الكاتبة : كريستين حنا نصر
ما بين السابع والتاسع من مارس/اذار الماضي من عام 2025م وبعد أحداث الساحل السوري الدموية بحق المكون العلوي من مجازر دامية والتي كانت مأساوية، تعهدت الحكومة السورية بمحاسبة مرتكبي هذه الجرائم ، والتي تلاها أيضاً أحداث تفجير كنيسة مار الياس في دمشق ( منطقة الدويلعة ) وتحديداً بتاريخ العاشر من أغسطس/آب من عام 2025م، حيث دخل انتحاري يتبع لتنظيم داعش وأطلق النار على المصلين ثم فجر نفسه بسترة ناسفة، الأمر الذي أسفر عنه مقتل عدد من المصلين والجرحى من المكون المسيحي، كما شهدت أيضاً محافظة السويداء إشتباكات دامية بين العشائر البدوية مع مجموعات مسلحة من الطائفة الدرزية ، كذلك خطف متبادل بين الطرفين ، الأمر الذي نتج عنه تهجير المكون البدوي من السويداء باتجاه ريف دمشق، ثم بعدها جاءت الدعوات الدرزية بضرورة إنشاء تحقيق دولي في مجلس الأمن وبرعاية دنماركية بخصوص عمليات القتل الطائفي في سوريا، وبشكل خاص ما يجري في السويداء ضد المكون الدرزي والمسيحي القاطنين هناك ، الى جانب ذلك جاءت دعوات من شيوخ طائفة الدروز بلجنة دولية ، حيث وصفت الأحداث بأنها تطهير عرقي ممنهج ، وبعدها تمّ انسحاب القوات الحكومية من محافظة السويداء .
وبعد سقوط نظام بشار الأسد البائد واستلام السلطة المؤقتة الانتقالية من قبل السيد أحمد الشرع، والتي أعقبها ازالة العقوبات من قبل ادارة ترامب، فقد كانت من ضمن الشروط الأساسية هي حماية الاقليات، ومشاركتهم في مؤسسات الدولة ، ولكن المشكلة الأساسية بدأت تتضح خصوصاً بعد أحداث السويداء وما رافقها من الانتهاكات التي ارتكبت بحق الاقليات في سوريا، وقد أُتهمت الحكومة المؤقتة بعدم قدرتها على النجاح في ضبط الميليشيات الخارجة عن القانون في الدولة، وفي وقت أخذ فيه العالم يراقب المشهد السوري عن كثب ، إلى جانب ما يمكن القول بأنه وجود نيّة لتمديد قانون قيصر ولمدة خمس سنوات قادمة أي حتى العام 2029م ، وهذا القانون يفرض عقوبات على سوريا بهدف حماية المدنيين ، والسعي لمحاسبة المسؤولين عن جرائم حرب، وهذا التمديد يضع الإدارة السورية المؤقتة في موقف صعب ، كما أن هذا القانون الذي ينتظر حتى استكماله والموافقة عليه من قبل الخزانة الامريكية ، ليصبح جاهزاً للتصويت عليه في الكونجرس.
وتتزامن كل هذه الاحداث والمجريات والتطورات في الملف السوري المليء بالأحداث المتسارعة ، مع زيارة وزير خارجية تركيا ( حقان فيدان ) الى سوريا واللقاء مع السيد أحمد الشرع ، وهذه الزيارة كانت قبل يوم من إجراء اجتماع الحسكة والذي كان تحت عنوان ( وحدة الموقف لمكونات شمال شرق سوريا )، حيث عُقد في مدينة الحسكة بتنظيم من قوات سوريا الديمقراطية ، وبمشاركة واسعة من عشائر الجزيرة وبالاخص عشيرة شمر التي تمثل قوات الصناديد ضمن قوات سوريا الديمقراطية، كذلك الى جانب مشاركة عدد من رجال الدين من المسلمين السنة والمسيحيين وشيخ عقل طائفة الدروز حكمت الهجري من محافظة السويداء ، الى جانب رئيس المجلس الاسلامي العلوي الاعلى في سوريا ( غزال غزال ) ، كذلك مكونات أخرى من منطقة الجزيرة من سريان وأرمن وعرب وأكراد وأزيديين وغيرهم من مكونات المنطقة ، ويبدو أن هناك انقساما تركيا مقابل مؤتمر باريس المدعوم من فرنسا وبريطانيا وأمريكا ، حيث يبدو أن أنقرة لا ترغب بأي تقارب بين الشام وشرق الفرات ، في وقت أعلنت فيه من جانبها الحكومة السورية المؤقتة عدم نيتها لقاء مجلس سوريا الديمقراطية في باريس خاصة بعد عقد اجتماع الحسكة، والذي اتهمته بأنه اجتماع أساسه طائفي وعرقي ويُعيد تصدير رموز نظام الأسد البائد، وبالرغم من ( أن مبادىء سوريا الديمقراطية كانت معارضة لنظام البعث السوري الحاكم ).
الواضح أن الأمور تغيرت خاصة بعد اجتماع الحسكة، فهل سيعرقل هذا الاجتماع الاتفاق المبرم بين مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية وأحمد الشرع ؟، وبالمحصلة هل سينتج عنه تباعدا في المواقف بين الطرفين ؟، وهل يمكن القول أنه انتهت أي فرصة للتفاهم بين دمشق وقسد ؟، وفي وقت جاء فيه اجتماع باريس بهدف التقارب بين الطرفين والسعي الى تطبيق الاتفاق المبرم بين قسد والشام .
إن منطقة شرق الفرات ومنذ تأسيس الادارة الذاتية لشمال وشرق سوريا ، نجد أن جميع المكونات المختلفة فيها يشاركون في تقرير مصير منطقتهم ، ويوجد تلبية لمطالب هذه المكونات ، هذه الادارة الذاتية نجحت في خلق نموذج من العيش المشترك ليجتمع الكل في عقد اجتماعي مشترك وفي ادارة مشتركة للمنطقة ، ووحدة هذه المكونات أساسية من أجل الدفاع عن إقليم الشمال الشرقي وشعوبها المختلفة، خاصة في ظل التوتر الأمني الذي استمر في سوريا منذ الثورة في عام 2011م وحتى اليوم، وخاصة بعد النجاح في القضاء على الارهاب ومحاربة داعش في مناطقهم بدعم من التحالف الدولي ، وهذا النموذج في العيش المشترك والمساواة والاعتراف بالآخر المختلف في الدين والعرق والقومية ، هذا النموذج يعتمد على نموذج اللامركزية الادارية الذي تكرّس وطُبق على أرض الواقع في منطقة شمال وشرق سوريا . واللامركزية الادارية هي توسيع الصلاحيات المحلية في المنطقة البعيدة عن مركز العاصمة للحكم ، حيث تستطيع شعوب هذه المناطق أن تُدير شؤونها في الادارة المحلية ، خاصة أن هذه المناطق وفي بعض الاختصاصات والجوانب تكون مؤسسات مركزية تابعة لمركز الحكم أي العاصمة ، ومبدأ اللامركزية حتماً هو ليس تقسيما لجغرافية الدولة السورية .
واستكمالاً للاجتماع الذي عُقد في الحسكة ، فقد عُقد أمس اجتماع معزز لنفس المبدأ في مدينة بروكسل ، وهذا المؤتمر ليس مؤتمرا رسميا لبحث مبدأ تطبيق اللامركزية الادارية ، بل هو اجتماع تحضيري يهدف إلى تبادل الرؤية وبحث سُبل تعزيز العيش المشترك وتعزيز مخرجات اجتماع الحسكة، والذي يضم شخصيات سورية تقيم في الخارج من اكاديميين في أوروبا والولايات المتحدة الامريكية .
ان مضامين إجتماع الحسكة تظهر المطالبة بدستور جديد للدولة السورية ، اي دستور ديمقراطي تعددي يخدم ويعزز مبدأ التنوع الديني والثقافي والقومي والعرقي ( للمكونات السورية )، ويؤسس لدولة لا مركزية ادارية داخل سوريا ، وبشكل خاص في هذه المرحلة المهمة للحكومة السورية الانتقالية المؤقتة .
والحكومة السورية المؤقتة قررت الانسحاب من مفاوضات باريس مع قسد ، خاصة بعد اجتماع الحسكة وتتهم مجلس سوريا الديمقراطية بعدم الجدية في تنفيذ بنود الإتفاق المبرم بين قسد ودمشق في العاشر من مارس/اذار الماضي ، ودعت الحكومة السورية المؤقتة للانخراط الجاد بهدف تنفيذ الاتفاق وتطالب بنقل المفاوضات بين قسد والشام الى العاصمة دمشق ، باعتبارها العنوان الشرعي الوطني للحوار بين جميع الاطراف السورية .
ومن المتوقع انعقاد اجتماع عمّان يوم الثلاثاء بتاريخ الثاني عشر من اغسطس/ آب لعام 2025م من أجل السويداء ، للمفاوضات بين جميع الأطراف ، ويجري المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا توماس باراك ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ووزراء خارجية عرب ووزير خارجية تركيا الجهود المكثفة بهذا الشأن، وذلك بهدف عقد المفاوضات مع الحكومة السورية ممثلة بوزير خارجية سوريا أسعد الشيباني وممثلين عن الطائفة الدرزية .
أعتقد أنه وفي المرحلة المقبلة سوف نشهد تطورات متسارعة ومفصلية في المشهد السياسي السوري ، والسؤال هُنا ، هل سيتفق الفرقاء أي قسد والشام في حل الملف والاتفاق المبرم بينهم ؟، وبالأخذ بالإعتبار التأثيرات الخارجية أي من الدول المعنية بحل الملف السوري المُعقد . وهل سيتوصلوا عملياً الى حل بين قسد ودمشق وبالاخص أن الحكومة السورية المؤقتة ترى أن مبدأ اللامركزية ، هو تقسيم سوريا وتصر على مبدأ الحكم المركزي ، وهذا أساس الخلاف بين الطرفين .
مستقبل سوريا الجديدة مرهون بالتطورات المستقبلية للملف السوري ، ولكن يبدو في الافق بوادر انشاء اقاليم في الجغرافية السورية ، على سبيل المثال إقليم الساحل ، واقليم الجنوب ، واقليم الشمال ، وتوجد أيضاً اشاعات لضم مدينة طرابلس اللبنانية الى اقليم الوسط السوري ، إن الأيام المقبلة سوف نرى خلالها الأمور تتبلور وهي أيام مليئة بالتطورات السياسية والعسكرية ، وأتمنى أن تكون سوريا المستقبل الجديدة موحدة بنظام حكم لامركزي ديمقراطي تعددي ، لتبقى سوريا المستقبل حرة أبية .
الكاتب : المتوكل طه
تعوّدنا،منذ قرون على أن نرفع أيدينا ونلهج بالدعاء إلى الله تعالى،لكي يهزم أعداءنا ويمزّق شملهم،ويفكّ أسْرانا ومَسْرانا،وأن يفتح علينا أبواب رزقه،ويزوّج الأعزب ويشفي المريض،ويرحم الموتى،ويكفينا شرّ الأشرار،ويولّي علينا خيارَنا،ويحفظ بلادنا،وأن يهدينا سواء السبيل والصراط المستقيم.والنتيجة أن الله تعالى لم يستجب للأكفّ المرفوعة وللألسن المُلحفة وللدموع الراجية،منذ عقود.وهذا طبيعي،لأن المولى،عزّ وجلّ،لن يقومَ مقام الناس ويغيّر أحوالهم،وهم جالسون،كسالى،يتّكلون على غيرهم ليبدّل حالهم،ولا يفعلون سوى الكلام.فالله سبحانه وتعالى،لن يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم،ومثلما تكونوا يولّى عليكم.فإن كانوا منافقين،عاجزين،وجبناء يخافون القيام بما يجب أن يقوموا به،فلماذا يرضى اللهُ عنهم ويحقّق دعاءهم؟وكيف يقوم بدلا عنهم بفعل ذلك،وهو القادر على كل شيء!إن ذلك سيبقيهم عبيداً مُستلَبين ضعفاء،خائفين من الذي يستلبهم ويقمعهم ويصادر حقوقهم.وواجبهم؛أن يستنفروا قواهم ويعلوا أصواتهم ويجابهوا الظالم،بأجسادهم وإرادتهم،مهما كلّفهم ذلك.أليس قول كلمة حقّ أمام سلطان جائر هي أعلى مراتب الشهادة؟ألم يقل الرسول،عليه وعلى آله الصلاة والسلام:مَن رأى منكم مُنكراً فليغيّره بيده،إلى آخر الحديث الشريف..فلماذا نسي المسلمون التغيير بأيديهم،واستمرأوا التغيير بالدعاء المكرور الذليل الذي لا يعوَّل عليه؟
إن الله تعالى لن يتقبّل دعاء الجموع والمُصلّين،لكنّه يقبل دعاء الأفراد المظلومين غير القادرين والمغلوب على أمرهم،الضحايا المعذورين،الذين لا يمتلكون وسيلةً للتغيير.أما آلاف وعشرات الآلاف والملايين من الداعين في المساجد،فَعليهم أن يخرجوا إلى الشوارع ويطالبوا الحاكِم بردّ المظالم وإحقاق العدالة ونصرة المظلوم،وعندها سيعينهم الله تعالى.أما أن يطلبوا من الله فقط،فإن ذلك يريح الحاكِم الذي يتفرّج،بسعادة،على أولئك الذين أعفوه من حقوقهم،والتجأوا إلى مَن لم يظلمهم.والحاكِم يريد لهذه الآلاف أن تبقى داخل جدران المساجد؛تدعو وتبتهل وتبكي.ولسان حاله يقول للمسلمين:"إذا أردتم شيئا فاطلبوه من ربّكم،وليس منّي"!وهذا ما يكرّس الظلم ويعفي الظالم.فلو خرج الآلاف إلى الساحات والمفارق ورفعوا مطالبهم،كما يرفعونها لله،لتزلزل كرسيّ الحاكم،ولَخاف على حُكْمه،وفَعَل الصوابَ،اتقاءً للتمرّد والسؤال الثقيل.
والحاكِمُ عبر التاريخ مبتهجٌ بهذه المعادلة،التي وفّرت للناس متنفّسا لغضبهم،عند كل صلاةٍ جامعة!فيخرجون وقد طلبوا ما يريدون من خالقهم،وكلّهم وَهْمٌ بأنهم قاموا بما عليهم القيام به!وهذا عين الخطيئة وقلب الخدعة،لأن كل واحد عليه أن يستردّ حقوقه ممَن أخذها منه،قهرا وغصْبا.ولن يرضى الله لأن يبقى المظلومُ عاجزا مُهانا ذليلا،يرجو من غير الظالم،لأن يعيد له حقوقه.
إن الحاكِم يعرف جيداً خطورة ذلك،فيسارع إلى الطلب من شيوخ السلاطين لأن يزيدوا في الدعاء والنحيب والرجاء وسحّ الدموع والتضرّع للخالق القدير،لأن في ذلك تحقيقا لنظرية أرسطو الملعونة!
فأرسطو الحاذق؛يؤمن أنه عبر الشفقة والخوف يتطهّر الإنسان (المُشاهِد أو الدّاعي)،لأن هدف أرسطو هو التصالح مع الواقع بأحسن صوره،وبالتالي يدرك الجوهر على أساس أنه محاكاة.وأقصد:أن أرسطو هدفه التصالح،لأنه من خلال رؤية المسرحية،أو المشاركة بالدّعاء والتضرّع للسماء،يفرّغ ما بداخله من نقمة على الواقع ويخرج من المَشَاهد أو الصلاة(نظيفاً) ليس في خلجه أي بذور نقمة أو غضب على الواقع.وهذا برأيي،تصالح لا يدفع المُشاهد أو الدّاعي لأن يغيّر واقعه نحو الأحسن،لأن التراكمات التي ترسّخت في داخله زالت وذابت بفعل رؤية مسرحية رفْع الأكفّ لله تعالى،ذات النهاية السعيدة والمريحة!أي أن المسرحية(الدعاء) قامت بواسطة (التطهير) بعملية غسل لهذه التراكمات..وهكذا تفعل الدعوات والدموع والتضرّع المنكسر.بمعنى أن الأدعية هي المعادل الموضوعي للمسرح الأرسطي،والقائم على أنّ وظيفته تتغيّا التكيّفية،وليس هناك من أساس لتثوير الواقع أو الاحتجاج ضده.
وإذا عقدنا مقارنة بين مسرح أرسطو طاليس وبين مسرح بروتولد بريخت،فإن موقف بريخت أكثر ثورية (إنسانية).فبريخت عاش في مجتمع رأسمالي،وأرسطو عاش في مجتمع الرقّ والعبودية،أي أنهما عاشا في مجتمع يعتريه التمايز الاجتماعي،ولكن بريخت رفض واقعه،وبالتالي عمل في مسرحياته أول ما عمل،إنه أخرج نظرية التغريب،التي تتضمن:منع حصول التطهير عند المشاهد،لأن التطهير في النهاية يعني إعطاء قدرة على التكيّف مع الواقع بأسمى شكل،وبالتالي يدخل في المحاكاة،وبدل ذلك يدعو إلى حقن المشاهد بالطاقة بدل تفريغها.وبريخت يريد من المشاهد أن يفكّر بالحدث من الخارج وليس أن يتمثّل الحدث،لكي يدفع المشاهد للتغيير ويشحنه تراكمياً،وهذا بالضبط يناقض"تطهير"أرسطو.فمسرح أرسطو عاطفي ومسرح بريخت فكري.بلغة أخرى؛أرسطو يجعل المشاهد يتمثّل الحدث وبالتالي يتصالح مع الواقع ولا يعمل لتغييره.أما بريخت فإنه يجعل المشاهد يرى الحدث من الخارج،لا أن يتمثّله ويتصالح مع الواقع،بل يدفعه لتغييره.فمسرح أرسطو يؤدي إلى خلود الواقع،ومسرح بريخت يؤدي إلى تغييره (التجاوز)،وبالتأكيد فإن موقف بريخت أكثر شمولية ووعياً من موقف أرسطو. بمعنى أننا عندما نشاهد"مسرحية"تتفاعل فيها الأحداث ثم تنتهي نهاية سعيدة،فإن المتفرّج يخرج راضياً،بعد أن تمّ حلّ المشكلات على المنصّة،درامياً،وكذلك يخرج المصلّي الذي دعا ربّه،فيخرج من المسجد مرتاحا!أما بريخت فيريد للمسرح أن يُعبّئ المتفرّج ويحقنه بالوعي والسخط والنقمة،ومن الجامع أن يشحن المُصلّين بالوعي وبما يجب أن يفعلوه،دون تقديم حلّ جاهز نظريّ مريح،بقدر ما يطلب منهم أن يخرجوا إلى الشارع ويغيّروا هذا الواقع الظالم،بأيديهم.ما يعني أن على خطيب المسجد أن يضيء للمصلّي جوانب الحياة ويشير إلى مواطن الخلل والإجحاف،ويطلب من المُصلّين لأن يثوروا على ذلك،لا أن "يُنفّسهم"بالدعاء،وبأن الدعاء هو طمأنة لهم،لأنه رجاءٌ لله ووعدٌ منه،لكي يُبدّل الحال السيء إلى حال أفضل.
هذا يعني؛أن علينا أن نفهم بأن أداة التغيير هي الفعل،وليس الكلام.وإن كان دعاءً للمولى،عزّ وجل.
والدعاء وسيلة المؤمن للتضرع إلى الله تعالى،بعد أن يستنفذ العمل المطلوب،ويقوم بكلّ الأسباب،والإجابة على الأسئلة،عملياً وفعلاً،والإيمان بأنه وحده مالك الملك شرط للاستجابة،باعتباره الصمد القادر على الإسناد والتوفيق.
ويتمّ من خلال الدعاء إظهار الاعتماد الكامل عليه،سبحانه،في جميع الأمور،بعد أن لا تبقى ذريعة إلا وقمنا بسدّ ثغرتها.
وعلى الداعي أن يكون متصالحا مع الله نظيفا من الخطايا،ما وسعه ذلك،أو يرجو المغفرة بعد التوبة النصوحة ليتطهّر من الذنوب،ويعلم أنه سبحانه هو القادر على كل شيء،وأنه هو الغنيّ الحميد،وأنه الحكيم العليم،الذي دعانا للعمل:"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون".وأَمَرَ لأن يكون الدعاء عملا،وليس كلاما وإجهاشا باللغة وترداداً دون فعل حقيقي ملموس.
الدعاء هو أن نبدّل الواقع بأيدينا،وليس بكلمات باكية عاجزة.فالله تعالى،لم يُجامِل،حتى الأنبياء،حين فَرَضَ سُنَنه،فقال"اعملوا،وأعدّوا"،ثم اطلبوا النصرة منه.ألم نقرأ ما قاله الله تعالى للمسلمين بعد معركتيْ"أُحُد وحُنَيْن"،بعد مخالفتهم لأوامره!وكيف نصرهم في "بَدْر"لأنهم أعدّوا واستعدّوا.أما أن لا تعدّوا ولا تعملوا..وتطلبوا منه النصرة،فإنه،قطعا،لن يستجيب لكم.وإن شئتم فابقوا في جحيم الذلّ والهوان والاستلاب،لأنه من فعل أيديكم ومن خوفكم،أيها المسلمون،فغيّروه،أو اخرسوا.
تخيّلوا؛لو خرج كلّ المصلّين من المساجد،إلى الشوارع،يهتفون ويُطالبون..فهل سيبقى الحال على ما هو عليه،أم سيبدّلون الواقع ويغيّرون الحال؟
أجيبوا أيها الدّعاة!يا شيوخ السلاطين!
الكاتب : مروان إميل طوباسي
في ظل تزايد الإعتراف الدولي بدولة فلسطين ، وكما في حالة ما اعلنته بريطانيا وفرنسا وكندا وغيرها من الدول وما سبقها منذ عام ١٩٨٨ على أهميته السياسية . الا ان هنالك محدودية تأثير ترتبط بهذه الاعترافات ما لم تُقرن بإجراءات حقيقية لإنهاء عدوان التطهير العرقي ومحاولات الأستئصال القومي العنصري في كل فلسطين وتفكيك الأحتلال ومنظومته الأستيطانية . لذا فإن اللحظة السياسية تستوجب منا نحن الفلسطينيين الانتقال من موقع رد الفعل إلى المبادرة السياسية الوطنية الفاعلة للوقوف في وجه مشاريع التصفية السياسية بل والوجودية .
أن الإعتراف بدولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية قد يتحول إلى "بديل للفعل" او الإرتهان له خاصة فيما جاء باعلانات بعض الدول من اشتراطات ، وهو ما يمكن ان ينطبق أيضاً على الواقع الفلسطيني الداخلي . فبدلاً من انتظار مسار تفاوضي غائب أو متعثر أو مرهون بإرادة المحتل والولايات المتحدة ، بات من الضروري التحرك نحو تفعيل "إعلان الدولة تحت الأحتلال" ، وتشكيل مجلس تأسيسي لدولة فلسطين على أساس من التوافق الوطني الواسع ، يتولى تسيير شؤون المرحلة الانتقالية لحين التمكن من إجراء انتخابات برلمان دولة فلسطين .
هذا القرار الوطني يتسق مع وثيقة إعلان الاستقلال عام ١٩٨٨ وما ورد فيها من نصوص ، ومع القرار التاريخي للجمعية العامة للأمم المتحدة عام ٢٠١٢ الذي أعترف بفلسطين كدولة مراقب غير عضو ومن اجل تجسيد حق تقرير المصير كمبدأ غير تفاوضي . ان ذلك يتطلب ترجمة قانونية ومؤسساتية فلسطينية ، من خلال تكريس الأمر واقعاً سياسياً ودستورياً ، يُنتزع من بين أنياب الأحتلال وأنقاض حرب الإبادة والتهجير والتجويع ، وهو حق لا يُمنح كمِنةٍ من أحد .
وفي السياق ذاته ، فإن المرسوم الرئاسي الذي تم الإعلان عنه سابقا والمتعلق بإجراء إنتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني ، يقودنا إلى ضرورة النظر الى زاويتين مهمتين :
أولاً : الأنتخابات في غزة في ظل العدوان والاحتلال .
من الصعب تصور إمكانية إجراء الانتخابات في قطاع غزة تحت القصف وعدوان التطهير العرقي ، ومع وجود نية معلنة من جانب إسرائيل لإعادة احتلاله أو تحويله إلى منطقة عازلة محطمة غير قابلة للحياة . كيف نُجري انتخابات تحت الحصار والمدافع ، ومع استمرار جرائم الحرب اليومية وتداعياتها ؟ وكيف نتعامل مع النتائج السياسية والقانونية لهذه الانتخابات في حال عجزت غزة عن المشاركة؟
ثانياً : إشكالية "الشرعية الدولية" كمُحدد للمشاركة .
ربط المشاركة في انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني بقبول "الشرعية الدولية"، هو معيار لمفهوم فضفاض ، يتوجب ان يبدأ باعتقادي من القرار ١٨١ لعام ١٩٤٧ والقرار ١٩٤ حول قضية اللاجئين من شعبنا قسراً زمن جريمة النكبة ، دون ان يُقصر فقط على ما استندت له اتفاقيات أوسلو من قرارات أممية واتفاقيات لاحقة ، بحيث لا يستخدم هذا المعيار كشرط يؤدي الى إقصاء أي فلسطيني قد بلغ سن ١٨ عاما من المشاركة بالانتخابات باعتباره عضوا طبيعيا في منظمة التحرير له كامل الواجبات والحقوق وفقا للميثاق والإعلانات الدولية لحقوق الانسان ، فالشعب هو مصدر السلطات .
هذه الزوايا لا يمكن أن تُترك معلقة ، بل تتطلب حواراً وطنيا جامعا ومسؤولاً لتحديد أسس التوافق الوطني الحقيقي لا المصطنع ، بل القائم على المصلحة الوطنية العليا لشعب يخوض مرحلة التحرر الوطني بكل تعقيداتها ، بعيدا عن أي مؤثرات أو إملاءات من اي جهة تهدف الى ايجاد "سلطة وظيفية متجددة" تحت ضغوط التهديدات تخدم المشاريع الأمريكية بالمنطقة من جهة والإسرائيلية القائمة على الفكر الصهيوني من جهة اخرى .
وإذا كانت هناك قدرة سياسية وإدارية على تنظيم انتخابات للمجلس الوطني، فلماذا لا تشمل أيضا انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني ، ورئاسة السلطة، ورئاسة دولة فلسطين؟ هل نستمر في تجزئة الشرعية الفلسطينية وتوزيعها بين كيانٍ "سلطة" وآخر "دولة" وثالث "منظمة تحرير"، أم أن الوقت قد حان لتوحيد الكيانات الشرعية الفلسطينية في إطار مؤسسة واحدة لدولة فلسطين على أساس القانون الأساسي المعدل؟
ان تزايد الاعتراف الدولي بنتيجة كفاح شعبنا وتضحياته الجسام ، وتصاعد التضامن الدولي الشعبي غير المسبوق في كل شوارع العالم وازدياد عزلة دولة الأحتلال وتفاقم ازماتها ، يجب أن يُقابل بخطوة فلسطينية سيادية . الإعترافات وحدها لا تكفي ، فهي بدايات طريق لا تشكل نهايته . إلا ان قرارا فلسطينيا جامعا يستند الى استقلالية القرار الوطني بإعلان "الدولة تحت الاحتلال" وتشكيل مجلس تأسيسي لها قد يكون الشرارة التي تنقل المعركة من خانة الإنتظار إلى الفعل وأفق التأسيس .
ويمكن تحقيق ذلك عمليا من خلال تشكيل مجلس تأسيسي لدولة فلسطين بالتوافق الوطني ، يضم ممثلين عن القوى والفصائل والمجتمع المدني والشتات والمستقلين الوطنيين ، ويتولى صياغة دستور مؤقت او تفعيل ما تم اعداده سابقا بالخصوص ، كما وتفعيل مؤسسات الدولة على أسس كفاحية ومهنية عالية بعيدا عن مظاهر اساءت لشعبنا ، والإعداد لانتخابات عامة (برلمانية، رئاسية،تشريعية، ومجلس وطني) تُجرى بالتزامن ، بشفافية وديمقراطية ونزاهة .
ولهذا فإن الأمر يتطلب تشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية بعيدا عن مسمى التكنوقراط ، تشرف على إدارة المرحلة وتوفير مقومات الصمود والبقاء في مواجهة التحديات ، وتوحيد الشرعيات الفلسطينية ضمن إطار "الدولة تحت الأحتلال" ، بما لا يتناقض مع دور منظمة التحرير كجبهة وطنية عريضة بل يُعيد تفعيله واستنهاضه بكل الاشكال الديمقراطية .
بهذا تكون القيادة الفلسطينية قد بادرت إلى ترجمة الإعتراف الدولي إلى فعل سياسي مؤسِس ، يفرض أمرا واقعا جديدا ويستعيد زمام المبادرة في مواجهة الأحتلال واطراف المجتمع الدولي المتردد ويحدد الطريق مع اصدقاؤنا نحو إنهاء الأحتلال اولاً ، ويتفق مع ضرورة استثمار حالة النهوض الأممي غير المسبوقة مع قضية شعبنا الوطنية التحررية على كافة المستويات ومنها الأممية وصولا الى اعتراف هيئة الأمم المتحدة بدولة فلسطين عضوا كامل الصلاحيات ، حتى لا تذهب تضحيات الشعوب الحرة في تضامنها معنا هدراً .
ان ذلك يعتبر اليوم اساس المقاومة السياسية والشعبية والقانونية التي يفترض ان نواجه بها المحتل الغاصب ومحاولات فرض القبول بأمر التعايش معه كأمر قائم تحت مسميات "الواقعية السياسية واختلال موازين القوى" الأمر الذي يتطلب استنهاض كافة مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية وبالمقدمة منها "حركة فتح" وفق الرؤية التي وجدت من أجلها كحركة تحرر وطني وليس حزبا ليبرالياً للسلطة بما يتطلبه ذلك من انعقاد مؤتمرها الثامن بالسرعة الممكنة ، كما وأستذكار أهم منجزات الحركة الوطنية خاصة بأنتفاضة الحجارة الكبرى وفي كافة المراحل الكفاحية الأخرى والبناء على ما حققته من مسارات ايجابية ومكاسب وطنية دون الارتهان لمسارات الصمت والأنتظار في ظل هذه المرحلة المفصلية .
الكاتب : بن معمر الحاج عيسى
ما يحدث في غزة اليوم ليس احتلالًا تقليديًا بالمعنى الذي عرفه التاريخ، بل هو عملية إعادة صياغة جغرافيا وبنية وديموغرافيا المكان، خطة طويلة المدى تسير بهدوء تحت ضجيج الحرب، وتستبدل صورة الاحتلال بالدبابة والجندي بصورة أبرد وأخطر، هي “التفريغ” الممنهج، حيث لا تبحث إسرائيل عن رفع علمها فوق غزة بل عن إفراغها من أهلها وتسليمها كأرض بلا شعب لشركات استثمارية عالمية، تحت إدارة أمريكية وإسرائيلية مباشرة، مع طمس كل معالمها الفلسطينية، فالهدف يتجاوز الأمن إلى اقتصاد المستقبل، حيث تصبح غزة بعد التهجير الكلي منطقة استثمارية “ذكية” تديرها شركات تكنولوجيا وأمن وطاقة متعددة الجنسيات، وتتحول من رمز للمقاومة إلى منصة اقتصادية عالمية بطابع أمريكي إسرائيلي، والمخطط يقوم على إزالة البعد السكاني والسياسي، وتحويل الأرض إلى نموذج عالمي لمدينة تقنية محصنة، تُسوق على أنها إنجاز حضاري بينما هي في جوهرها مقبرة الهوية الفلسطينية، وفي قلب هذه اللعبة يقف نتنياهو الذي يدير العملية بأدوات عسكرية وسياسية وإعلامية متكاملة، بينما ينشغل الرأي العام في نقاشات “الاحتلال أو لا احتلال”، وهو يدرك أن غزة لا تحتاج لاحتلال مباشر طالما أنه قادر على تفريغها خطوة خطوة، وعندما يكتمل المشهد ستُسلم غزة إلى إدارة أمريكية جاهزة، ليست عربية ولا فلسطينية، بل مشروع شرق أوسطي أوروبي أمريكي متعدد الجنسيات، أما الحديث عن إعادة الإعمار أو حق العودة فهو في هذا السياق وهم سياسي لتجميل الوجه الاستعماري الجديد، وحينها ستكون المقاومة قد صُفيت سياسيًا وعسكريًا، وقيادات حماس التي اختُزل وجودها في غزة ستصبح ذكرى إعلامية، ومعها يسقط الدور القطري الذي لم يكن سوى قناة تنفيذ للإرادة الأمريكية الإسرائيلية تحت ستار الدعم، فيما تدخل السلطة الفلسطينية مرحلة الاحتضار النهائي، بنهاية اتفاق أوسلو ورحيل محمود عباس ومنظومته، لتبقى الضفة الغربية تحت قبضة إسرائيلية كاملة بإدارة اقتصادية يقودها رجال أعمال مزدوجو الجنسية، وهذا التحول يقضي على آخر أوهام الدولة الفلسطينية المستقلة، أما المؤتمرات الدولية التي قد تُعقد لإعلان “الدولة” فهي ليست إلا مسرحية شرعنة لكيان هش بلا سيادة، يضمن استمرار السيطرة الإسرائيلية الأمريكية، ولمن يعتقد أن هذا السيناريو جديد، فإن التاريخ يقدم شواهد دامغة على أن “التفريغ” أداة استعمارية قديمة، فقد سبقت إسرائيل إلى ذلك بريطانيا في فلسطين قبل 1948 حين شجعت الهجرة اليهودية المكثفة وعملت على تهجير القرى العربية عبر المجازر النفسية والميدانية، وكذلك فعلت فرنسا في الجزائر بسياسة “الأرض المحروقة” التي أفرغت مناطق كاملة من سكانها لتأمين مشاريعها الزراعية والعسكرية، بل إن خطة نتنياهو اليوم تتقاطع مع وثائق إسرائيلية قديمة أبرزها “خطة يينون” في الثمانينات التي دعت لإعادة تشكيل المنطقة ديموغرافيًا لصالح السيطرة الإسرائيلية، كما أن تسريبات استخبارية حديثة – ومنها وثائق مسربة من مراكز أبحاث أمريكية – تحدثت بوضوح عن “غزة الجديدة” التي ستكون نموذجًا لتصدير فكرة المدينة الذكية المؤمنة إلى مناطق نزاع أخرى في الشرق الأوسط، وهو ما يفسر الاهتمام المفرط لشركات التكنولوجيا الأمنية الإسرائيلية والأمريكية بالحصول على عقود البنية التحتية المستقبلية هناك، وبذلك تتحول غزة إلى مختبر حي لاحتلال بلا جنود، احتلال يمحو البشر ويحتفظ بالأرض ليعيد تشكيلها وفق مصالح رأس المال والنفوذ، والمؤشرات الميدانية التي نشهدها اليوم تدل على أن خطة “التفريغ” قد بدأت بالفعل، فالمناطق الشمالية التي كانت مأهولة أصبحت شبه خالية، والممرات الآمنة التي تروج لها إسرائيل ليست سوى طرق تهجير قسري نحو الجنوب أو خارج القطاع، مع استمرار القصف المتعمد للمناطق التي تستقبل النازحين لخلق حالة رعب دائم تدفعهم لمغادرة غزة نهائيًا، إضافة إلى استهداف البنية التحتية الأساسية من مياه وكهرباء ومستشفيات، وهو ما يخلق بيئة غير قابلة للعيش، بينما تُفتح قنوات خلفية عبر وسطاء دوليين لترتيب خروج جماعي “طوعي” نحو مصر أو دول أخرى، وكل ذلك يجري تحت غطاء إعلامي يتحدث عن “عمليات أمنية مؤقتة” أو “مناطق عازلة”، في حين أن النتيجة النهائية هي تقليص عدد سكان غزة إلى الحد الذي يسمح ببدء مشروع الإحلال الاقتصادي الذكي دون مقاومة شعبية حقيقية، وهنا تتجسد أخطر أشكال الاحتلال في القرن الحادي والعشرين: احتلال بلا علم ولا جندي، لكنه يسرق الأرض والهوية والذاكرة دفعة واحدة.
الكاتب : عبد الحميد البابا
إن نهاية حرب غزة تعني نهاية نتنياهو السياسية والشخصية ، لذا فإن رئيس حكومة اسرائيل يضع شروطا تعجيزية لوقف الحرب .
لأول مرة في تاريخ حكومات اسرائيل ، بما فيها حكومات اليمين تخالف الحكومة الحالية الدولة العميقة والمتمثلة في الجيش والاجهزة الامنية ، والخبراء من رجال الجيش والامن ، فكل هؤلاء يطالبون بوقف الحرب ، لانه لا يوجد اهداف سياسية من استمرارها ، فالجيش عبر عن موقفه بمعارضتها ، رغم ان نتنياهو عين جنرالا مقربا منه رئيسا للاركان ، حيث شغل "ايال زامير" سكرتيره العسكري ، ولأول مرة يأتي رئيس وزراء بقائد للجيش من خارج الجيش ، حيث كان زامير قد احيل للتقاعد ، قبل تعيينه رئيسا للاركان .
موقف الجيش من استمرار الحرب :
• لقد عبر الجيش منذ الشهر الرابع للحرب ، عن انه يجب وضع اهداف سياسية للحرب ، والتي تتمثل باليوم التالي ، وان احتلال الجيش لقطاع غزة ، يعني ان يقوم بادارة القطاع ، وتوفير الاحتياجات للسكان لانه سيكون هو سلطة الحكم بعد الاحتلال ، اضافة لذلك فان احتلال غزة يعني ابقاء فرقة عسكرية بالخدمة كقوة احتلال ، والان يعارض الجيش استمرار الحرب ، ويطالب بوقفها ، لأنه لا اهداف سياسية من استمرارها .
• ان استمرار الحرب واحتلال مناطق واسعة بالقطاع ، يعني ان يقوم الجيش بتوفير الخدمة لهؤلاء السكان
• توسيع مناطق الاحتلال يشكل خطرا على الاسرى الاحياء ، وعددهم 20 اسيرا
• استمرار الحرب يعني تجنيد واسع للاحتياط ، في الوقت الذي تعمل الحكومة على اعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية
• ان استمرار الحرب يعني وقف الدورات التدريبية للجيش
• استمرار الحرب سيفرض مقاطعة عسكرية دولية لاسرائيل ، وتقديم جنرالات الجيش لمحاكمات دولية بتهم ارتكاب جرائم حرب
لقد وضع نتنياهو شروطا تعجيزية لوقف الحرب وهو انتهاء حكم حماس وتجريدها من السلاح ، وقد شبه احد المحللين السياسين في اسرائيل شرط نتنياهو ، كمن يريد شراء منزل من شخص ، ولكنه يقول لصاحبه بعد أن ادفع لك ثمن المنزل ، سوف اقتلك واخذ المبلغ منك .
لماذا لا يريد نتنياهو وقف الحرب ؟ ..
ان انهاء الحرب يعني نهاية نتنياهو السياسية والشخصية ، فلهذه الاسباب يرفض نتنياهو وقف الحرب :
• منع انهيار الائتلاف الحكومي : تعتمد حكومة نتنياهو على أحزاب اليمين المتطرف ، المتمثلة بحزبي (بن غفير وسموتريتش) اللذان يرفضان وقف القتال ، أو أي تسوية مع الفلسطينيين ، وانهم سوف ينسحبان من الائتلاف الحكومي ، وبالتالي انهيار الحكومة .
• البقاء في الحكم: نهاية الحرب ، يعني تشكيل لجنة تحقيق ، سيحمل نتنياهو مسؤولية اكبر فشل أمني في تاريخ اسرائيل ، يشبه فشل حرب تشرين 1973 ، وعلى نتنياهو تحمل مسؤولية احداث 7 اكتوبر ، وعليه الاجابة على الاسئلة التي تنتظره من لجنة التحقيق : لماذا كان يدخل 30 مليون دولار شهريا لحماس ، لماذا لم يتخذ التدابير اللازمة بعد الانذارات التي قدمتها الاجهزة الامنية ، لماذا عمل على ضرب الجبهة الداخلية ، بتشريعات قانونية حزبية ؟
يراهن نتنياهو على إطالة الحرب ، فكل يوم تستمر فيه، يتم تأجيل لحظة المحاسبة لنتنياهو ، وخسرانه الحكم ، وخسرانه مستقبله السياسي ، ودخوله السجن .
* لواء متقاعد
الكاتب : جهاد حرب
تبني الحكومة الإسرائيلية خطة بنيامين نتنياهو القائمة على السيطرة العسكرية المستدامة للمناطق المتبقية في قطاع غزة (مدينة غزة والمنطقة الوسطى) وترحيل المواطنين منهما، عبر ثلاث مراحل قائمة على توسيع المساعدات الإنسانية متسقة بما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ونقل السكان إلى الجنوب منسجمة مع خطة معسكر الخيام "المعتقل"، والسيطرة على مدينة غزة لإسقاط رمز الحكم الإداري في قطاع غزة.
هذه الخطة ذات الأهداف الخمسة؛ نزع سلاح حركة حماس وعودة جميع المختطفين ونزع السلاح الكامل من قطاع غزة والسيطرة الأمنية عليه وانشاء إدارة مدينة بديلة عن حماس أو السلطة الفلسطينية، تحتاج على المستوى الزمني إلى شهرين على الأقل لتهجير حوالي مليون فلسطيني من مدينة غزة، وإلى خمسة أشهر على الأقل من العمليات العسكرية لهزيمة حركة حماس "ليس استسلامها" ولثلاث سنوات على الأقل لاستتباب الأمن عبر السيطرة الأمنية ونزع كامل السلاح من قطاع غزة، وإقامة حكومة عميلة على طريقة جيش أنطوان لحد أو صورته الجديدة ياسر أبو شباب على المستوى العسكري وروابط القرى على المستوى الإداري.
تعني هذه الخطة على المستوى الميداني عودة الحرب من الصفر وكأن الحكومة الإسرائيلية لم تبدأ حربها منذ عامين، وعلى المستوى الإنساني استمرار معاناة الفلسطينيين وتشريدهم وتكرار نزوحهم وتجويعهم، فيما تشير هذه الخطة للأبعاد الاستراتيجية لسياسة الحكومة الإسرائيلية المبنية على الأوهام الأيديولوجية لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو القائمة على تكريس دولة إسرائيل على أرض إسرائيل من النهر إلى البحر عبر العمل على مستويين؛ الأول: السيطرة العسكرية المباشرة على الضفة الغربية وقطاع غزة وتحويلها عبر سياسات فرض القانون الإسرائيلي "السيادة" والضم إلى دولة إسرائيل القائمة في العام 1948، والثاني: التفوق اليهودي الديمغرافي في المنطقة الواقعة بين النهر والبحر عبر التطهير العرقي للفلسطينيين وفرض الاستسلام أو الموت لمن يرفض الاستعمار اليهودي.
هذا الوضوح في الخطة الإسرائيلية آنياً وميدانياً واستراتيجياً من جهة، والخطر الذي تمثله على القضية الفلسطينية برمتها من جهة ثانية؛ ليس فقط على وجود حركة حماس كحزب سياسي عسكري أو بنى إدارية في قطاع غزة أو السلطة الفلسطينية كمؤسسة سياسية إدارية، يحتاج إلى نضج سياسي فلسطيني لدى قيادات حركتي فتح وحماس وشجاعة وطنية لديهما للحفاظ على المسألة الوجودية للشعب الفلسطيني من خلال تبني خطة سياسية قائمة على؛ تفاهم مستعجل بإقامة حكومة فلسطينية موحدة تقود مفاوضات وقف الحرب وتنفيذ الخطة العربية المقرة في مؤتمر القمة العربية بشهر مارس/اذار الماضي وترجمة إعلان مؤتمر نيويورك الأخير في التحرك السياسي، والاتفاق على استراتيجية نضالية فلسطينية تقوم على المقاومة الشعبية والانخراط بها بشكل واسع في إطار مقاومة الاحتلال.
هاتان المسألتان تعيدان ترتيب الأوراق الفلسطينية الداخلية لتهيئة المناخات اللازمة للخروج من هذه الكارثة، ومعالجة المطالبات الدولية المتعلقة بموضوع السلاح بما ينسجم مع ما جاء في الخطة العربية باعتماد اتفاق فلسطيني حول ترتيبه داخلياً أو عبر طرق الأمم المتحدة المتعلقة بتسريح المقاتلين ودمجهم في الحياة المدنية "DDR" ووجود قوات حفظ السلام الدولية لحماية الشعب الفلسطيني المنصوص عليها في إعلان مؤتمر نيويورك.
الكاتب : العميد لؤي ارزيقات
هي الطريقة ذاتها والأسلوب نفسه، ولكنهما بحِيَل جديدة وبتطور ملحوظ في الاحتيال والنصب والخداع، تحت غطاء التسول بسبب المرض والحاجة لسد رمق الحياة، قناع ارتداه رجل أربعيني قوي البنية، صحيح العقل والجسد، وسوس له الشيطان لاختراع الأكاذيب، فحول نفسه في صورة مسن مريض لا يتحرك إلا بعكاز، ومساعدة الآخرين لاستعطاف المارة لدفع المال كصدقة من جيوب الناس، لبناء الثراء الفاحش وشراء المركبات الفارهة دون عناء، في مهنة امتهنها، جمع فيها الثراء والإجرام واستغلال العواطف، مرتديا ملابس مهترئة للإيهام بالفقر والجوع، ليجمع المال بطريقة سهلة.
فاختار جلوسه في تلك الزاوية، على ذاك المفترق المزدحم وسط مدينة بيت لحم، الذي يؤمه الكثيرون من داخل وخارج المدينة، حتى اعتادوا على رؤية هذا الرجل بملابسه الممزقة في هيئة رجل مريض لا يتحرك من مكانه، ليرسم صورة في عقولهم وكأنه ركن من أركان هذه المنطقة، يتنقل أحيانا بعكازه ويتوسل المارة طلبا للمال بعضهم يرق قلبه ويدفع بعض ما في جيبه، وآخرون يمرون بصمت يغلفه الحزن لعدم قدرتهم على المساعدة، حتى الأطفال يساهمون بما جمعوه من مصروفهم ويدفعونه طلبا للأجر، لكن أحدا لم يتوقع أن يكون هذا "المتسول" صاحب الملابس المهترئة والأقدام البالية، كما أظهرها للناس، مجرد واجهة لواقع آخر... واقع مظلم وخطير، فيه الإجرام والتربح والغنى الفاحش، على حساب رقة قلوب أناس آثروا على أنفسهم ودفعوا أموالهم لمساعدة هذا "المحتاج" المحتال.
لكن الحقيقة في هذه البلاد المقدسة لا يمكن إخفاؤها إلى الأبد، وفي لحظات كشفتها يقظة عناصر من مباحث شرطة بيت لحم، عندما لاحظت وجود هذا المتسول ذاته في أكثر من موقع وفي أوقات مختلفة، ويظهر بصحته الجيدة كلما ابتعد عن أماكن التجمع. اشتبهت إحدى دوريات المباحث بتصرفاته، وبدأت بمراقبته بهدوء وصبر وطول بال.
الاشتباه لم يكن فقط لطريقة تسوله أو مظهره، بل تدخل حسهم الشرطي وانتباههم لما يخفيه خلف تصرفاته، خاصة تنقله السريع رغم إظهاره الإعاقة، وتوقفه المتكرر عند سيارات لا تبدو عشوائية، ولكن المفاجأة كانت عندما شوهد المتسول يتجه نحو أحد الأزقة الخلفية، وحين ظن أن لا أحد يراقبه، خلع عباءته القديمة، واستقل مركبة فارهة من طراز حديث، كانت تلك اللحظة حاسمة.
لكن كان لا بد من التريث للوقوف على ما يخفيه من معلومات أخرى، ووضع تحت المراقبة المشددة، وفي اليوم التالي عاد بالأسلوب والطريقة نفسيهما، ولوحظ وجود تحركات مريبة في المحيط، عندها جاء وقت التدخل وتفتيش المكان من قبل المباحث العامة، لينكشف على حقيقته؛ فالشيخ المسن كان شابا أربعينيا، والملابس ليست هي الملابس التي يرتديها عند مغادرة موقعه والعودة إلى بلدته خارج المحافظة، وبتفتيشه، ضبطت كميات من الحبوب المخدرة المعدة للتوزيع، ليتبين إخفاؤه الإجرام وراء تلك الخديعة المسماة التسول بسبب المرض والحاجة.
لم تكن هذه المفاجأة الوحيدة، فقد كشفت التحقيقات أنه يمتلك أرصدة مالية كبيرة وحسابات بنكية عديدة، وتوصلت المباحث لمعلومات مهمة، لتسجل الشرطة نجاحا في كشف حقيقة ذاك الذي ظنه المجتمع فقيرا وقدم له المساعدة كل يوم، ومنهم أطفال، دون أن يتخيل أحد أنه كان يبيع الموت في أكياس الرحمة.
ولكننا يجب أن نتعلم أن ليس كل من يرتدي عباءة البؤس فقيرا، وليس كل من يمد يده محتاجا، وفي كل لحظة تعاطف قد تخفي بعض النفوس نوايا قاتلة.
* الناطق الإعلامي باسم الشرطة، نائب مدير إدارة الشرطة المجتمعية والإعلام
الكاتب: المهندس رائد عبد الفتاح مهنا
الجوع من اصعب التجارب لسكان قطاع غزة المحاصرين المعزولين تماما عن المصادر الغذائية حيث أغلقت القوات الإسرائيلية جميع وسائل الحياة ، والرابط الآن هو عن طريق إلقاء المواد الغذائية جوا ويمكن أن أطلق عليها الطريق بين الموت والنجاة والموت في نفس الوقت الموت لمن تطوله رصاص القوات الإسرائيلية لمن يحصل على طرد غذائي وينجو بنفسه ، ومع ذلك فإن قدرتها لا يمكن أن تلبي احتياجات السكان، كما أن القصف المستمر والظروف الجوية والمعيشية القاسية التي جعلت توصيل الأغذية خطير للغاية وغير موثوق.
لقد تم تخفيض الحصص الغذائية بشكل كبير للعائلات في قطاع غزة أي لا يتجاوز على الأقل 150 جراما فقط من الخبز لعدة أيام ، علاوة على ذلك أدى نقص العناصر الغذائية الى الإرهاق والأمراض المميتة مثل ضمور الجسد، و الوضع كل يوم يصبح أكثر خطورة .
في ظل الحصار الخانق الذي يواجه سكان قطاع غزة واحدة من أقسى التجارب الإنسانية في العصر الحديث: و مع تخفيض الحصص الغذائية إلى حدٍّ يُغطي بالكاد جزءًا بسيطًا من احتياجات الإنسان، تحوّل الجوع من أزمة عابرة إلى واقع يومي يطحن الأجساد والأرواح، ويترك وراءه جثثًا في الشوارع، وأطفالًا ببطون خاوية ، وعائلات تُصارع الموت لاجل لقمةً تبقيهم على قيد الحياة.
مرئية.. وأرقام صادمة ..
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 90% من سكان غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي ، بينما يعتمد ثلث السكان على الأعشاب و الطعام النيء للبقاء. لم يعد الموت بسبب القصف هو الخطر الوحيد، بل صار الموت البطي بالجوع أو الأمراض الناتجة عن سوء التغذية هو السمة الأبرز. الأطفال هم الضحايا الأكثر هشاشة، حيث تُظهر الإحصاءات أن واحدًا من كل 3 أطفال في غزة يعاني من سوء التغذية الحاد، مما يُهدد بجيل كامل من الناجين بأجسادٍ مُعطلة وعقولٍ غير قادرة على النمو .
حصار .. وتواطؤ دولي ..
السبب الجذري لهذه الكارثة ليس نقص الموارد العالمية، بل الحصار الإسرائيلي المُطبق، الذي يحظر دخول الغذاء والدواء والوقود، بينما تُراقب الدول الكبرى المشهد دون تحرك حقيقي. حتى المنظمات الإغاثية تواجه عراقيل غير مسبوقة في توصيل المساعدات، مما يُظهر أن الجوع في غزة نوع من أنواع السلاح المستخدم .
انهيار المجتمع.. ومستقبل مجهول ..
الآثار النفسية والاجتماعية لهذه الأزمة لا تقل خطورة عن الضحايا المباشرين. العائلات تُباع حليّها لشراء رغيف خبز، والأطباء يُجرون عمليات دون تخدير كافٍ، والمدارس تُغلق أبوابها بسبب انهيار الطلاب جوعًا. المجتمع في قطاع غزة ، الذي طالما اشتُهر بصموده، يُواجَه اليوم بخطر الضمور الجماعي ، حيث لن يموت الأفراد فحسب، بل قد تختفي هوية مكانٍ بأكمله.
نداء أخير.. قبل فوات الأوان ..
إذا كان العالم يُدرك معنى "الإبادة الجماعية"، فإن غزة تُقدّم نموذجًا صارخًا لها عبر التجويع .
واخيرا إن إنقاذ سكان غزة ليس مسألة إنسانية فحسب، بل **واجب أخلاقي وقانوني** ، فإما أن تتحرك الضمائر الدولية لفتح المعابر وإجبار إسرائيل على إنهاء الحصار، أو سنشهد فصولا جديدًة من الموت الصامت، حيث تُسحق كرامة الإنسان تحت عجلة السياسة. السؤال الآن: كم جثةً أخرى تحتاجها الشوارع ليثبت أن الجوع جريمة؟
بعد حوالى سنتين على حرب الإبادة الجماعية في غزة، وبعد صمت مخجل من المجتمع الدولي، خاصة من الدول الغربية، بدأ العالم يتحرك باتجاه وقف الحرب، وإيجاد حل دائم للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي الذي أضحى دموياً بشكل غير مسبوق. وربما كانت مشاهد المجازر المروّعة، التي تنقلها وسائل التواصل الاجتماعي، بما فيها مشاهد التجويع حتى الموت التي طغت على كل ما عداها كجريمة كبرى لا يستوعبها العقل البشري في القرن الحادي والعشرين، هي المحرك وراء تزايد الرغبة الدولية في رؤية نهاية لهذه المأساة. وهنا ينبغي التأكيد على دور المملكة العربية السعودية، خاصة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، المحوري على المستويَين الإقليمي والدولي، وكذلك الدور الفرنسي الذي اضطلع به الرئيس إيمانويل ماكرون في دفع عجلة حل الدولتين انطلاقاً من وقف الحرب على غزة. والذي سوف يتبدى بشكل واضح في الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين في الشهر القادم في الأمم المتحدة من قبل فرنسا وعشر دول أخرى مهمة في أوروبا وخارجها وربما تكون بريطانيا إحداها.
وهناك في الواقع شرطان ضروريان لتحقيق انطلاقة سياسية وفي الميدان للدفع بمشروع حل الدولتين، بناء على بيان مؤتمر حل الدولتين الذي عقد في الأمم المتحدة في 28 و29 من الشهر الماضي. وهما في الواقع شرطان يستجيبان للمصلحة الفلسطينية وليسا ضدها. الأول ما هو مطلوب من «حماس»: إنهاء ملف المحتجزين الإسرائيليين بصفقة تنهي الحرب وتفتح المجال أمام إعادة إعمار غزة، تحت إدارة فلسطينية، «حماس» ليست جزءاً منها، وكذلك تسليم «حماس» لسلاحها، بحيث لا تعود تنظيماً مسلحاً له مليشيا في غزة. والشرط الثاني إجراء إصلاح جدي حقيقي وعميق في مؤسسات السلطة يبدأ بانتخابات عامة برلمانية ورئاسية ليست بالضرورة متزامنة، ولكن في إطار جدول زمني مقبول دولياً.
بالنسبة لما هو مطلوب من «حماس»، فهو ضروري لحقن دماء الفلسطينيين ووقف هذه المجزرة التي ترتكبها إسرائيل ضده. فمن دون استجابة «حماس» لهذه الشروط لن تتوقف الحرب ولن يعاد بناء قطاع غزة، ولن يجري توحيد شقَّي الوطن والبدء في إقامة الدولة الفلسطينية، حتى لو كان الاعتراف بها كاملاً وشاملاً. وهناك فرصة لحركة «حماس» أن تجعل مرونتها واستجابتها للمطالب الدولية في إطار دفع عملية إقامة الدولة الفلسطينية، وليس استجابة للشروط الإسرائيلية. فإعلان «حماس» رداً على تصريحات ستيف ويتكوف المبعوث الأميركي، التي قال فيها: إن «حماس» وافقت على نزع سلاحها، يتحدث عن أن الحركة ستتنازل عن سلاحها في إطار إقامة دولة فلسطينية. ونحن الآن في عملية جادة بهذا الاتجاه وعلى جميع الأطراف المساهمة فيها. واستجابة «حماس» ستكون بلا شك مساهمة كبرى. وسيفهم الشعب الفلسطيني والعالم أن «حماس» تتنازل من أجل المصلحة العليا للشعب وليس من أجل أي ادعاء آخر حتى لو كانت إسرائيل ستعتبر ذلك انتصاراً لها. فتحقيق اختراق دولي حقيقي باتجاه إقامة دولة فلسطين سيكون هزيمة سياسية مُرّة لإسرائيل، خاصة للحكومة العنصرية الفاشية التي يقودها بنيامين نتنياهو.
أما إصلاح السلطة الوطنية فهو مطلب فلسطيني يجمع عليه الشعب قبل أن يكون شرطاً دولياً، ويجب أن يتم في إطار خيار وطني، وضمن أولويات إقامة مؤسسات الدولة الفلسطينية بما يشمل عملية انتخابات للمجلس التشريعي وانتخابات رئاسية، والفصل بين السلطات التسريعية والتنفيذية والقضائية، واستعادة ثقة الشعب أولاً بمؤسساته وثقة العالم بأهليتنا لدولة ديمقراطية تسير على طريق النمو والتقدم بما يستجيب لتطلعات شعبنا. والرسالة التي بعث بها الرئيس أبو مازن للرئيس ماكرون تشكل أرضية مناسبة للبدء في عملية الإصلاح، حيث تعهد بإجراء انتخابات عامة خلال عام. وفي الواقع، الإعلان عن انتخابات للمجلس الوطني حتى نهاية العام، لا مبرر له طالما لا يرتبط بانتخابات المجلس التشريعي، حيث إن عضوية الداخل جلها من أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين.
هذان الشرطان لتحقيق انطلاقة في عملية حل الدولتين المدعوم دولياً، والذي ينتظر الإعلان في الشهر القادم، ليسا اختياريين، بل تقوم عليهما الدولة. فالأمر لا يتعلق بما هو مستحب، بل بما هو واجب يترتب عليه النجاح أو الفشل. إن فعلنا سنكون مضينا على طريق النجاح والنصر السياسي الحقيقي. وإن فشلنا فربما تكون هذه آخر فرصة لنا لتحقيق دولة. والعالم لن ينتظرنا بل سيقفز عن الموضوع ويتجاهله ويطويه النسيان، خاصة في ظل سياسة إسرائيلية متسارعة بجنون لشطب فكرة الدولة الفلسطينية وقطع الطريق على إقامتها وتحويلها إلى حل يستحيل تطبيقه. والوقت أمامنا ليس طويلاً. فإما أن ننتهز الفرصة أو تضيع. وسيحمّلنا التاريخ المسؤولية الجسيمة عن أي إضاعة لما يمكن أن يكون فرصتنا الأخيرة. فهل نحن على مستوى المسؤولية وقادرون على تحملها، أم سنتحدث عن كارثة كبرى في قادم الأيام؟
الكاتب : فراس ياغي
رحم الله شهيد الأمة "حسن نصر الله" عندما قال: "إذا سقطت دمشق ستسقط كل المنطقة وتضيع فلسطين"، والرئيس "ابو مازن" بكل ما له وما عليه يقال انه كان يقول في جلساته المغلقة بأن "ضياع دمشق يعني ضياع القدس"، وكنا دائما نكتب في مقالاتنا المنشورة ما قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 بأن "بوابة المنطقة ككل هي دمشق، وسقوطها يعني الدخول إلى واقع جيوسياسي جديد، ونتيجتها ان تُشرّع تلك البوابة العريضة للحلف الأمريكي وعلى رأسه إسرائيل ومعهم "عربان امريكا" .
لاحظوا ما حدث في "لبنان"، لقد تم تخيير رئيس الدولة "جوزيف عون" ورئيس الحكومة "نواف سلام" من قبل المبعوث السعودي "نقل إليهما رسالة نهائية أمريكية سعودية"، بين الذهاب إلى نزع سلاح "حزب الله" حتى لو ادى ذلك إلى حرب أهلية، أو الذهاب لتدمير كل "لبنان" من قبل "إسرائيل" وفق "نموذج غزة"، فإختارت الدولة اللبنانية برئيسها "الماروني" ورئيس وزرائها "السني"، محاربة مكونها "الشيعي" بإسم سحب سلاح "حزب الله"، وهي المقدمة لعقد إتفاقية سلام مع "إسرائيل" حين تحين لحظة طرح المشروع "الترامبي" والذي اساسه توسيع ما يسمى بِ "الإتفاقيات الإبراهيمية" .
كل ما يجري في "لبنان" يرافقه توجه "نتنياهو" لإحتلال كل قطاع "غزة"، والهدف هذه المرة هو التهجير العلني لفلسطينيي "غزة" بتدمير ما تبقى منه، لأنه لا يمكن بهذه الطريقة تحرير اسراهم، بل خطوة الإحتلال "يسميها نتنياهو سيطرة" ستؤدي لموتهم بشكل نهائي، وهذا ما يقوله رئيس اركان دولتهم، بل يقول اكثر من ذلك ويعتبر إحتلال غزة "مصيدة إستراتيجية"
أمر العمليات الامريكي أُخذ، ومرة اخرى نُعيد ما قلناه سابقا، الأمريكي "ترامب" والإسرائيلي "نتنياهو" إتفقا على حسم كل الملفات في المنطقة وبالقوة، فإما الرضوخ والاستسلام الى دولة "إسرائيل الجديدة" بقيادة "نتنياهو" بإرادة جميع من في المنطقة إضافة إلى الموافقة على الضم الجزئي والتهجير الجزئي، والنفوذ الكامل والإشراف الأمني المباشر، أو الذهاب إلى خيار التدمير والضم الكلي والتهجير الكلي "الفلسطيني والشيعي" والنفوذ والإشراف الأمني، بإختصار "إسرائيل" هي "شرطي" المنطقة .
اليوم نضيف شيئا جديدا ودون تفاصيل ونقول "جمهورية مصر إقتربت لتكون في قلب العاصفة القادمة"، يريدون ذلك بإرادتها وإن رفضت ستصبح هي الحدث"، و"الضفة" ذاهبة لسياسة الحصار والتجويع كمقدمة لتلحق بأختها "غزة"، و "الإتفاقيات الإبراهيمية" سوف يتم تتويجها ببناء "الهيكل الثالث" المزعوم على أنقاض "قبة الصخرة" ليعلن بعدها مركز الديانة الإبراهيمية .
واضح أن مسألة حسم الملفات أصبحت عنوان الاسابيع والشهور القادمة، نحن الآن في الشوط الأخير لتنفيذ مخططات تصفية القضية الفلسطينية وإنهاء محور المقاومة ككل، وفرض الإرادة التامة طوعاً او كرهاً على كل من يعترض على ذلك .
نعم نحن أمام لحظات خطيرة ومفصلية ستمس كل المنطقة، فإما أن تقوم "أم الدنيا" "قاهرة المعز" بضرب سُباطها على الطاولة لأنها هي المستهدفة، وإلا سيقع على عاتق مقاومة "لبنان" ومقاومة "غزة" وحدهم الصمود وإفشال هذا المخطط الخطير، او أن الأمريكي والإسرائيلي وعربهما سيحققون أكبر نصر تاريخي، حيث ينتصر "البزنس" الأمريكي والعربي والفلسطيني المتحالف مع الصهيونية المسيانية .
يبقى ان نقول أن كل الخطوط الحمر إنتهت منذ حرب "الخرائب التوراتية" على "غزة" ولاحقا على "لبنان" والتجرؤ على ضرب "إيران"، وأصبحت كل المعادلات "صفرية"، لأن بوابة سقوط المنطقة شُرّعتْ بعد أن سقطت "دمشق" .
الكاتب : هاني المصري
قرار الحكومة الإسرائيلية باجتياح ما تبقى من قطاع غزة بشكل متدرج، بدءًا من مدينة غزة ثم التوسع نحو احتلال القطاع بأكمله، لا يُمكن قراءته كخطوة عسكرية محدودة أو مجرد تكتيك تفاوضي، بل هو قرار ذو أبعاد استراتيجية تعود إلى ثلاثة أسباب رئيسة:
أولًا، دافع أيديولوجي صهيوني متطرف يعكس جوهر المشروع الاستعماري الصهيوني القائم على الإبادة والاحلال والفصل والتطهير العنصري والضم والتهجير والاستيطان.
ثانيًا، أهداف استعمارية عنصرية تتجاوز بكثير الأهداف المعلنة للحرب، وتهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية برمّتها وتغيير الشرق الأوسط.
ثالثًا، حاجة سياسية داخلية تتعلق ببقاء الحكومة الإسرائيلية، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن الائتلاف الحاكم سيفقد نحو ثلث مقاعده في حال أجريت الانتخابات الآن.
انطلاقًا من ذلك، فإن قرار احتلال غزة ليس تكتيكًا تفاوضيًا، كما يحاول البعض تصويره، بدليل المواقف التي عبّر عنها الوسطاء القطريون والمصريون الذين أكدوا أن الاتفاق على الصفقة كان ينتظر اللمسات الأخيرة إلى أن استدعت واشنطن وتل أبيب وفدي التفاوض ورفضت اعادتهما، بل هو جزء من خطة طويلة الأمد تتطلب ردًا بحجم التهديد.
ومن الممكن إفشال هذا القرار وإجبار الاحتلال على وقف الحرب، في حال تحققت عدة شروط، أبرزها:
-رد فعل فلسطيني وعربي وإسلامي ودولي بمستوى اللحظة التاريخية، يشمل الضغط على الولايات المتحدة، وخاصة إدارة ترامب، لوقف دعمها غير المشروط للحرب الإسرائيلية.
-تصاعد الخلافات الداخلية في إسرائيل واتساع الهوة بين مكوناتها السياسية والأمنية.
-استمرار وتوسّع المقاومة الفلسطينية وتكبيد الاحتلال خسائر فادحة على الأرض.
-أو في حال استسلام حماس والفصائل الفلسطينية، وهي فرضية لا تعني بالضرورة نهاية الحرب أو توقف مخطط تصفية القضية، بل قد ستتخذ الحرب أشكالًا أخرى أخطر.
-حتى في حال توقف المعارك العسكرية، قد يتحول المخطط إلى حرب "ناعمة"تقوم على:
إذكاء الفتن الداخلية والصراعات المحلية،
إحداث فوضى مرتبطة بتوزيع المساعدات،
تشجيع الجريمة، ونشر العنف والمخدرات، خلق بيئة طاردة بمواصلة العمل لجعل قطاع غزة منطقة غير صالحة للحياة تمهّد للتهجير والاستيطان والضم، سواء في الضفة أو القطاع أو الداخل.
إننا نواجه لحظة مصيرية فارقة، تتطلب قرارات وطنية تاريخية بمستوى التهديد الوجودي الذي نواجهه. وأول هذه القرارات يجب أن يكون هناك بلورة رؤية سياسية موحدة ورد شامل ومتكامل، يقوم على:
-إنجاز الوحدة الوطنية أو التوافق الوطني الفعلي، على أساس برنامج نضالي مشترك وشراكة حقيقية،
-إجراء انتخابات على كل المستويات عندما يكون ذلك ممكنا . تحت مظلة منظمة تحرير واحدة، وسلطة واحدة، وقيادة واحدة، وسلاح واحد، وتشكيل وفد تفاوضي واحد بمرجعية وطنية متفق عليها على الأقل في هذه المرحلة الحرجة.
ولا يجوز التسليم بحالة الانقسام واستحالة انهائه، أو القبول بالآراء التي تزعم باستحالة توحيد حركتي "فتح" و"حماس" بسبب الخلافات العميقة والمصالح المتباينة.
فالتاريخ مليء بأمثلة عن توحد حتى الأعداء لمواجهة خطر وجودي مشترك، والمخطط الصهيوني اليوم يستهدف الجميع بلا استثناء: الأرض، والشعب، والهوية، ومصادرة الحاضر والمستقبل.
ومن الأدلة الحديثة التي تؤكد المخاطر وتُبرز الحاجة للوحدة، قرار الحكومة الإسرائيلية بتشكيل إدارة خاضعة للاحتلال في قطاع غزة، تهدف إلى فرض السيطرة الإسرائيلية المباشرة دون وجود أي سلطة، لا لحماس ولا لمحمود عباس، ما يعني شطب التمثيل الفلسطيني تمامًا.
إنها لحظة الحقيقة. ويجب أن نواجهها بقرار تاريخي يعيد الاعتبار لقضيتنا وشعبنا ومستقبلنا الوطني.