رام الله-نابلس ـ واثق نيوز ـ تعيش الضفة الغربية أزمة اقتصادية متصاعدة تتجاوز تداعيات تراجع الإيرادات الحكومية، لتضرب مباشرة في العصب اليومي لحياة المواطنين وأعمالهم. في ظل تراكمات وعوامل ادت الى ما يوصف بالانحدار الاقتصادي الشديد، واهمها الإغلاقات، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، وأزمة إمدادات الطاقة، وتشديد اجراءات الإغلاق المطبق على اغلب مناطق الضفة، لتخلق حالة من الشلل الاقتصادي وتآكل سبل العيش في مختلف المحافظات.
صدمة الوقود: أزمة إمدادات وقفزات سعرية ..
أسهمت التوترات الإقليمية مؤخرا في زيادة الضغوط التضخمية، في الضفة الغربية، والتي تجلت بوضوح في أزمة الوقود وتعطل سلاسل الإمداد.
ففي مطلع شهر نيسان الماضي، شهدت الأسواق ارتفاعات حادة ومفاجئة، حيث ارتفعت أسعار الديزل بقرابة 40%، والبنزين بنحو 15%، وغاز الطهي بنسبة 25%. وجاءت هذه الارتفاعات في أعقاب موجات شراء بدافع الهلع، صاحبها اصطفاف طوابير انتظار طويلة أمام محطات الوقود.
وترافقت هذه الأزمة مع نقص حاد في التوريد، حيث قُدرت إمدادات الوقود الواردة من إسرائيل –التي تُعد المنفذ الوحيد لواردات الوقود– بأنها تتراوح بين 40% و50% دون المستويات المطلوبة.
ويكتسب هذا النقص أهمية اقتصادية بالغة الخطورة، إذ يُعد الديزل من الواردات الحيوية ويستحوذ وحده على نحو ثلثي استهلاك الوقود في الضفة الغربية. وباعتباره مدخلا أساسيا لقطاعات الزراعة والنقل والصناعة، فمن المرجح أن تنعكس هذه الزيادات السعرية مباشرة على تكاليف النقل وأسعار الغذاء والإنتاج الصناعي، مما يعزز الضغوط التضخمية العامة على المواطن.
170 مليار دولار خسائر القيود والإغلاقات ..
إلى جانب أزمة الطاقة، فرضت إسرائيل إغلاقات واسعة النطاق وحواجز متنقلة، وعمدت إلى تقليص ساعات عمل الحواجز العسكرية. هذه الإجراءات أدت إلى تعطيل وصول العمال إلى أماكن عملهم، وأسهمت في تمدد حالة من الشلل الاقتصادي إلى مختلف أنحاء الضفة الغربية.
وقد ترجم مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) حجم هذا الشلل إلى أرقام صادمة، إذ تشير التقديرات إلى أن القيود المفروضة على الحركة والوصول إلى الأسواق والموارد الاقتصادية في الضفة الغربية، تسببت في خسائر اقتصادية تراكمية، تجاوزت 170.8 مليار دولار خلال الفترة الممتدة بين عامي 2000 و2024. ويعادل هذا الرقم الضخم نحو 17 ضعف الناتج المحلي الإجمالي للضفة الغربية لعام 2024.
المنطقة “ج”: مصادرة الأراضي وخنق الاستثمار ..
لا يقتصر الخنق الاقتصادي على حركة الأفراد والسلع، بل يمتد إلى تجفيف الموارد الأساسية، وتحديدا الأراضي. ففي 15 شباط الماضي، أقرت إسرائيل قانونا يتيح تسجيل الأراضي والاستيلاء عليها في المنطقة “ج” (التي تشكل نحو 63% من مساحة الضفة) من خلال وزارة القضاء الإسرائيلية. وبموجب هذا القانون، أصبح من الممكن تسجيل الأراضي المصنفة “غير مسجلة” أو “أملاك غائبين” باسم إسرائيل، مما يسهل نقلها لجهات مرتبطة بالمستوطنين.
وتُظهر البيانات تسارعا في وتيرة الاستيلاء على الأراضي، فخلال الفترة ما بين 2022 و2025، صادرت إسرائيل أكثر من 128 ألف دونم في المنطقة “ج” بحجة أنها “أراضي دولة”.
كما خَلُص تقرير صدر عام 2024 إلى أن البؤر الرعوية الاستيطانية استُخدمت للاستيلاء على ما لا يقل عن 786 ألف دونم، وهو ما يمثل نحو 14% من المساحة الإجمالية للضفة الغربية.
يشار الى ان هذه السيطرة الخانقة على المنطقة “ج” لها فاتورة اقتصادية باهظة، إذ تشير تقديرات الأونكتاد، إلى أن القيود المفروضة في هذه المنطقة تتسبب في خسائر تعادل نحو 25.3% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي للضفة الغربية.
تآكل سبل العيش ومعدلات فقر مقلقة ..
وتأتي كل هذه التطورات الميدانية والقرارات الإسرائيلية لتضرب مجتمعا يعاني أصلا من هشاشة في أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية. فبحسب الأرقام، يعيش اليوم أكثر من ثلث سكان الضفة الغربية تحت خط الفقر. ومع تسجيل معدل البطالة نسبة اكثر من 37 بالمئة في الضفة و85 بالمئة في القطاع ، تصبح أي زيادات إضافية في أسعار السلع أو الوقود بمثابة ضربة قاصمة تفاقم معاناة السكان في مختلف المحافظات وتؤدي إلى مزيد من التآكل في مصادر رزقهم، حسب محللين واقتصاديين محليين.



