محليات

تقدير موقف راهن .. على ضوء الاتفاق الأميريكي – الايراني 

91 مشاهدة
تقدير موقف راهن .. على ضوء الاتفاق الأميريكي – الايراني 

الكاتب : يونس العموري 

على فرض صحة المعطيات المتداولة حول وجود تفاهم أميركي - إيراني يتجه نحو إنهاء حالة الحرب المفتوحة في المنطقة وإعادة ضبط الاشتباك على مختلف الجبهات، بما في ذلك الجبهة اللبنانية، فإن المنطقة تبدو أمام مرحلة انتقالية دقيقة قد تشكل نقطة تحول استراتيجية في مسار الصراع الممتد منذ سنوات... وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة المواقف الإسرائيلية الرافضة أو المتحفظة، وعلى رأسها مواقف بنيامين نتنياهو، باعتبارها مؤشرا حاسما على فشل هذا المسار، بل ينبغي النظر إليها باعتبارها جزءا من معركة سياسية وتفاوضية تحاول من خلالها إسرائيل تحسين شروط المرحلة المقبلة وتقليص المكاسب التي يمكن أن تحققها إيران وحلفاؤها  ؟ .

القراءة الأولية للمشهد تشير إلى أن الإدارة الأميركية باتت أكثر ميلا إلى تثبيت ترتيبات إقليمية تقلل احتمالات الانفجار الشامل في الشرق الأوسط، خصوصا في ظل تراكم الأعباء العسكرية والاقتصادية والسياسية التي نتجت عن الحروب المتعددة خلال السنوات الأخيرة... ومن هذا المنطلق، فإن أي تفاهم أميركي - إيراني لن يكون محصورا بالملف النووي فقط، بل سيمتد بطبيعته إلى ملفات النفوذ الإقليمي والجبهات الساخنة، وفي مقدمتها لبنان والعراق وسوريا وربما غزة بدرجات متفاوتة...

في المقابل، تنظر إسرائيل إلى أي تفاهم من هذا النوع بعين القلق. فالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية تعتبر أن المشكلة لا تكمن فقط في البرنامج النووي الإيراني، بل في البنية الإقليمية التي بنتها طهران خلال العقود الماضية. ولذلك فإن جزءا كبيرا من الاعتراض الإسرائيلي يتعلق بالخوف من أن يؤدي تثبيت التهدئة إلى تحويل النفوذ الإيراني القائم إلى واقع دائم ومعترف به ضمنيا من قبل المجتمع الدولي...

أما على مستوى ردود الفعل الإسرائيلية المتوقعة، فمن المرجح أن نشهد تصعيدا في الخطاب السياسي والإعلامي خلال المرحلة المقبلة. وستحاول الحكومة الإسرائيلية الإيحاء بأنها لم تتخل عن حرية العمل العسكري وأنها لا تزال تحتفظ بحق الرد والتدخل متى رأت أن أمنها القومي مهدد. غير أن الفارق بين الخطاب والواقع قد يكون كبيرا. فإسرائيل تدرك أن الدخول في مواجهة مفتوحة مع الإرادة الأميركية يحمل مخاطر استراتيجية لا تقل خطورة عن المخاطر التي تقول إنها تسعى لمواجهتها.

الاعتبار الداخلي الإسرائيلي يلعب هنا دورا أساسيا. فاقتراب انتخابات الكنيست يجعل نتنياهو أكثر حساسية تجاه أي خطوة يمكن أن تفسر داخل المجتمع الإسرائيلي باعتبارها تنازلا أو تراجعا. ولذلك من المتوقع أن يستمر في استخدام لغة حادة تجاه إيران وحزب الله ولبنان، حتى لو كانت الوقائع الميدانية تتجه نحو التهدئة. فنتنياهو يدرك أن جزءا مهما من قاعدته الانتخابية ينظر إلى الحسم العسكري باعتباره الخيار المفضل، كما أن خصومه السياسيين سيحاولون استغلال أي مرونة لإضعاف صورته السياسية.

على الجبهة اللبنانية، يبدو أن الاتجاه العام يميل نحو تثبيت وقف الأعمال القتالية وتحويله تدريجيا إلى صيغة أكثر استقرارا. فبعد فترة طويلة من الاستنزاف المتبادل، باتت معظم الأطراف تدرك أن العودة إلى الحرب الشاملة ستنتج كلفة باهظة يصعب تحملها. ولذلك فإن الضغوط الأميركية والأوروبية والعربية ستتركز على منع انهيار التهدئة وتحويلها إلى مسار دائم نسبيا.

ومن المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة استمرار بعض الخروقات والاحتكاكات الأمنية المحدودة، سواء عبر عمليات موضعية أو ضربات محسوبة أو رسائل ميدانية متبادلة. لكن هذه الأحداث، إذا وقعت، ستكون على الأرجح ضمن حدود تمنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة. فالأولوية لدى معظم اللاعبين الإقليميين والدوليين ستكون منع إعادة فتح الجبهة اللبنانية بصورة كاملة.

أما فيما يتعلق بالمفاوضات المباشرة أو غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل، فمن المتوقع أن تكتسب زخما إضافيا إذا ثبت وجود مظلة دولية وإقليمية داعمة للتهدئة. فهذه المفاوضات لن تكون بالضرورة سياسية بالمعنى التقليدي، بل قد تتركز على ملفات أمنية وحدودية وتقنية تتعلق بترتيبات وقف إطلاق النار والنقاط المتنازع عليها والانسحابات المتبادلة وآليات المراقبة الدولية... وفي هذا الإطار، يمكن أن تتحول المفاوضات إلى أداة أساسية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب. فواشنطن ستكون معنية بتحقيق إنجاز ملموس يمنع تجدد المواجهة، كما أن المجتمع الدولي سيعتبر أي تقدم في هذا المسار مدخلا لاستقرار أوسع في لبنان والمنطقة.

السؤال الأهم يتعلق بإمكانية انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان بشكل كامل. هنا ينبغي التمييز بين الرغبة والإمكانية السياسية. من الناحية النظرية، إذا توافرت ضمانات أمنية كافية لإسرائيل ضمن تفاهمات أوسع ترعاها الولايات المتحدة وقوى دولية أخرى، فإن الانسحاب يصبح خيارا واردا ومطروحا. لكن هذا الانسحاب لن يكون سهلا أو سريعا، لأن المؤسسة السياسية الإسرائيلية ستسعى إلى تقديمه للرأي العام باعتباره جزءا من صفقة تحقق مكاسب أمنية واضحة، وليس باعتباره نتيجة ضغوط أو هزيمة...

لذلك فإن السيناريو الأكثر ترجيحا يتمثل في انسحاب تدريجي أو مرحلي مرتبط بحزمة تفاهمات متكاملة تشمل ترتيبات أمنية ومراقبة دولية وضمانات متبادلة. أما الانسحاب الفوري وغير المشروط فيبقى أقل احتمالا في المدى المنظور، خصوصا في ظل المناخ السياسي الإسرائيلي الحالي... وفي حال نجحت هذه الترتيبات، فإن احتمال وقف الحرب فعليا في جنوب لبنان يصبح مرتفعا نسبيا. لكن المقصود هنا ليس السلام الكامل أو إنهاء الصراع التاريخي، بل الانتقال إلى نموذج شبيه بفترات الهدوء الطويل التي عرفتها الحدود اللبنانية الفلسطينية في مراحل سابقة. أي أن الصراع يبقى قائما سياسيا واستراتيجيا، لكنه يتراجع عسكريا إلى مستويات منخفضة يمكن التحكم بها...  في المحصلة، يبدو أن المنطقة تتجه، وفق هذه الفرضية، نحو مرحلة إعادة تنظيم للتوازنات أكثر مما تتجه نحو مرحلة حسم نهائي للصراعات. فالتفاهم الأميركي - الإيراني المحتمل قد يفرض سقفا جديدا للحركة أمام جميع الأطراف، بما فيها إسرائيل. ورفض نتنياهو، رغم أهميته السياسية والإعلامية، قد لا يكون كافيا لإسقاط مسار يحظى بدعم دولي واسع، لكنه قد ينجح في تأخيره أو تعديل بعض بنوده...  وعليه، فإن الاتجاه الغالب خلال الأشهر المقبلة قد يكون انتقال الجبهة اللبنانية من منطق الحرب المفتوحة إلى منطق التفاوض المدعوم بالردع المتبادل، مع ارتفاع فرص تثبيت وقف إطلاق النار، واستمرار المساعي المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي، وتنامي أهمية المفاوضات الحدودية والأمنية. أما العامل الحاسم فسيبقى مرتبطا بمدى قدرة الولايات المتحدة على إلزام جميع الأطراف بمخرجات أي تفاهم إقليمي جديد، وبمدى استعداد الحكومة الإسرائيلية، خصوصا في ظل الحسابات الانتخابية، للتكيف مع واقع استراتيجي مختلف عن ذلك الذي ساد خلال السنوات الماضية.

وفي قراءة لموقف المقاومة اللبنانية  – حزب الله يمكن تلخصيه بالأتي : 

إن موقف المقاومة في لبنان من أي تفاهم أميركي - إيراني محتمل لا يمكن اختزاله بمنطق الربح والخسارة المباشرة، بل ينبغي فهمه ضمن إطار أوسع يتعلق بإعادة تعريف أولويات المرحلة المقبلة. فالمقاومة، بعد أشهر طويلة من المواجهة والاستنزاف على الجبهة الجنوبية، تبدو معنية قبل أي طرف آخر بتحديد ما إذا كانت التفاهمات المطروحة ستؤدي فعلا إلى تثبيت قواعد اشتباك جديدة تمنع إسرائيل من استثمار نتائج الحرب سياسيا وأمنيا، أم أنها ستشكل مجرد هدنة مؤقتة تعيد إنتاج أسباب الانفجار في وقت لاحق...  ومن هذه الزاوية، فإن أي تفاهم أميركي - إيراني لا ينظر إليه داخل بيئة المقاومة باعتباره تسوية نهائية للصراع، بل باعتباره إطارا لإدارة مرحلة انتقالية قد تطول أو تقصر وفقا لسلوك الأطراف المختلفة. فالتجربة التاريخية الممتدة منذ عام 2000 وحتى اليوم عززت لدى المقاومة قناعة راسخة بأن إسرائيل غالبا ما تتعامل مع الاتفاقات والقرارات الدولية باعتبارها أدوات ظرفية مرتبطة بميزان القوى، لا باعتبارها التزامات استراتيجية دائمة. ولذلك فإن المعيار الأساسي بالنسبة للمقاومة لن يكون الإعلان عن الاتفاق بحد ذاته، بل قدرة هذا الاتفاق على فرض التزامات عملية على الجانب الإسرائيلي.

وفي هذا السياق، يمكن فهم الحذر الذي قد تبديه المقاومة تجاه المواقف الإسرائيلية الرافضة أو المتحفظة على أي تفاهم أميركي - إيراني. فهذه المواقف، من وجهة نظرها، لا تعبر فقط عن خلاف سياسي بين واشنطن وتل أبيب، بل تكشف أيضا عن وجود تيار داخل المؤسسة الإسرائيلية لا يزال يراهن على استكمال مشروع إضعاف محور المقاومة عبر الضغوط العسكرية والأمنية والاقتصادية. وبالتالي فإن المقاومة ستتعامل مع الرفض الإسرائيلي باعتباره مؤشرا يستدعي اليقظة لا باعتباره سببا كافيا لإسقاط فرضية التهدئة... ومن المرجح أن تنظر قيادة المقاومة إلى التصعيد الإعلامي الإسرائيلي المتوقع خلال المرحلة المقبلة بوصفه جزءا من عملية تفاوض غير مباشرة تجري على مستويات متعددة. فإسرائيل تدرك أن أي تفاهم إقليمي جديد قد يفرض عليها قيودا إضافية في ما يتعلق بحرية العمل العسكري، ولذلك ستسعى إلى رفع سقف الخطاب السياسي والأمني للحصول على أكبر قدر ممكن من الضمانات والتنازلات. أما المقاومة فستحاول بدورها الحفاظ على معادلة الردع القائمة ومنع تحويل التفاهمات الجديدة إلى منصة لفرض شروط سياسية أو أمنية تمس جوهر دورها أو قدراتها... 

وعلى المستوى الميداني، تبدو الأولوية الأساسية للمقاومة خلال المرحلة المقبلة مرتبطة بالحفاظ على عناصر القوة التي تعتبرها الضمانة الحقيقية لأي استقرار طويل الأمد. فالتجربة اللبنانية خلال العقود الماضية أظهرت أن التوازنات السياسية والدبلوماسية تبقى هشة ما لم تستند إلى توازن ردع فعلي على الأرض. ومن هنا يمكن توقع تمسك المقاومة بمقاربة تقوم على الفصل بين التهدئة وبين التخلي عن عناصر القوة العسكرية. أي أنها قد تنخرط في ترتيبات أمنية أو تفاهمات ميدانية جديدة، لكنها لن تنظر إليها باعتبارها بديلا عن معادلة الردع التي تعتبرها أساسا لأي استقرار مستدام...  أما في ما يتعلق بمصير المقاومة ضمن المشهد الإقليمي الجديد، فإن الحديث عن تراجع دورها أو انتهاء وظيفتها الاستراتيجية يبدو سابقا لأوانه. فحتى في حال نجاح التفاهم الأميركي - الإيراني، فإن الأسباب البنيوية التي أدت إلى نشوء محور المقاومة في المنطقة لن تكون قد اختفت. فالصراع العربي - الإسرائيلي سيبقى قائما، والاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية سيبقى قائما، كما أن ملفات السيادة والحدود والنفوذ الإقليمي ستظل مفتوحة بدرجات متفاوتة. وبالتالي فإن أي تحول مرتقب سيكون أقرب إلى إعادة تموضع سياسي واستراتيجي منه إلى إنهاء كامل للدور الذي تؤديه المقاومة.

وفي المقابل، تدرك المقاومة أن البيئة الإقليمية والدولية تتغير. ولذلك قد تشهد المرحلة المقبلة انتقالا تدريجيا من أولوية المواجهة العسكرية المفتوحة إلى أولوية تثبيت المكتسبات السياسية والاستراتيجية التي نتجت عن سنوات الصراع. وهذا لا يعني التخلي عن خيار المقاومة، بل يعني إدارة هذا الخيار ضمن ظروف مختلفة تتطلب قدرا أعلى من المرونة السياسية والانخراط في ترتيبات إقليمية أكثر تعقيدا... 

ومن زاوية أخرى، فإن المواقف الإسرائيلية المعلنة تجاه الاتفاق الأميركي - الإيراني المحتمل قد تحمل في طياتها مفارقة مهمة. فكلما ارتفع مستوى الاعتراض الإسرائيلي العلني، ازداد اقتناع بعض دوائر المقاومة بأن الاتفاق يتضمن عناصر لا تنسجم بالكامل مع الرؤية الإسرائيلية. أما إذا نجحت إسرائيل في تعديل بعض بنود التفاهم أو فرض شروط إضافية عبر الضغط السياسي على واشنطن، فإن المقاومة ستسعى إلى تقييم ما إذا كانت تلك التعديلات تمس جوهر التوازنات التي تشكلت بعد الحرب أم لا. لذلك فإن المرحلة المقبلة ستتسم على الأرجح بمتابعة دقيقة لكل التفاصيل التنفيذية لا بالشعارات السياسية العامة...  وفي حال نجح المسار التفاوضي في الوصول إلى ترتيبات مستقرة على الجبهة اللبنانية، فإن المقاومة قد تجد نفسها أمام تحد جديد يختلف عن تحديات الحرب. فالتحدي المقبل لن يكون فقط كيفية إدارة الردع العسكري، بل كيفية إدارة مرحلة الاستقرار النسبي دون السماح لإسرائيل بتحويل الهدوء الأمني إلى مكاسب سياسية أو استراتيجية طويلة الأمد. وهذا يفسر سبب التركيز المتوقع على ملفات الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، وتثبيت الحقوق اللبنانية الحدودية، وتعزيز الضمانات الدولية المتعلقة بمنع الاعتداءات والخروقات... 

وفي المحصلة، إذا صحت فرضية التفاهم الأميركي - الإيراني، فإن المقاومة في لبنان لن تتعامل معه باعتباره نهاية مرحلة الصراع، بل باعتباره بداية مرحلة جديدة من إدارة الصراع بأدوات مختلفة. وستبقى نظرتها إلى المواقف الإسرائيلية محكومة بقاعدة أساسية مفادها أن الخطاب الإسرائيلي، مهما بلغ مستوى التصعيد فيه، لا يكتسب معناه الحقيقي إلا من خلال ما يترجم على الأرض. ولذلك فإن العامل الحاسم بالنسبة للمقاومة لن يكون حجم الاعتراضات الإسرائيلية المعلنة، بل قدرة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي على فرض التزامات فعلية تمنع إسرائيل من إعادة إنتاج شروط المواجهة السابقة. وعند هذه النقطة تحديدا سيتحدد ما إذا كانت المنطقة تتجه فعلا نحو مرحلة استقرار طويل نسبيا، أم نحو هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع تحت ظروف مختلفة.