الكاتب : د. محمد جبريني
في لحظة سياسية فارقة، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عزمه على الاعتراف الكامل بدولة فلسطين خلال مشاركته في الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر المقبل، في رسالة رسمية وُجهت إلى الرئيس محمود عباس بتاريخ 24 تموز/يوليو 2025. هذا الإعلان، الذي يأتي في خضم حرب دامية تشهدها غزة منذ أكتوبر 2023، يتجاوز حدود التضامن السياسي ليشكّل تحولاً حقيقياً في الموقف الفرنسي، وربما الأوروبي، من الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
رسالة الاعتراف: دعم سياسي مشروط بالإصلاح ..
لم يكن الاعتراف الفرنسي مجرد مجاملة دبلوماسية، بل جاء مشروطاً برؤية واضحة، عبّر عنها الرئيس ماكرون بدقة: تأكيد منظمة التحرير الفلسطينية على تبني حل الدولتين، والتزام السلطة الوطنية الفلسطينية بتولي مهامها السيادية على كامل الأراضي الفلسطينية، والاستعداد لتنفيذ إصلاحات داخلية عميقة تشمل إجراء الانتخابات العامة في عام 2026. وقد شدد ماكرون في رسالته على ضرورة أن تكون الدولة الفلسطينية “غير عسكرية بطبيعتها”، في تلميح مباشر إلى ضرورة احتكار السلطة الوطنية الفلسطينية للسلاح، وتهميش الأجنحة المسلحة، وعلى رأسها حركة "حماس".
تحوّل فرنسي يتجاوز الرمزية :
في عالم السياسة، كثيراً ما يتردد على الألسن القول بأن “الاعتراف لا يساوي قيام الدولة”، ولكن حين يصدر الاعتراف عن دولة كفرنسا، العضو الدائم في مجلس الأمن، فإن أبعاده تتجاوز الإطار الرمزي لتلامس عمق المعادلة الجيوسياسية. فالتحرك الفرنسي يحمل في طياته رسائل متشابكة:
أولاً، تأكيد على فشل الرعاية الأميركية المنفردة لعملية السلام.
ثانياً، دعوة لدول أوروبا الغربية لإعادة التموضع السياسي بعيداً عن الجمود الأميركي والتطرف الإسرائيلي.
وثالثاً، توجيه إشارة إلى العالم العربي، مفادها أن هناك شراكة حقيقية مع باريس، تتجاوز حدود الخطاب إلى الفعل السياسي المبادر، وهو ما يتجلى في رعاية فرنسية–سعودية مشتركة لمؤتمر دولي رفيع المستوى بشأن القضية الفلسطينية.
أوروبا تُعيد تموضعها… ولكن بأي تكلفة؟ ..
يعكس القرار الفرنسي إحساساً متنامياً في أوساط السياسة الأوروبية بأن الاستمرار في إدارة الظهر للقضية الفلسطينية لم يعد خياراً مقبولاً، لا أخلاقياً ولا سياسياً. فمشاهد الحرب المتواصلة في غزة، وسقوط آلاف الضحايا من المدنيين، والانزلاق المستمر نحو اليمين المتطرف في السياسة الإسرائيلية، كلها عوامل دفعت فرنسا لإعادة النظر في حساباتها الاستراتيجية.
لكن فرنسا، رغم ثقلها السياسي، لا تتحرك في فراغ. إذ من المتوقع أن تواجه حملة ضغط إسرائيلية–أميركية كبيرة لثنيها عن هذا المسار. كما قد تتعرض لمحاولات تقويض هذه المبادرة من خلال إثارة الشكوك حول مدى جدية السلطة الوطنية الفلسطينية في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، أو من خلال تصعيد أمني ميداني في غزة والضفة الغربية.
ماذا بعد الاعتراف؟ ..
قد يسأل البعض، وبحق: هل يكفي الاعتراف الفرنسي لإقامة الدولة الفلسطينية؟ الجواب، بالطبع، هو لا. فالواقع على الأرض لا يزال محكوماً بالاحتلال والاستيطان والانقسام. لكن الاعتراف ليس هدفاً في حد ذاته، بل وسيلة لخلق توازن سياسي جديد، يفتح الباب أمام:
-ترسيخ المكانة القانونية والدبلوماسية لدولة فلسطين.
-إعادة إطلاق مسار سياسي تفاوضي ضمن مرجعية دولية متعددة الأطراف.
-تقوية موقف منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.
خاتمة: لحظة اختبار للمجتمع الدولي ...
الاعتراف الفرنسي بدولة فلسطين ليس مجرد موقف شجاع، بل اختبار حقيقي لمصداقية المجتمع الدولي وقدرته على تحويل الأقوال إلى أفعال. إنها فرصة نادرة يجب البناء عليها، فلسطينياً وعربياً ودولياً، لفتح نافذة أمل وسط ركام الحرب، تعيد الاعتبار لحل الدولتين وتضع حداً لسياسات إسرائيل القائمة على إنكار وجود الشعب الفلسطيني ونفي حقوقه المقررة بالقانون الدولي، والإمعان بتنفيذ إجراءات أحادية الجانب لحسم الصراع.



