الكاتب : بكر أبوبكر
تشكل القدس المفصل الرئيس في العلاقات العربية والاسلامية مع الكيان الصهيوني لأنها قضية أبعد من أن تكون فلسطينية خالصة، لما لها من عمق تاريخي وحضاري وإيماني عميق يخص الديانة الاسلامية والديانة المسيحية ومن هنا كان قرار التقسيم عام 1948 قد تعامل مع المدينة باعتبارها دولية.
وفي "كامب ديفد" 2 رفض الزعيم ياسر عرفات دعوات التفريط بالقدس لأنها بوابة السماء، وتخص كل المسلمين بالعالم، والمسيحيين، والتنازل عنها كمن يتنازل عن قلبه ويفترض أنه سيظل حيًا.
أما بالنسبة للمحتل الصهيوني عامة، واليمين الصهيوني بالتخصيص لاحقًا وعصاباته العاملة بالمدينة، فتعتبر عاصمة موحدة للدولة الإسرائيلية (أعلنت سياسيًا عبر الكنيست عاصمة أبدية للكيان عام 1980م)، وكل ذلك وفق ادعاءات وأساطير التاريخ التوراتي، وبما يسمى جبل الهيكل (هو المسجد الاقصى بمبانيه والساحات والأسوار وبمساحة 144 ألف متر مربع) وغير ذلك مما استقر في الوعي التوراتي الذي لم يتوافق يومًا مع التراب والحفريات وعلم الآثار (أنظر علماء الآثار الإسرائيليين أنفسهم أمثال زئيف هرتزوغ، وإسرائيل فنكلستاين...).
إثر النكبة الاولى واغتصاب البلاد وطرد العباد كان القرار الاكبر ل"بن غوريون" هو تشكيل لجنة لاغتصاب المسميات لكامل أرض فلسطين وقد فعلها فلم يعد لغالب القرى والمدن والجبال والوهاد والعطفات والرجوم والخرب والصحاري والكثبان حتى في النقب الا المسميات العبرية حتى تلك التي لا أصل لها ولم ترد بالتوراة أو بمنطق التحوير والتدوير والتزوير للأسماء والمسميات العربية الأصيلة كما يذكر "ميرون بنفنستي" في كتابه "المشهد المقدس: طمس تاريخ الأرض المقدسة منذ 1948".
تتعدد المصادر والدراسات حول التدمير والتهويد للقدس العربية ومنها في البلدة القديمة أو الاحياء العربية المختلفة فتجد ذلك بوضوح في قرارات لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو التي بينت عمق الحفريات الإسرائيلية غير القانونية وتغيير المعالم التاريخية والثقافية والحضارية العربية والمسيحية والاسلامية وخاصة بالبلدة القديمة. مع العلم الواضح أن مدينة القدس وأسوارها تدرج ضمن قائمة التراث العالمي منذ العام 1982م.
لا يغيب عن عين الفاحص في القدس حجم الأضرار الناجمة عن مشاريع تهويدية عديدة مثل "تلفريك القدس/العربات الجوية"، والمصاعد تحت المسجد الأقصى وحائط البراق والتي تؤثر على ما يسمى المشهد البصري والتاريخي للأرض المقدسة.
لا يغيب عن الذهن ما حصل منذ البدء عندما قامت السلطات الاحتلالية عام 1967 بتدمير حارة المغاربة بالكامل وتهجير سكانها لانشاء ساحة البراق (التي يسمونها ساحة حائط المبكى) وهي الساحة والجدار المقرّ تاريخيًا أنه وقف إسلامي يعود لعرب فلسطين.
في ذات الإطار تخوض سلطات الاحتلال الصهيوني حربًا على المواطنين الفلسطينيين بكافة الأشكال التي منها سرقة العقارات والنمو الاستيطاني الفظيع حتى داخل السور، وفي الأحياء الأخرى ما بين الأمر للمواطنين بهدم البيوت، بيوتهم، لأسباب واهية شتى، وما بين القيام بهدمها مباشرة وما بين الضرائب الباهظة "الأرنونا" التي تضاعف من الأعباء على المواطنين والتجار وتجعل من التفكير بالهجرة من القدس مخرجًا ملائمًا ويتم الدفع باتجاهه صهيونيًا بكافة أشكال القوة.
ما يمكن النظر اليه بوضوح أن الكيان الصهيوني في القدس قد انتقل من الأسرلة "فرض السيادة" الى "التهويد" بمعنى تغيير الطابع الثقافي والديني والحضاري ذو العمق العربي بالكلية كما يشير د.محمد مراد في دراسته. وحيث يورد أن "استراتيجية التهويد هي عملية اقتلاع الشعب الفلسطيني ليس من أرضه وحسب، وإنما فصله كليًّا عن تاريخه ومحو ذاكرته الثقافية التي نسجها عبر قرون طويلة من الزمن. وإذا كانت الجغرافية (الأرض) قد شكّلت المسرح الحياتي للجماعة العربية الفلسطينية، وإذا كان التاريخ أيضًا قد شكَّل ذاكرة هذه الجماعة وهويتها الحضارية، فإنّ التهويد الصهيوني جاء ليكون قطعًا فاصلاً بين الجغرافيا والتاريخ أي بين الأرض وإنسانها، وبالتالي تصدير هذا الإنسان إلى الفراغ ورميه في المجهول."
وقد تطور التهويد في القدس حسب دراسة د.مراد من التهويد الإداري باستعادة اسم المدينة التوراتي ثم التهويد العقاري بإضفاء الطابع اليهودي على المدينة ذات الطابع العربي المسيحي والإسلامي ثم ما كان ثالثًا من التهويد السكاني عبر الطرد للمواطنين الفلسطينيين العرب بكل الطرق.
ثم ما كان لاحقًا من إنشاء الأحزمة الضاغطة حول المدينة بدءًا بالحزام الاستيطاني (الاستخرابي) الأول الذي شمل 10 احياء منها الحي اليهودي والتلة الفرنسية وحي الجامعة العربية وعلى أراضي القرى العربية مثل جبل المكبر وصورباهر وعناتا. ثم ما كان من انشاء الحزام الثاني عبر 15 مستوطنة (مستخربة) في محيط القدس الشرقية بهدف واضح هو محاصرة ثم تجزئة الضفة الغربية بالامتداد لحدود مدينة القدس شرقًا باتجاه البحر الميت، وما يتضمنه ذلك سرقة آلاف الدونمات من أراضي الضفة الغربية.
وفي الأمر الرابع كان التهويد العمراني الحضاري لسحق الهوية المعمارية العربية الإسلامية الأصيلة للمدينة بل والجوانب المعرفية فيها وكما يورد الباحث ببحثه العميق المعنون "القدس في الاستراتيجية الصهيونية من الأسرلة الى التهويد" قائلًا: "تمثلت استراتيجية الجرف التاريخي للقدس بلجوء "إسرائيل" إلى اعتماد مخطط التهويد الفضائي للمدينة، وذلك بتغيير وطمس معالم الفضاء العربي – الإسلامي الذي طبع المدينة بطابعه المعماري والثقافي والحضاري وصولاً إلى تلبيسها فضاءً غربيًا يلغي معالمها الأركيولوجية ويجعلها معلمًا مختلفًا كليًا بإبراز الطابع اليهودي الغربي الوافد إلى المدينة. وفي هذا السياق "عملت الصهيونية على إعادة اختراع "فلسطين من جديد" بتشويه ما يزيد عن ألفي سنة من التطور الحضاري والإنساني فيها تارة، وبطمس أجزاء منه تارات أخرى. وما فتئت الصهيونية "تقتلع وتخترع، وتمحي ثم تبني على أنقاض ما محت" لتحقيق غرضها. "وفي خضم هذا السيل الجارف الماحي تلمح رغبة صهيونية حثيثة لإعادة كتابة التاريخ، وذلك لكي يتكامل جرف الأرض مع جرف تاريخها".
والى الأساليب الأربعة الأولى المذكورة تجد خامسًا التهويد السياسي بتفريغ المدينة من النخبة السياسية الاجتماعية الثائرة المعروفة بالمواجهة للاحتلال وتحت ضغط قرارات الابعاد وإرهاب العصابات الصهيونية العاملة بالمدينة (ما يقارب 35 منظمة استيطانية وجماعة يهودية إرهابية ومتشددة) عوضًا عن قساوة الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وهذا مما يجعل المدينة دون قيادة أو طليعة ذات تجربة نضالية وسياسية عميقة. والى ذلك كان التهويد الاجتماعي بالالغاء الكلي لمجتمع مقدسي عربي-إسلامي متواصل واستبداله بالمجتمعات اليهودية الغربية خاصة ثم لاحقًا الشرقية ما يعني بوضوح إلغاء الهوية الحضارية والثقافية العربية للقدس بشطريها ثم بالبلدة القديمة وفي الاحياء العربية للشرقية وهي الهوية التي تشكلت منذ قرون.
ويمكننا الاستدلال على حجم الجريمة بالقدس من دراسة د.شادي عواد المعنونة: "تهويد القدس ثقافيا (1967-2022م)"، والتي هدف فيها الى" إلقاء الضوء على أهم الممارسات والسياسات التي قامت بتطبيقها "إسرائيل" بعد سيطرتها على مدينة القدس الشرقية عام 1967، خاصة فيما يتعلق بالجانب الصهيوني، الذي عمد على استخدام سياسة مفادها تهويد المدينة في كل المجالات ونخص بالذكر الناحية الثقافية. "
وقد توصل الباحث فيما نشره في المجلة الدولية للعلوم الانسانية والاجتماعية: "إلى عدة نتائج كان من أهمها أن استطاعت خلق حقائق جغرافية وسكانية (ديموغرافية) وسياسية مكنت الإسرائيلي من تغيير الكثير من معالم القدس وجزء من هويتها العربية الإسلامية وصبغتها بالصبغة الإسرائيليةـ وقد حقق الاحتلال أكثرية يهودية في المدينة مع محاولة استئصال الوجود العربي ومحاصرة التجمعات السكانية في المدينة وحولها."
فهو يتعرض للتهويد السكاني مشيرًا بوضوح لسياسة سحب الهويات للمقدسيين تحت حجج مختلفة مثل "مركز الحياة" أو الإقامة خارج المدينة لفترة طويلة ومثل الجدار العازل الذي عزل أحياء عربية كاملة عن مركز المدينة وما تسبب في تهجير آلاف الفلسطينيين، ناهيك عن سياسة هدم البيوت عبر القوانين التعجيزية وتدمير المنازل بحجة عدم الترخيص وترسيم مشروع القدس الكبرى بتوسيع حدود المدينة لضم كتل الاستيطانية كبرى لتحقيق الأغلبية اليهودية وأيضًا ما يتم من تواصل إغلاق المؤسسات الفلسطينية العاملة بالقدس، وعند الحديث للدكتورشادي عواد عن التهويد الديني والثقافي والعمراني يشير الى التركيز على طمس الهوية العربية والاسلامية والمسيحية وإحلال طابع يهودي مكانها وما يحصل من حفريات وأنفاق تحت المسجد الأقصى وفرض ما يحلمون به من التقسيم الزماني والمكاني ولما يمكن أن يكون مثل ما هو حاصل بالحرم الإبراهيمي بالخليل وصولًا للاستيلاء الكامل، عوضًا عن عبرنة كافة الأسماء للشوارع والأحياء والمعالم التاريخية وبوابات القدس (مثل تسمية باب العمود-عابر شكيم)، وفي قطاع التعليم محاولة فرض المنهج الإسرائيلي وبالتالي تشويه الحقائق التاريخية والدينية في المناهج التعليمية لطمس الهوية العربية والوطنية للطلاب.
وخلص الباحث ونشدّ على يديه بذلك إلى العديد من التوصيات كان أهمها : إعطاء مدينة القدس أهمية أكبر من قبل الباحثين والمتخصصين في شتى المجالات، بحيث تدرس الحياة بمختلف جوانبها في القدس على مر التاريخ، واثبات أنه لا يوجد تاريخ لليهود في المدينة. وأوصى الباحث كذلك بضرورة عمل وزارات التربية والتعليم العالي في جميع الدول العربية على طرح مقرر تاريخ القدس كمقرر إجباري لجميع الطلبة سواء في المدارس أو الجامعات. ومن التوصيات الأخرى التي أشار إليها الباحث ضرورة إعادة تأهيل ما يمكن تأهيله من المدارس الأيوبية والمملوكية في مدينة القدس بالرغم من صعوبة ذلك بفعل إجراءات الاحتلال الإسرائيلي في المدينة، وذلك للحفاظ على الطابع الأثري الإسلامي للمدينة. كما طالب ونطالب بدعم صمود العرب الفلسطينيين المقدسيين عبر تقديم الدعم المادي والمعنوي لتعزيز بقائهم وصمودهم في مواجهة سياسات الطرد والتهجير وأيضًا على صعيد المؤسسات حيث ضرورة مساندة ودعم المؤسسات الفاعلة في القدس مثل (مؤسسة الأقصى للوقف والتراث، وجامعة القدس المفتوحة، ومؤسسة القدس الدولية وغيرها...) وأيضًا تفعيل دور المنظمات الدولية مثل منظمة التعاون الإسلامي، عوضًا عن أهمية دعم كافة الأفكار والمبادرات مهما كانت بسيطة وتهدف لتعزيز صمود أهالي المدينة.



