الكاتب: د.محمد جبريني
من يقرأ كتاب بنيامين نتنياهو "مكان تحت الشمس" يكتشف أن الرجل لم يكن ينظر إلى الردع العسكري فقط بوصفه سلاحًا يوقف العدو لحظيًّا، بل باعتباره عملية طويلة المدى تستهدف إعادة تشكيل وعي الخصم نفسه. استعان نتنياهو باستعارة لافتة: “تجربة السمكة والجدار الزجاجي”. في هذه التجربة، وُضعت سمكة مفترسة في حوض ماء مع سمكة صغيرة، لكن جدارًا زجاجيًا شفافًا فصل بينهما. اندفعت المفترسة مرارًا لتصطدم بالجدار حتى تيقنت من استحالة الافتراس. وعندما أزيل الجدار، لم تعد تحاول، إذ ترسخ لديها اعتقاد عميق بلا جدوى الهجوم.
نتنياهو يرى أن الفلسطينيين والعرب يجب أن يعيشوا صدمات متكررة تشبه اصطدام السمكة بالجدار، حتى يقتنعوا في النهاية بلا جدوى مواجهة إسرائيل. هذا ليس مجرد ردع عسكري، بل ردع نفسي يهدف إلى قتل فكرة المقاومة قبل أن تولد.
وإذا نظرنا إلى ما يجري اليوم في قطاع غزة ومخيّمات شمال الضفة (جنين، طولكرم، نور شمس)، نجد أن إسرائيل تطبق هذا المنطق بحذافيره. في غزة، يُترجم الردع إلى ضربات مدمرة متكررة وحصار خانق، يجعل الحياة اليومية نفسها ضربًا من الاستنزاف المستمر. في جنين ونور شمس، يتجلى الردع عبر الاقتحامات المتواصلة والهدم والتهجير، وتحويل المخيمات إلى فضاءات محطمة تُراد لها أن تفقد رمزيتها المقاومة.
الرسالة الإسرائيلية واضحة: “لقد اصطدمتم بالجدار مرارًا، وتكبدتم خسائر فادحة، فلا تفكروا بتكرار المحاولة.” لكن ما يغفله نتنياهو، وما تحذر منه أدبيات الردع نفسها، أن الألم المتراكم لا ينتج دائمًا استسلامًا. أحيانًا يراكم وعيًا بالمظلومية ويُغذي العناد والإصرار على المواجهة.
بين “سمكة نتنياهو” التي استسلمت بعد الصدمات، وواقع الفلسطيني الذي يجد نفسه مضطرًا للتمسك بالكرامة رغم الجراح، تتحدد اليوم معادلة الردع الإسرائيلية: هل ستخلق ذاكرة عجز، أم ستُطلق موجة جديدة من المقاومة والصمود والبقاء وصولاً لتحقيق الحرية والاستقلال؟



