار العربي المفترض ، ومن دون مشروع وطني تحرري جامع وواضح يعاد تعريفه بعد مراجعة نقدية لمسار حركتنا الوطنية بارادة سياسية لا يجب تأخيرها ، ستبقى غزة ميداناً لتجارب الآخرين ، بينما تبقى فلسطين تنتظر فجراً يصنعه أبناؤها المخلصين لا مهندسي البيت الأبيض ومعاونيهم .
الكاتب : عيسى قراقع
أنا يهودي.
كنت يومًا رقمًا على ذراع، وجثة مؤجلة في قطار يسير بلا وجهة، رأيت أفران الغاز، سمعت صراخ الأمهات، شممت رائحة اللحم البشري يحترق، كنت هناك، في أوشفيتز، في بوخنفالد، في غيتو وارسو، في ظلمة لا شمس فيها، ولا رحمة، ولا لغة إلا الموت.
وحين خرجت حيًا، قالوا لي: "لقد نجوت"، لكنني اليوم، وأنا أرى غزة تُباد، أدرك الحقيقة الأشد مرارة: لم أنجُ.
نجوت جسديًا، نعم. لكن روحي ظلت معلّقة في ذلك المعسكر، واليوم أراها تُسحق من جديد، لكن ليس بأيدي النازي، بل بأيدٍ تُشبه يدي، تحمل اسمي، وتتكلم لغتي.
لقد نشأنا على أن المحرقة هي المأساة العظمى، التجربة التي لا يمكن مقارنتها بشيء، لكن ماذا لو تجاوزها الواقع؟
ماذا لو أن غزة، بكل ما فيها من موت، جوع، حصار، قصف، ودمار، أعادت تعريف الجحيم؟
كنت أظن أن الهولوكوست قاع العالم الأخلاقي، لكنني أرى اليوم في غزة ما لم أره هناك:
إبادة تُبث على الهواء، بتصفيق، وبفخر قومي، ودعم دولي.
نعم، هناك كانت أفران الغاز، لكن هنا تُحرق الأحياء، لا الأجساد فقط، هنا، يُحاصر مليون طفل، ويُدفن الآلاف تحت الركام، وتُقصف المستشفيات، وتُمنع المياه، ويُقطع الخبز، هنا، تُباد الحياة، لا فقط الأجساد.
لقد بنينا سجونًا ومعسكرات تفوق بشاعتها السجون النازية.، ليس لأننا أكثر تطورًا، بل لأننا أكثر تجريدًا للإنسان من إنسانيته، نعذب ونسلخ ونغتصب ونجوع، ويقودنا شخص يشبه هتلر اسمه ابن غفير، وتوراة حللت قتل الاطفال والنساء ومحو الفلسطينيين من الوجود، وباسمه نُطلِق على أحياء كاملة اسم "مناطق عمليات"، ثم نُسوّيها بالأرض كما كان النازيون يفعلون بنا، من هذا الرب الذي يسكن في تل ابيب وليس في السماء؟
انا يهودي ناج من المحرقة، النازيون أحرقوا الجثث في أفران الغاز، ونحن نحرق شعبًا كاملًا على الهواء، بالصوت والصورة، ونحن نعلم، ونُبرّر، بل نُصفّق ونستمتع كالشواذ.
بل إن قوانيننا تلك التي نفاخر بها أشد قسوة من قوانين نورمبرغ، نقنّن التمييز، نُشرعن الحصار، نُبرّر القتل الجماعي تحت غطاء الأمن، والدفاع عن النفس، ونحوّل العدالة إلى أداة للقمع.
هل بعد هذا نجرؤ أن نقول إننا "شعب أخلاقي"؟
هل يمكن لمن نجا من المحرقة أن يصنع محرقة جديدة؟
هل يعقل أن يتحول الناجون إلى جلادين باسم الذاكرة؟
كنت أظن أن الهوية اليهودية تعني النجاة، النور، العدل، لكنني أراها اليوم تتشظى، تتكسّر أمام المرايا، الهوية مكسورة، تنهار حين تبرّر القتل، تتلوث حين تصمت أمام الجريمة، وتُمحى حين تشارك في ذبح الأبرياء.
أيها الإسرائيليون، أنتم لا تنتقمون من التاريخ، بل تُكرّرونه بأسوأ صورة.
أنتم لا تكتبون مستقبلًا آمنًا، بل تزرعون كراهية أبدية.
أنتم لا تحمون الدولة، بل تُجهزون على الروح، لم تعد اسرائيل بلدا امنا، بل مشهدا عسكريا دائما وخوف، المدرسة صارت معسكر، والتطرف في كل حرف.
ما فعلناه في غزة جعلني منبوذا أمام نفسي وفي كل مكان، اشعر بالخزي والعار، اشعر أن دولتي حولتني إلى وحش قبيح، وسأظل مطاردا عبر الزمان.
وأنتم، أيها العالم، الذي أقام النصب التذكارية في كل العواصم، أين أنتم الآن؟ هل مات ضميركم عند أبواب أوشفيتز؟ هل دماء الفلسطينيين لا تثير فيكم شيئًا لأنهم لا يُشبهونكم؟
حتى لو توقفت الحرب، ستبقى روحي محطمة، شبح غزة يلاحقني في النوم وفي اليقظة، لا يمكن النسيان، الاشلاء البشرية المتطايرة، الجثث، التجويع، الهدم والتشريد، الصراخ، القنابل والصواريخ التي تصهر الناس، مشاهد تقودني إلى الانتحار.
وأنتِ يا غزة...
أنا آسف.
آسف لأنني نجوتُ من موتي، ولم أنجُ من عاري.
آسف لأنني عشت لأشهد الجريمة، لا لأمنعها.
آسف لأن من حملوا ذاكرتي، حوّلوها إلى سلاح ضدكِ.
أنا لا أكتب هذا كعدو، بل كمن يرى صورته تنعكس في عين من يُقصف، كمن تعلّم من المحرقة أن الحياة مقدسة، ثم شاهد قومه يسحقونها تحت الدبابات.
أنا ناجٍ... ولكن ليس حقًا.
روحي لم تنجُ.
ضميري محاصر بين الماضي والحاضر.
وما دامت غزة في الجحيم، فأنا ما زلت هناك.
الكاتبة : هدى الحسيني
تبدو المنطقة أمام لحظة تحوّل استثنائية يصفها جنرالات أميركيون متابعون للشأن العسكري الإقليمي بأنها بمثابة «تغير جذري» في موازين القوى بالشرق الأوسط. فإسرائيل، التي تخوض معارك متزامنة على أكثر من جبهة، تحاول استثمار اللحظة الراهنة لتقويض نفوذ محور الممانعة وأذرعه المسلحة، من غزة إلى لبنان وصولاً إلى اليمن. هذه الصورة التي يقدمها الجنرال الأميركي المتقاعد جاك كين تعكس شعوراً متنامياً داخل الدوائر الغربية والإسرائيلية بأن المواجهات الحالية، رغم قسوتها وكلفتها البشرية العالية، قد تفتح نافذة نادرة لإعادة رسم المشهد الأمني والسياسي في المنطقة لعقود طويلة مقبلة.
كين، الذي عاد مؤخراً من لقاءات مكثفة في إسرائيل، شملت رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ورئيس الدولة إسحاق هرتسوغ وقيادات في الجيش، يرى أن تل أبيب استطاعت توجيه ضربات مؤلمة إلى جبهات نفوذ محور الممانعة. فـ«حزب الله»، وفق وصفه، «جرى شلّه بالكامل» عبر سلسلة من الغارات الجوية التي منعت إعادة بناء قواعده في جنوب لبنان. أما الحوثيون، فهجماتهم لم تتجاوز إطار «المضايقات» عبر طائرات مسيّرة وصواريخ متفرقة، في وقت تواصل فيه إسرائيل ضرب مواقعهم الحيوية داخل اليمن، مستهدفة البنية التحتية التي يعتمدون عليها لوجيستياً وعسكرياً. وفي غزة، جاء التوصل إلى اتفاق يفضي إلى تحرير الأسرى، غير أن الشكوك تبقى قائمة حيال استعداد حركة «حماس» للتخلي عن سلطتها، وهو ما يشكل العقدة الأساسية أمام أي تسوية سياسية شاملة.
لكن المعضلة الأكبر أمام إسرائيل ليست فقط في المواجهة المباشرة مع هذه التنظيمات، بل في قدرتها على الاستمرار من دون الارتهان الكامل لواشنطن. الجنرال كين شدد على أن الدرس الأول الذي ينبغي استخلاصه هو عدم السماح مجدداً بتمركز وكلاء محور الممانعة على حدودها، والدرس الثاني هو بناء استقلالية عسكرية أكبر عن الولايات المتحدة. ذلك أن تقلبات السياسة الأميركية بين إدارات مختلفة جعلت إسرائيل عرضة لمستويات متفاوتة من الدعم العسكري، وهو ما دفع كين إلى دعوة قادتها لتأمين احتياجاتهم الأساسية بأنفسهم، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الغطاء الدبلوماسي والأخلاقي الأميركي الذي يبقى عنصراً لا غنى عنه.
المثير أن التحولات لم تتوقف عند حدود الصراع مع غزة ولبنان واليمن. فالمشهد الإقليمي يتبدل بوتيرة سريعة وغير متوقعة. سوريا، بعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود أحمد الشرع، باتت ساحة تفاوض جديدة بين تل أبيب والسلطة الناشئة. وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر يقود محادثات مع النظام السوري لإرساء تفاهمات أمنية، وسط تمسك الجيش الإسرائيلي بمواقعه الدفاعية في الداخل السوري. ورغم المخاوف من خلفية الشرع، يرى الإسرائيليون في هذه المفاوضات فرصة لتثبيت خطوط حمراء تحول دون تسلل أي فصيل مسلح نحو الجنوب.
اللافت أيضاً هو استمرار الاهتمام العربي بالسلام رغم الحرب الطويلة في غزة والهجمات المتفرقة ضد المصالح العربية. فقيادات إسرائيلية نقلت انطباعات تفيد بأن دولاً عربية عدة ما زالت تنظر إلى اتفاقات السلام بوصفها ركيزة لمستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً اقتصادياً، حتى وإن تعرّضت لانتكاسات ظرفية. ومن شأن أي تهدئة في غزة أن تفتح الباب أمام استئناف هذه المسارات، وهو احتمال يراهن عليه كثيرون في تل أبيب وواشنطن على السواء، لا سيما أنه يتيح إقامة مشاريع تنموية عابرة للحدود قد تخفف من جذور التوتر.
أما تركيا، فتمثل في نظر كين معضلة مزدوجة. الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي لعب دوراً في وصول الشرع إلى السلطة في سوريا، ما زال معادياً لإسرائيل، لكن وزنه العسكري داخل «الناتو» يجعله رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه. الولايات المتحدة تحاول جذبه بعيداً عن روسيا من خلال اتفاقات لبناء مفاعلات نووية صغيرة وكبيرة، وهو مسار قد يفتح نافذة لتقليل التقارب التركي من موسكو وبكين. الاحتمال المطروح هنا أن تجاهل أنقرة سيعزز تموضعها في المحور الروسي - الصيني، فيما الانخراط معها ولو بحذر قد يخلق توازناً جديداً يصب في مصلحة واشنطن وتل أبيب.
في الجانب الآخر من المشهد، يبقى الصراع الروسي - الأوكراني عاملاً مؤثراً في حسابات واشنطن. الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي كان يعوّل على علاقة شخصية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتحقيق انفراج، بات مقتنعاً الآن بأن موسكو تماطل وتكذب فيما تواصل تصعيدها العسكري ضد البنية التحتية الأوكرانية والمدن الكبرى. ووفق تقييم كين، لم يعد أمام البيت الأبيض سوى خيارين: إما رفع مستوى الضغط العسكري عبر السماح لكييف باستخدام أسلحة بعيدة المدى ضد الداخل الروسي، وقد بدأ هذا يحصل، أو تشديد العقوبات الاقتصادية على صادرات الطاقة الروسية التي ما زال الأوروبيون يشترونها رغم دعوات التوقف المتكررة. وإذا لم يتحقق ذلك، فقد تزداد ثقة بوتين بقدرته على استنزاف الغرب، الأمر الذي سيؤثر بدوره على أولويات الدعم الأميركي لإسرائيل وحلفائها في الشرق الأوسط.
كل هذه المسارات تجعل من المرحلة الحالية منعطفاً حساساً. فإسرائيل تمتلك، وفق رؤية كين، «نافذة ذهبية» لتصفية نفوذ محور الممانعة في محيطها القريب، لكن هذه النافذة قد تضيق سريعاً إذا تراجعت الإرادة الأميركية في الاستمرار بالضغط أو إذا فشلت الجهود الدبلوماسية في غزة وسوريا ولبنان. الاحتمال قائم بأن يستغل هذا المحور أي تراخٍ لإعادة تموضع وكلائه، كما أن استمرار التعقيدات في الحرب الأوكرانية قد يستهلك جزءاً كبيراً من زخم الدعم الغربي للمنطقة. في المقابل، إذا جرى تثبيت اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة يتبعه ترتيب أمني تشارك فيه أطراف عربية، وإذا تقدمت خطوات التطبيع رغم التحديات، فقد يجد الشرق الأوسط نفسه أقرب إلى استقرار طال انتظاره، مع احتمالات تحسن اقتصادات المنطقة بفعل المناخ الجديد.
بين هذه السيناريوهات، يبقى المؤكد أن لحظة التحول التي يشهدها الإقليم اليوم لن تمر من دون أن تترك آثاراً عميقة، سواء نحو سلام هشّ أو نحو جولة أخرى من الصراع الممتد الذي قد يفرض وقائع جديدة على الأرض.
*صحافية وكاتبة لبنانية
جائزة، بل جوائز «نوبل»، حدثٌ مثيرٌ في كل دورة من دوراتها، بخاصّة في جائزتي السلام والأدب، بسبب أن السياسة والثقافة، دوماً، محلّ جدال وانقسام، والعلوم المحضة أسلم منهما في ذلك.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرى أنّه جديرٌ بنيل هذه الجائزة الدولية الراقية، للسلام، فهو مُنهي الحروب، كما يقول، بينما يقول بعض القائمين على الجائزة إنّه من المُبكّر منح ترمب الجائزة، حتى نتأكد من حصاد سياساته للسلام العام المُقبل، هكذا قالوا... وليتهم استحضروا هذه الأناة والحكمة حين منحوا الرئيس الأميركي باراك أوباما هذه الجائزة بعد برهة يسيرة من وصوله للبيت الأبيض، أو حين منحوا الناشطة الإخوانية اليمنية توكّل كرمان هذه الجائزة... نظير ماذا؟! لا ندري.
بالعودة للجائزة في جانبها الأسلم من الجدل والقيل والقال، أعني الجانب العلمي، فقد كان طريفاً أن يعجز القائمون على الجائزة عن التواصل مع العالم الأميركي فريد رامسديل الفائز بجائزة «نوبل» في الطب... حيث كان الرجل منقطعاً عن العالم في براري أميركا!
لكن الخبر الأجمل، بالنسبة إليّ، كان حصول عالم الكيمياء، عمر ياغي، على الجائزة بالشراكة من اثنين من العلماء بالمجال نفسه، تقديراً لـ«تطويرهم أطراً معدنية عضوية».
ياغي جذره فلسطيني، ثم أردني، ثم سعودي، ولديه الجنسية الأميركية طبعاً. وُلد في عمّان عام 1965، درس فيها حتى الثانوية، ثم انتقل لكلية مجتمع هدسون فالي في الولايات المتحدة، ليكمل دراسته في جامعة ألباني، قبل أن يحصل على شهادة الدكتوراه في الكيمياء في سنٍ مبكرة عام 1990 من جامعة إلينوي.
حصل على الجنسية السعودية عام 2021، كما حصل على جائزة الملك فيصل العالمية في الكيمياء (2015)، وجائزة الأمير سلطان بن عبد العزيز الدولية في مجال المياه، وحصل عام 2017 على ميدالية امتياز من الدرجة الأولى من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني.
هذا الرجل العالم الذي ينفع البشرية بعلومه، هو محلّ افتخارٍ أردني - سعودي، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وهذه هي قيمة العلم ومكانته، فالمجد للعلم والعلماء.
العلم يرفعُ بيتاً لا عِماد له والجهلُ يهدم بيت العزّ والشرفِ
هذه الحكاية الرائعة والرحلة المُلهمة لهذا الإنسان الذي نشأ فقيراً في حي من أحياء عمّان الأردنية، ثم صار مرموقاً من أعلام العلم والعالم ... تُكرسّ قِيماً نبيلة، منها نبذ الشوفينية الغوغائية الضارّة، والتقوقع الجاهل على الذات.
تحدّث الدكتور عمر ياغي، العالم السعودي - الأردني، في ندوة عُقدت بجامعة استوكهولم، مايو (أيار) 2019 لجمعٍ من الطُلاّب، وممّا قاله فيها: «عندما كنت في هذا العمر، نحو العاشرة، دخلت مكتبة كان من المفترض أن تكون مغلقة، وعشت بين الكتب، ووجدت هذه الأنواع من الرسومات - التي عرفت لاحقاً أنها جزيئات - ولسبب ما، سحرتني! لم أكن أدري أنني سأقضي بقية حياتي في التعامل مع الهياكل الكيميائية».
الرحلة الكبيرة تبدأ بخطوات صغيرة.
الكاتب : عريب الرنتاوي
في شرم الشيخ، غير بعيد عن قطاع غزة، تدور رحى حرب من نوع مختلف، تستلّ أدواتها من قواميس الدبلوماسية وفنون التفاوض وخبرات "فض النزاعات"، لتعكس بهذا القدر أو ذاك، التوازنات والموازين التي انتهى إليها عامان من التطهير والإبادة، عامان من الصمود والمقاومة والثبات، عامان من التحولات الكبرى، التي اهتز لوقعها العالم بأسره، وليس الشرق الأوسط وحده، الذي أراد نتنياهو أن يعيد صياغته، فإذا بأصغر رقعة في العالم، تعيد إنتاج المشهد العالمي برمته.
تل أبيب، وبالذات واشنطن، تريدانها فرصة لتحقيق أهداف ثلاثة:
استرجاع الأسرى والمحتجزين، اليوم قبل الغد، فغزة بالنسبة لهما، ليست سوى عشرين أسيرا حيا، ومثلهم أو أزيد قليلا، من جثث القتلى وما تبقى من رفاتهم، أما أهل غزة، وأصحابها الأصليون، فلا بواكي لهم، في أروقة القرار للحليفتين الإستراتيجيتين.
قطع رأس المقاومة التي استحدثت الطوفان، قبل أن يخرج بنتائجه وتداعياته، عن كل تدرجات "مقياس ريختر"، ويضرب العالم بقاراته الست، بذريعة ألا تشكل غزة تهديدا لإسرائيل، وألا تتكرر مشاهد السابع من أكتوبر/تشرين الأول وصوره.
فتح الباب رحبا، لاستئناف مسار التطبيع العربي – الإسلامي مع إسرائيل، وتمكين "القطار الأبراهامي" من مغادرة المحطة التي تعثر عندها، تحت وقع الطوفان وجراء تداعياته.
بالنسبة للمقاومة وشعبها، هي معركة على مستقبل غزة، حقها في الحياة والكرامة والاحتفاظ بأهلها وأصحابها في مواجهة عاتيات التهجير والتطهير، حقها في أن تكون جزءا أصيلا من وطنها الأم، وحق هذا الشعب الصابر المثابر، في تقرير مصيره بنفسه، واسترداد حريته وكرامته واستقلاله، شأنه في ذلك شأن شعوب الكرة الأرضية كافة.
بالنسبة للمقاومة بالذات، هي معركة سياسية تتوج أعظم وأوسع وأطول مواجهة في تاريخ الصراع الفلسطيني – الصهيوني، وضمان ألا تنتهي هذه الجولة من الصراع، إلا بما يخدم الأجيال القادمة من شعبها، في صولاتها وجولاتها في صراع الوجود.
فالطوفان، لم يكن بداية الصراع ولن يكون نهايته، والجيل الذي فجره وقاده باقتدار، حريص على أن ينقل الراية للأجيال القادمة، ومعها "تراث غني" في الصمود والثبات والتضحية والبطولة والرجولة. إنهم يصوغون فصلا جديدا من فصول "السردية" الفلسطينية، التي توارثتها الأجيال، منذ هبّة البراق قبل مئة عام، وحتى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
في السياسة، يخوض المفاوض الفلسطيني مجازفة التفاوض على أرضية "مبادرة ترامب"، بعد أن خاض "مجازفة" السابع من أكتوبر/ تشرين الأول.. ليس في اليد، ضمانات صلبة لانتهاء هذا المسار إلى خواتيمه، ولا أحد، بمن فيهم ترامب نفسه، يعرف كيف سينتهي هذا المسار، وأين سترسو سفن الدبلوماسية والتفاوض.
وفي الأهداف، أن هذه الحرب الهمجية يجب أن تضع أوزارها، مرة واحدة، ولسنوات وربما لعقود قادمة، وأن غزة، كل غزة، ستتطهر من رجس الاحتلال وهمجية جيشه الذي تجرد من كل قيمة وخلق و"قواعد اشتباك"، وأن الحصار الجائر الذي ضُرب عليها لعقدين أعجفين من السنين، يجب أن يرفع، وأن يرفع مرة واحدة وإلى الأبد، وأن القطاع المنكوب، سوف يوضع على سكة باتجاه واحد، للتعافي وإعادة الإعمار، وأن لا مصير منفصلا للقطاع عن بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن غزة لأهلها، لا تحكم إلا بهم، وأن زمن الوصاية والانتداب الدوليين، قد ولى منذ أن تمت تصفية الاستعمار في قارات العالم الثالث الثلاث، وأن طوفان الاعترافات الدولية بفلسطين، دولة مستقلة، يتعين أن ينتهي بتجسيد هذه الدولة، حقيقة قائمة على الأرض، بعد أن يمحو نهر الأردن، آثار القدم الهمجية، "وبالإذن من فيروز".
هي مهام جسام، تنوء بها الجبال، وهي ليست ملقاة على كاهل المقاومة وحدها، وإن "الكل الفلسطيني" معني بكسب هذه المعركة، ومقاومة محاولات إقصائه عن ساحاتها وميادينها، فالطرف الآخر، الأميركي – الإسرائيلي، لا يريد للمقاومة سوى أن تسلم ما بحوزتها من أسرى، وأن تبرم صك تسليم سلاحها، وبعدها تخرج من المشهد كلية، ويجري رفع مقعدها عن مائدة التفاوض.
وحال السلطة على هذا الصعيد، ليس أفضل من حال المقاومة، فهي ليست في قائمة المدعوين للجلوس على المائدة، ولا للمشاركة في ترتيبات "اليوم التالي" للحرب، وحتى إشعار آخر، ويبدو أن النية تتجه لإحالة المهمة برمتها، لفريق عربي، يتولى التفاوض مع فريق دولي، للتقرير في شأن الفلسطينيين، بمعزل عنهم، أو نيابة عنهم.
ولقد أظهرت المقاومة وعيا مبكرا لهذا "التهديد"، عضت على جراح الخذلان والتخلي اللذين أبدتهما رام الله طيلة عامين من حرب التطهير والإبادة، وعرضت أن تتولى السلطة، في إطار "الكل الفلسطيني"، إدارة المرحلة الانتقالية، واكتفت بأن تكون جزءا من هذا الإطار، من دون أن يصدر عن السلطة والمنظمة، سوى البيانات الممجوجة والمكرورة، التي تعيد بها، ومن خلالها، ترديد شروط ترامب ونتنياهو لـ"الإصلاح" و"إعادة التأهيل"، حتى وهي تدرك أن شهادة "حسن السلوك" المنتظرة، ستصدر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ذات يوم، يظنونه قريبا، ونراه بعيدا، حتى لا نقول إننا لا نراه في الأفق المنظور.
هي مهمة جليلة، تملي على "الثماني العربي – الإسلامي"، الذي تلقى مبادرة ترامب أول مرة، توفير "شبكة أمان" للمفاوض الفلسطيني. فما تعذر تضمينه في مبادرة العشرين بندا (بعد أن كانت 21)، يجب تضمينه في "الآليات التنفيذية"… لقد كان لجهودهم أثر طيب في التأكيد على إنهاء الحرب، ورفع الحصار، ومنع التهجير، بيد أن هذا الأثر بقي "متواضعا" عند الحديث عن الانسحاب الكامل وفق جدول زمني قصير، من كل القطاع، وغائبا عند الحديث عن مستقبل المقاومة وسلاحها.
نقطة البدء على هذا المسار، أن يدفع "الثماني العربي – الإسلامي"، باتجاه موقف فلسطيني مشترك، وتشكيل فريق تفاوضي مشترك، وإطار مرجعي مشترك، وإدارة فلسطينية مشتركة لغزة والضفة، حتى وإن تطلب الأمر، تقاسما للأدوار، وتوزيعا للمهام.
ونأمل أن تشكل دعوة القاهرة للفصائل الفلسطينية للاجتماع على أرضها، مدخلا لفعل من هذا القبيل، وأن تكفّ بعض الأطراف النافذة، عن تبني وجهة نظر فريق واحد من الفلسطينيين، حتى وإن تدثّر بـ"الشرعية"، والكف عن تحريضه على المقاومة، والإسهام في عزلها وإقصائها.
هذا هو الطريق، إن كانت المصلحة الفلسطينية هي وجهته النهائية، وإن كان السلام والاستقرار الإقليميان، هما منتهى غايته، فلا يظننّ أحدٌ أن ملاقاة "دفتر الشروط" الأميركية – الإسرائيلية هي الحل، أو أن فريق رام الله، وحده "المؤتمن" على المصلحة والسلم والاستقرار، ومن تساوره الشكوك حول ذلك، فليصغِ لنبض الشارع الفلسطيني، وأن يقرأ في مؤشرات الثقة بالسلطة وقيادتها وفرقها التفاوضية، أي دلائل تستبطن.
لا إقصاء ولا استبعاد، لأي فريق فلسطيني مؤثر، وعلى الأطراف العربية والإسلامية، المنخرطة في الوساطة، ولاحقا – ربما – في التفاوض، أن تعمل بهدي من هذه القاعدة. عليهم إدراك حقيقة أن الشعب الفلسطيني، الرازح تحت نير أبغض وأطول احتلال، الخارج من تحت الركام والأنقاض في غزة، لن يغفر ولن يتسامح، مع أي محاولة للقفز فوق تطلعاته وأشواقه، ومن فوق ممثليه الحقيقيين، الذين لا يمكن اختزالهم، بمن يحتكر "ختم الشرعية"، حتى وإن كانت شرعيتهم، مثلومة ومنقوصة.
طوفان الأقصى وهزاته الارتدادية المتواصلة، وفرا فرصة للشعب الفلسطيني لانتزاع جزء من حقوقه الوطنية المصادرة والمسلوبة، لا تقتصر على طوفان الاعترافات الدولية بـ"الدولة"، فلا يتعين تبديدها، بل يتعين شق طريق لإنجازها، من دون غرق في الأوهام، ومن دون إسهام في بيعها وترويجها، والأهم، من دون "سخاء" في دفع أثمانها، مقدما وبالجملة، قبل أن تتجسد حقيقة صلبة على أرض الواقع.
فالتاريخ علمنا، أن إسرائيل، ومن خلفها القوى الاستعمارية الحاضنة لها، لطالما نجحت في بيعنا البضاعة الفاسدة ذاتها، مرات ومرات، ولطالما دفعنا أثمانها الباهظة، مرات ومرات، من دون أن نتسلم شيئا ملموسا، وأننا كلما أغرقنا في تقديم التنازلات المجانية، أمعن خصمنا وعدونا، في طلب المزيد. "رأس المقاومة" و"التطبيع المجاني" هما الثمن الذي يراد للعرب والفلسطينيين دفعه مقدما، فالحذر الحذر.
ما بدأ في شرم الشيخ، أبعد من أن يختزل في "تفاصيل" عملية تبادل الأسرى، وخرائط الانسحاب المتدرج بمراحله الثلاث، ما بدأ في شرم الشيخ، بداية مشوار لترجمة نتائج الطوفان وحرب الإبادة والتطهير، وما ترتب عليهما، من إعادة بناء توازنات القوى وموازينها، ويتعين على المفاوض الفلسطيني – العربي – الإسلامي، ألا يحصر نظرته لهذه التوازنات والموازين، بغزة وقطاعها، بل أن يرى بعمق، ما يجري في إسرائيل، وكيف سيكون عليه في "اليوم التالي"، وأن يوسع دائرة نظره، إلى ما يجري من انقلابات وتحولات في العالم بأسره، فموازين القوى لا تتعلق فقط، بأعداد القتلى والجرحى من الطرفين، ولا بما تبقى لكل منهما من قوى عسكرية مادية وبشرية، بل بكل هذا المشهد المتغير من حول غزة وبفعلها، فـ "إن يمسسكم قرحٌ فقد مس القوم قرحٌ مثله".
عليه أن يستلهم تضحيات ثلاثمئة ألف شهيد وجريح ومفقود وأسير، قضوا تحت رايات الحرية والاستقلال، وأن يبني على الشيء مقتضاه.
* كاتب ومحلل سياسي أردني