محليات

تقرير: عائلة لبنانية نازحة تحول قارب صيد إلى منزل في صور هربا من القصف

64 مشاهدة
تقرير: عائلة لبنانية نازحة  تحول قارب صيد  إلى منزل  في صور هربا من القصف

صور- واثق نيوز-  في زاوية هادئة من مرفأ صور، يتمايل قارب صيد صغير على وقع الأمواج الخفيفة. لا يحمل اليوم شباكا ممتلئة بالأسماك، ولا يستعد صاحبه لرحلة صيد جديدة مع الفجر. تحوّل القارب إلى منزل مؤقت وإلى ملاذ أخير لعائلة وجدت نفسها تهرب من الحرب نحو البحر.

يقيم الصياد محمد أبو العينين مع زوجته نسرين، بعدما ضاقت بهم اليابسة واتسعت فوقهم دائرة الخوف، لم يعد البحر بالنسبة إلى محمد مجرد مساحة للعمل وكسب الرزق، بل أصبح سقفا ينام تحته ومكانا يحاول أن يحتمي فيه من القصف الذي اقترب من منزله في حي الرمال في مدينة صور.

على سطح القارب، تتدلى بعض الثياب على حبل صغير، نصبته نسرين، لتجف تحت شمس الصيف، وفي زاوية أخرى موقد متواضع وأوانٍ قليلة تحولت إلى مطبخ عائم. أما المساحة الضيقة المتبقية، فهي غرفة الجلوس وغرفة النوم ومكان استقبال الزوار في آن واحد.

يقول محمد للجزيرة نت وهو ينظر إلى المياه الممتدة أمامه: "منذ سنوات وأنا أخرج إلى البحر بحثا عن الرزق لكنني لم أتخيل يوما أن أعيش فيه هربا من الحرب".

قبل أشهر، كانت حياة العائلة تسير بصورة طبيعية، منزل في صور، وأب يعمل في الصيد، وأبناء يتابعون تعليمهم. لكن مع تصاعد الغارات الإسرائيلية واقتراب القصف من الأحياء السكنية، تبدلت كل التفاصيل. سقطت غارات على مقربة من المنزل، وأصبحت أصوات الانفجارات جزءا من الحياة اليومية، حتى بدا البقاء أكثر خطورة من الرحيل، عندها اتخذت العائلة قرار النزوح.

لم يكن أمامها الكثير من الخيارات، فوجدت في قارب الصيد الراسي في الميناء ملاذا مؤقتا، وانتقلت إليه بما استطاعت حمله من حاجيات بسيطة، ويقول محمد: "الحمد لله، نأكل ونشرب وننام هنا لكن هذه ليست حياة".

لم تحرمه الحرب من منزله فحسب، بل سلبته أيضا مصدر رزقه الوحيد. فمنذ ثلاثة أشهر لم يبحر محمد إلى البحر بحثا عن السمك، بعدما فرضت الحرب الإسرائيلية واقعا جديدا على الصيادين في مدينة صور.

وعلى جوانب القارب، بقيت الشباك معلّقة تنتظر موسما أكثر أمنا، فيما تتراكم الأعباء المعيشية يوما بعد يوم على كاهل العائلة. حال لا يقتصر عليه وحده، بل ينسحب على مئات الصيادين في مرفأ صور الذين وجدوا أنفسهم فجأة بلا مورد رزق وبلا رؤية واضحة لما يحمله الغد.

وحين يتحدث أبو العينين عن أولاده، يزداد صوته ثقلا، ابنته الجامعية تحتاج إلى رسوم الدراسة والسكن، فيما اضطر ابنه إلى التوقف عن متابعة دروسه عن بُعد بعدما أصبح تأمين الكهرباء والإنترنت أمرا يفوق قدرة العائلة.

وبين الخوف من الحرب والعجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية، تبدو أحلام الأبناء مؤجلة إلى أجل غير معلوم.

أما نسرين، فتعيش يوميا معركة مختلفة فوق القارب، تقول للجزيرة نت إنها لم تتخيل يوما أن تتحول حياتها إلى هذا الشكل. فالمرأة التي اعتادت تفاصيل المنزل البسيطة، من إعداد الطعام وترتيب الغرف والعناية بأسرتها، وجدت نفسها تحاول إعادة بناء حياة كاملة داخل مساحة لا تتجاوز بضعة أمتار.

تضيف: "تمسكنا بالبقاء في صور طوال فترة الحرب، لم نكن نريد مغادرة بيتنا، لكن عندما صار القصف قريبا جدا منا، لم يعد لدينا خيار".

بمساعدة أحد أقارب زوجها، انتقلت العائلة إلى القارب، حملت معها بعض الثياب وأدوات المطبخ الضرورية، وحاولت أن تصنع من المكان بيتا صغيرا. خصصت زاوية للطهي، وأخرى للنوم، ونشرت الملابس فوق السطح، وكأنها تقاوم الحرب بإصرار يومي على الاستمرار.

لكن الحياة فوق الماء ليست سهلة، لا خصوصية حقيقية، ولا حمامات مجهزة، ولا مقومات للاستقرار. تفاصيل صغيرة كانت تبدو عادية قبل الحرب تحولت اليوم إلى تحديات يومية مرهقة، وتقول نسرين إن أصعب ما يواجههم ليس ضيق المكان فقط، بل الإحساس المستمر بعدم الأمان.

فحتى هنا، في قلب الميناء، لا يغيب صوت الطائرات المسيّرة عن السماء، في الليل، حين تهدأ حركة المرفأ وتخفت الأصوات، يصبح أزيز الطائرات أكثر وضوحا. يستلقي أفراد العائلة للنوم، لكن النوم نفسه أصبح مهمة شاقة. كل صوت مفاجئ يوقظهم، وكل انفجار بعيد يعيد إليهم الخوف من جديد.

تقول نسرين: "لم يعد هناك نوم حقيقي، ننام بعين ونبقي الأخرى مفتوحة، أي صوت في الليل يجعلنا نستيقظ مذعورين".

ومع كل غارة جديدة تستهدف محيط المدينة، يعود السؤال ذاته ليطارد النازحين: أين يمكن الذهاب إذا لم يعد أي مكان آمنا؟

في المرفأ، تختلط حكاية محمد ونسرين بحكايات أخرى لعائلات دفعتها الحرب إلى خيارات لم تكن تتخيلها يوما. بعضهم لجأ إلى المدارس ومراكز الإيواء، وآخرون إلى منازل أقاربهم، أما هذه العائلة فاختارت البحر ملاذا أخيرا.

يجلس محمد قرب قاربه ساعات طويلة، يراقب الشباك التي كانت يوما مصدر رزقه، ويتأمل الأفق الذي اعتاد أن يبحر نحوه. وبين موجة تعلو وأخرى تنخفض، تبدو المسافة شاسعة بين حياته السابقة وحياته اليوم.

يطلب الرجل أن تنتهي الحرب وأن يعود إلى عمله، وأن يتمكن من تأمين حياة كريمة لأسرته. أما نسرين، فتختصر أمنيتها بكلمات قليلة تشبه أمنيات آلاف اللبنانيين الذين أنهكتهم الحرب: العودة إلى المنزل.

فبعد أيام طويلة من العيش فوق قارب صغير، لم تعد تحلم بأكثر من سرير ثابت، وجدران تحمي أبناءها، وليلة واحدة تنام فيها من دون أن يوقظها صوت طائرة أو انفجار.

وعلى رصيف مرفأ صور، حيث تحولت قوارب الصيد من وسيلة للرزق إلى ملاذ من الحرب، تواصل عائلة أبو العينين انتظارها. انتظار نهاية الغارات، وعودة الحياة إلى طبيعتها، وأن يصبح البحر مرة أخرى طريقاً للعمل لا عنوانا للنزوح.
المصدر: الجزيرة